من وحي مسيرة “كلنا ضد الظلم”

من وحي مسيرة
من وحي مسيرة "كلنا ضد الظلم"

منصف الشريقي الأمين العام للحزب الاشتراكي

أهم ما يجب معرفته

شهدت تونس العاصمة مسيرة احتجاجية تحت شعار “كلنا ضد الظلم”، حيث تجمع نشطاء من مختلف الأطياف للمطالبة بحقوقهم وحرية التعبير. المسيرة، التي نظمتها لجنة الدفاع عن السجين أحمد صواب، عكست وحدة الشعب التونسي في مواجهة الظلم والانتهاكات. المتظاهرون نددوا بالاعتقالات التعسفية والضغوط على المجتمع المدني، مؤكدين على أهمية الديمقراطية وحقوق الإنسان.

أفريقيا برس – تونس. ليست المرة الأولى التي تشهد فيها تونس العاصمة وعدد من الجهات مسيرات احتجاجية ضد الظلم والجور ومظاهر التعدي على الحقوق والحريات، والتي مست كل القوى الحية في المجتمع، لكن مسيرة يوم السبت 22 نوفمبر كانت جامعة، تخلت فيها جميع الأطراف عن نفعها السياسي المباشر، ووحد الشارع صوتها تحت شعار “كلنا ضد الظلم”.

تجمع حول هذا الشعار ناشطات ونشطاء شباب ومن المجتمع المدني والسياسي، مناضلون سياسيون وحقوقيون، ونخب من جميع الأوساط، وإعلاميون ومواطنون ومواطنات في مسيرة احتجاجية، دعت لها لجنة الدفاع عن السجين أحمد صواب ومجموعة من الشباب، وقد يسرت الدعوة تجميع هذا الحشد بصوت واحد منددا بانتهاك الحقوق والحريات، وقد تصدرتها لافتة كبيرة لخصت الأوضاع العامة التي يمر بها الشعب التونسي.

لقد ندد المتظاهرون بالإيقافات الاعتباطية التي لم يسلم منها من طالب بالتداول على السلطة أو عبر عن موقف ناقد لصاحب السلطة أو عبر عن مساندته لمعارض منافس له، حتى وإن كان ذلك في مرحلة انتخابية، وبالضغط على جمعيات المجتمع المدني، بدعوى ملاحقة التمويل الأجنبي، وعلى الأحزاب ودورها في الحياة السياسية. ونددوا أيضا بالمحاكمات التي تنتهك فيها أبسط حقوق المتهم، ابتداء من قرينة البراءة إلى أن تثبت هيئة المحكمة، التي لا تشوبها شائبة، إدانته، وانتهاء بحقّه في المثول أمامها للدفاع عن نفسه في محاكمة علنية وعادلة، إلى جانب تعطيل عمل المحامي في الدفاع عن منوبه، وشهروا بتدخل السلطة التنفيذية في شؤون القضاء.

كان حضور القوى الجمهورية، الديمقراطية واليسارية والاجتماعية، مع الجمهور الديمقراطي والحداثي لافتا، رغم التشويه الذي تعرض له الداعون والمشاركون، لأنهم يؤمنون بحق الاختلاف ويدافعون عن الضحية مهما كان انتماؤها، منددين بالجاني مهما كان مركزه. ولأنهم يؤمنون بالعمق الإنساني للحداثة والديمقراطية، الذي عبر عنه فولتير منذ القرن الـ19 بأنه “سيدافع عن رأي الآخر حتى لو كان خطأ محضا، ليس دفاعا عن الخطأ بل دفاعا عن التعبير، لأن الخطأ يحق له أن يوجد”. وقد لخص ذلك في قولته الشهيرة: “قد اختلف معك في الرأي ولكنني مستعد للموت دفاعا عن حقك في إبداء رأيك.”

حضر المسيرة إلى جانب عائلات المساجين السياسيين نشطاء ورموز من الأحزاب والمجتمع المدني وشخصيات وطنية، ولعب الشباب دورا فعالا في رفع الشعارات وتأطير المسيرة، ومثل علامة بارزة في نجاحها وتنظيم سيرها.

وبمرور المسيرة أمام مقر الإدارة المركزية للمجمع الكيميائي، رفع المتظاهرون شعار “الشعب يريد تفكيك الوحدات”، الذي كان رفعه أهل قابس في مسيرتهم الشهيرة، وأطلق المنظمون دخانا أسود يمثل صورة لما يعانيه سكان قابس يوميا، خاصة وأن حالات الاختناق متواصلة، والدمار البيئي يواصل الزحف على كامل المدينة. هذا وقد واصلت المسيرة سيرها مرورا بنهج الولايات المتحدة مساندة لنقابة الصحفيين وللصحفيين عامة إلى “ساحة باستور” أمام المسبح البلدي، للتشهير بالخطاب الشعبوي حول “البناء والتشييد” الذي لم تتعد إنجازاته ترميم مسبح بلدي وساحة برشلونة!!

إن مسيرة السبت 22 نوفمبر، أكدت بأن تونس لا يمكن حكمها عن طريق الدكتاتورية والاستبداد، فالشعب التونسي الذي ذاق طعم الحرية لا يمكنه أن يقبل بأن يسوسه حاكم فردي بطريقة مطلقة. إن الهدوء والنفور من الشأن العام في فترة ما لا يعني التسليم والقبول بالأمر الواقع، فها هو اليوم عائد للنضال بأكثر قوة وتصميم دفاعا عن حريته وعن حقه في العيش كريما في بلده، في ظل جمهورية ديمقراطية اجتماعية تضامنية، يكون فيها القضاء سلطة، وممثلو الشعب المنتخبون في مجلسهم سلطة، والحكومة والرئاسة تمثلان سلطة التنفيذ، وثلاثتها تمثل سلطات للدولة، كل واحدة مستقلة في مجالها، وهو مطمح لا يردعه التخويف والترهيب والتخوين والقمع والمحاكمات وحملات التشويه والشتم في الفضاء الافتراضي، والإيقافات والمحاكمات وسرعة إصدار الأحكام الجائرة والسجون والحرمان بمختلف أصنافه.

إن الشعب التونسي عائد لا محالة إلى النضال من أجل حقوقه وطموحاته المشروعة، وستظل قواه الجمهورية، الديمقراطية واليسارية والاجتماعية، مناصرة للحرية والحق، مناضلة في سبيلهما، ومناهضة للظلم والجور والقهر. ولكي تكون فاعلة أكثر، فما عليها إلا أن تبذل جهدا من أجل توحيد صفوفها على حد أدنى جمهوري ديمقراطي اجتماعي تضامني، وعلى هذا الأساس ليس أمام القوى الجمهورية لتكون فاعلة إلا أن تبذل جهدا يستوحي من الجهد الذي بذله منظمو هذه المسيرة لتحقيق النجاح المرجو.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here