أهم ما يجب معرفته
تحولت السنغال إلى عملاق كروي في أفريقيا بفضل التخطيط المدروس والاستثمار في كرة القدم. بعد إخفاقات سابقة، بدأت السنغال رحلة إعادة الهيكلة في 2009، مما أدى إلى تحقيق نجاحات متتالية، بما في ذلك الفوز بكأس الأمم الأفريقية 2021 و2025. اليوم، تبرز السنغال كنموذج يحتذى به في القارة السمراء، مع قاعدة قوية من اللاعبين المحليين.
أفريقيا برس. لم يكن صعود كرة القدم السنغالية إلى قمة القارة الأفريقية نتاج صدفة سعيدة أو جيل استثنائي عابر، بل ثمرة مسار طويل من الإخفاقات، والمراجعات القاسية، ثم التخطيط الهادئ والاستثمار في الإنسان قبل النتائج.
فمن خيبة ما أعقب ملحمة مونديال 2002، إلى اجتياح البطولات الأفريقية خلال العقد الأخير، كتبت السنغال واحدة من أكثر قصص التحول الكروي اكتمالًا في القارة السمراء. وها هي اليوم تضيف لقب كأس الأمم الأفريقية 2025 إلى خزائنها، بعد تتويج 2021، مؤكدة أن المسيرة لم تبلغ نهايتها بعد، وأن فصول النجاح لا تزال مفتوحة.
2002: المجد الذي سبق السقوط
في 16 يونيو/حزيران 2002، دخل منتخب السنغال التاريخ من أوسع أبوابه. في أول مشاركة له في كأس العالم، أطاح بحامل اللقب فرنسا، وتعادل مع الدنمارك وأوروغواي، ثم أقصى السويد بهدف ذهبي لهنري كامارا، ليبلغ ربع النهائي ويصبح ثاني منتخب أفريقي يحقق هذا الإنجاز بعد الكاميرون.
لكن خلف هذا المجد، كانت المنظومة هشة. فالسنغال خسرت قبلها نهائي كأس أمم أفريقيا أمام الكاميرون، ولم تُحسن استثمار جيلها الذهبي إداريًا وفنيًا.
اكتفت بالمركز الرابع في كان 2006، ثم غابت عن كأس العالم وأمم أفريقيا 2010، في واحدة من أكثر الفترات إحباطًا في تاريخها الكروي.
2009: لحظة الانكسار وبداية البناء
شكل عام 2009 نقطة التحول الحقيقية. بعد حل الاتحاد السنغالي لكرة القدم، تم انتخاب أوغستان سينغور رئيسًا جديدًا، ليقود عملية إعادة هيكلة شاملة شملت:
تنظيم البطولات المحلية، بناء استراتيجية طويلة المدى لكل المنتخبات، الاستثمار في التكوين القاعدي، والثقة في المدربين والخبرات المحلية، وفصل العمل الفني عن الضغوط السياسية والنتائج الآنية في الخلفية.
وكانت الأكاديميات الخاصة قد بدأت عملها منذ سنوات، وعلى رأسها جينيراسيون فوت (Génération Foot) (2001) وديامبارس (Diambars) (2003)، واضعة أسس ثورة تكوين حقيقية ستغير وجه الكرة السنغالية.
الاستقرار السلاح السري
بينما تعاني معظم المنتخبات الأفريقية من تغييرات إدارية وفنية مستمرة، اختارت السنغال طريقًا نادرًا وهو الاستقرار. أوغستان سينغور رئيسًا للاتحاد منذ 2009، وأليو سيسيه مدربًا للمنتخب الأول.
منذ 2015 مدربون محليون في كل الفئات السنية. هذا الاستقرار سمح ببناء منتخب بهوية واضحة، ونواة صلبة من القادة مثل إدريسا غاي، ساديو ماني، وكاليدو كوليبالي، مع تجديد تدريجي دون صدمات.
“كأس أمم أفريقيا كسرت الحاجز” يصف ديمبا با التتويج بكأس أمم أفريقيا 2021 (لعبت في 2022) بأنه لحظة تحرر ذهني: “هذه الكأس كسرت الحاجز النفسي. السنغال تعرف كيف تفوز الآن”. بعد خسارة نهائي 2019 أمام الجزائر، بدا المنتخب أكثر نضجًا.
