أفريقيا برس – السودان. زعم تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية ان الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران “زادت من نفوذَ المتشددين من بقايا النظام الإسلامي السابق و«المجاهدين» المتحالفين مع القوات المسلحة السودانية واعادته إلى دائرة الضوء، في تطور محرج للحاكم العسكري الفعلي للسودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
وقد اصبح القضاء على ما تبقى من النفوذ الإيراني وتدفقات السلاح، ومنع جماعة الاخوان المسلمين السودانية من إعادة فرض سيطرتها، أولوية متزايدة بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات، لا سيما بسبب انشغال هذه الأطراف بأمن البحر الأحمر، وفق الصحيفة.
وقد عقّد ذلك المهمة التي يواجهها البرهان في الحفاظ على ولاء طيف من الإسلاميين الذين يعتمد عليهم في ساحة المعركة، والذين أدوا دورًا حاسمًا في استعادة العاصمة الخرطوم العام الماضي، بينما يسعى في الوقت نفسه إلى نيل شرعية دولية.
وقال سليمان بلدو، وهو خبير سوداني في تسوية النزاعات: “لم يبن بديلًا عنهم بعد وهو يمارس أحيانًا مسرحيات تطهير الضباط الإسلاميين، لكنه لا يستطيع حقًا التخلص منهم”.
وعادت إيران إلى المشهد بعد اندلاع الحرب في 2023، إذ زودت نظام القوات المسلحة السودانية بالذخيرة وطائرات “مهاجر-6” المسيّرة، منهية بذلك انقطاعًا استمر ثماني سنوات، كانت السعودية قد أصبحت خلالها صاحبة النفوذ الأبرز في السودان.
البرهان يعتمد على الاسلاميين
وبينما يضم التحالف الذي يقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية الآن مجندين جددًا، إلى جانب مسلحين سابقين من دارفور وجماعات مسلحة عرقية محلية، اعتمد البرهان اعتمادًا كبيرًا على الكتائب الإسلامية لعكس خسائره الأولية في الحرب.
وكانت كتيبة البراء بن مالك من أقوى هذه التشكيلات، وهي وحدة قتالية نخبوية مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين وجرى دمجها رسميًا في الجيش، وقد أدى نحو 20 ألفًا من مقاتليها دورًا في الخطوط الأمامية في استعادة الخرطوم العام الماضي، بعدما جُرّدت العاصمة من مقوماتها ودُمّرت جزئيًا تحت سيطرة الدعم السريع.
وتزعم وزارة الخزانة الأميركية إن الحرس الثوري الإيراني قدموا تدريبًا واسلحة إلى كتيبة بن مالك، التي اتهمتها واشنطن بعرقلة جهود وقف إطلاق النار بنشاط.
وتبدو مساحة المناورة أمام البرهان محدودة في ظل محاولته الموازنة بين المطالب المتنافسة لهذه الكتائب، مع سعيه إلى إقناع العالم الخارجي بأنها لا تملك نفوذًا يُذكر.
وقال ضابط سابق في الاستخبارات العسكرية إن “أي مناورة منه ستؤدي إلى رد فعل عكسي”، معتبرًا أن أفضل أمل للسودان في تحقيق الاستقرار، قبل أي انتقال سياسي مستقبلي، يكمن في الحفاظ على هذا التحالف موحدًا تحت مظلة القوات المسلحة السودانية.
ويعيش السودان أسوأ أزمة إنسانية في العالم بعد ثلاث سنوات من الحرب الأهلية، التي اندلعت عندما انقلب الحليفان السابقان، قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، أحدهما على الآخر.
ولم تُثمر أشهر من الجهود الرامية إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، والتي قادتها واشنطن وشاركت فيها السعودية ومصر، الداعمتان للقوات المسلحة السودانية، والإمارات، الراعية لقوات الدعم السريع، إلا نتائج محدودة.
وكسرت واشنطن مبدأ المساواة في العقوبات التي فرضتها على طرفي الحرب للمرة الأولى في مارس الماضي، إذ صنّفت جماعة الإخوان المسلمين السودانية “منظمة إرهابية عالمية”، قائلة إن الجماعة الإسلامية السنية العابرة للحدود، بدعم من إيران، تعمل على إدامة الحرب الأهلية في السودان وفق الصحيفة البريطانية.
وفُرضت العقوبات بعد وقت قصير من إعلان قائد بارز في جماعة إسلامية متحالفة مع القوات المسلحة السودانية، هو عناقي عبد الله، تأييده لإيران ودعوته مقاتليه إلى الاصطفاف وراء قضية طهران.
واعتُقل عبد الله لفترة وجيزة، فيما حرص البرهان على استرضاء داعميه السعوديين بإدانة القصف الإيراني لدول الخليج.
كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على كتيبة البراء بن مالك، وكان لأبوظبي تأثير في إقناع واشنطن بأن تغلغل الإسلاميين داخل القوات المسلحة السودانية يمثل تهديدًا للاستقرار الإقليمي.