وفي الكاميرون، تجاوز كل العقد، وتُوج باللقب القاري الأول في تاريخه على حساب مصر، ليغلق صفحة الانتظار التي امتدت نصف قرن.
لكن المفاجأة الحقيقية جاءت لاحقًا. اجتياح القارة: ألقاب بلا استثناء خلال 12 شهرًا فقط، أصبحت السنغال أول دولة أفريقية تتوج بالألقاب الثلاثة الكبرى التابعة للكاف:
كأس أمم أفريقيا (المنتخب الأول) 2021 و2025، بطولة أمم أفريقيا للمحليين (CHAN) (2023)، كأس أمم أفريقيا لكرة القدم الشاطئية.
إضافة إلى: كأس أفريقيا تحت 20 سنة، وكأس أفريقيا تحت 17 سنة، حضور قوي للمنتخب النسوي، تأهل دائم لكؤوس العالم في الفئات السنية.
9 أندية من أصل 14 في الدوري المحلي مثلت منتخب الشان، في دليل صارخ على عمق القاعدة وليس مجرد قمة لامعة.
التكوين
المصنع الحقيقي للألقاب رغم محدودية الإمكانيات المالية مقارنة بدول شمال أفريقيا، ركزت السنغال على الاستثمار في الإنسان:
مئات المدربين برخص كاف (إيه – بي – سي – دي). مراكز تكوين وطنية افتتحت منذ عامي 2013 و2019 وأكاديميات تصدر اللاعبين لأكبر الدوريات، ويكفي أن نعلم أن السنغال تُعد ثاني أكثر جنسية أجنبية حضورًا في الدوري الفرنسي بعد البرازيل، وقبل الأرجنتين، رغم عدد سكانها المحدود.
مفارقة النجاح
الدوري المحلي الحلقة الأضعف رغم الهيمنة القارية، يظل الدوري السنغالي شبه محترف: رواتب ضعيفة مع ملاعب وبنية تحتية متواضعة عجلت بهجرة سريعة للمواهب، ومع كل تتويج، تزداد شهية الأندية الأوروبية وشمال الأفريقية، ما يفرغ البطولة المحلية من نجومها قبل أن تجني ثمارهم.
وحدها الأكاديميات، مثل جينيراسيون فوت بشراكتها مع ميتز (Metz)، استطاعت الاستفادة اقتصاديًا جزئيًا من هذا النجاح.
دعم الدولة
بين الوعود والانتظار بعد التتويج بلقب الشان في الجزائر، أعلن الرئيس ماكي سال عن برنامج وطني لدعم كرة القدم، ومنح اللاعبين مكافآت وأراضي، ودعا القطاعين العام والخاص للاستثمار في الأندية.
لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل الإنجازات إلى بنية مستدامة: ملاعب حديثة، وتمويل منتظم، وتقليص نزيف المواهب.
السنغال لم تعد منتخبًا – بل منظومة
ما تعيشه السنغال اليوم ليس طفرة، بل نتيجة 15 عامًا من التخطيط والصبر: رؤية واضحة، واستثمار في التكوين، وثقة في الخبرة المحلية، واستقرار إداري نادر، وثقافة فوز ترسخت تدريجيا. السنغال اليوم لا تنافس على الألقاب فقط، بل تفرض نموذجًا في القارة.
ويبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على هذا البناء من أن تفرغه هجرة المواهب.. قبل أن يبلغ ذروته الكاملة.
تاريخ كرة القدم في السنغال شهد تحولات كبيرة منذ بداية الألفية. بعد نجاحها في كأس العالم 2002، واجهت البلاد تحديات كبيرة في السنوات التالية، بما في ذلك إخفاقات في البطولات القارية. لكن عام 2009 كان نقطة تحول، حيث تم إعادة هيكلة الاتحاد السنغالي لكرة القدم، مما أدى إلى استثمار أكبر في تطوير اللاعبين المحليين.
منذ ذلك الحين، حققت السنغال نجاحات ملحوظة، بما في ذلك الفوز بكأس الأمم الأفريقية. هذا النجاح لم يكن مجرد صدفة، بل نتيجة لجهود طويلة الأمد في التخطيط والتطوير، مما جعل السنغال واحدة من القوى الكروية الرائدة في أفريقيا اليوم.