وتعود التوترات الكامنة وراء قرار واشنطن فرض عقوبات على جماعة الإخوان المسلمين إلى انقلاب عام 1989، الذي أوصل عمر البشير إلى السلطة بدعم من الحركة الإسلامية السودانية.
وسبق ان استضافت الخرطوم أسامة بن لادن في السنوات التالية، وحشدت أعداء الولايات المتحدة وإسرائيل، بما في ذلك قوميون عرب وإسلاميون من التيارين السني والشيعي.
وقررت الخرطوم تزويد واشنطن بمعلومات استخباراتية في مجال مكافحة الإرهاب، وسط انقسامات داخل الحركة الإسلامية لا تزال آثارها قائمة، في محاولة للتخلص من جولة سابقة من العقوبات الأميركية، وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر، لكن عندما أطاحت احتجاجات الشارع بالبشير في 2019، كانت قوات الأمن لا تزال خاضعة لهيمنة إسلاميين جرى تجنيدهم على مدى العقود السابقة، وكان السودان أيضًا غارقًا في طيف واسع من الميليشيات، من بينها قوات الدعم السريع، التي سلّحها البشير ونشرها في محاولة كارثية لسحق التمردات في جنوب السودان ودارفور.
وتمت الاطاحة بالحكومة الانتقالية القصيرة العمر، التي كانت قد أثارت آمالًا بمستقبل أكثر ديمقراطية، قبل أن يتوافر لها الوقت أو الموارد لإصلاح الجيش وتسريح الميليشيات.
وقال الضابط السابق: “لا يوجد جيش وطني. لا يزال جيشًا سياسيًا”، موضحًا كيف جرى تجنيده هو ومجندون آخرون في الأصل بسبب ولائهم للإخوان المسلمين، وأضاف أن معظم تلك الطبقة من الضباط بقيت في مواقعها.
مصر والسعودية لا تريدان الاسلاميين
وتعارض مصر والسعودية جماعة الإخوان المسلمين، لكنهما تنظران إلى القوات المسلحة السودانية بوصفها المؤسسة الحكومية الوحيدة القادرة على مواجهة تفكك البلاد.
ويشعر بعض السودانيين بالحيرة من تصنيف الولايات المتحدة جماعة الإخوان المسلمين إرهابية، من دون أن تفعل الأمر نفسه مع قوات الدعم السريع، التي اتهمتها واشنطن والأمم المتحدة بارتكاب إبادة جماعية.
وتساءل أمجد فريد الطيب، مستشار البرهان للعلاقات الخارجية والشؤون السياسية، وهو ليس إسلاميًا، عمّا إذا كان لتصنيف الولايات المتحدة طيفًا من الإسلاميين المتداخلين مع القوات المسلحة السودانية، ووصف إحدى مجموعاتهم بالإرهابية، أي قيمة فعلية، واستحضر شكسبير قائلًا: “ماذا قال شكسبير عن الوردة لو حملت اسمًا آخر، ألن تفوح بالعطر نفسه؟”، مستشهدًا بعبارة من مسرحية “روميو وجولييت”.
وقال إن الحرب بالنسبة إلى السودانيين، إسلاميين كانوا أم غير ذلك، حرب وجودية؛ دفاعًا عن الوحدة الوطنية في مواجهة ميليشيا ترعاها أبوظبي وارتكبت إبادة جماعية، وفقًا للولايات المتحدة والأمم المتحدة، ورفض تصوير الصراع على أنه صراع بين قوى علمانية وأخرى دينية، وذكر أسماء شخصيات بارزة في قوات الدعم السريع كانت هي نفسها من كبار الإسلاميين في نظام البشير السابق، ومنهم حسبو محمد عبد الرحمن، نائب الرئيس السابق.
وقال: “عندما يقولون إنهم يقاتلون الإسلام السياسي، فهذه محاولة من الإمارات ومن يقفون إلى جانبها لإخفاء حقيقة الفظائع التي ارتكبوها… ولإضفاء الشرعية على ميليشيا فاشية”، وتنفي الإمارات بشدة دعمها أي طرف في الحرب.
أما بالنسبة إلى السودانيين الذين لا ينتمون إلى أي من المعسكرين، فإن الخيارات تبدو مستحيلة الفهم، فكلا الطرفين يسعى إلى نصر عسكري لم يثبت أي منهما قدرته على تحقيقه.
وقد أدى الرعب الهائل الذي أطلقته قوات الدعم السريع، وعمليات القتل الجماعي الموثقة، والاستخدام المنهجي للاغتصاب، والنهب الواسع النطاق الذي ارتكبته، إلى استبعادها في نظر كثيرين من أي دور في مستقبل السودان، لكن النفوذ الزاحف لرموز نظام البشير الإسلامي السابق، واعتماد البرهان على ميليشيات مسؤولة هي الأخرى عن فظائع، يثيران مخاوف من العودة إلى ماضٍ وحشي وسلطوي.





