العنف ضد الأجانب في جنوب إفريقيا.. من يقف وراءه؟

العنف ضد الأجانب في جنوب إفريقيا.. من يقف وراءه؟
العنف ضد الأجانب في جنوب إفريقيا.. من يقف وراءه؟

أفريقيا برس. تواجه جنوب إفريقيا موجة جديدة من التوترات المرتبطة بملف الهجرة، في وقت تتصاعد فيه الاحتجاجات المناهضة للأجانب في عدد من المدن الكبرى، مترافقة مع أعمال عنف وضغوط سياسية وشعبية متزايدة على الحكومة. وبينما تتعهد السلطات باحتواء الأزمة وتشديد تطبيق قوانين الهجرة، تحذر منظمات حقوقية وإقليمية من تحول الاحتقان الاجتماعي إلى موجة أوسع من كراهية الأجانب تهدد الاستقرار الداخلي وصورة البلاد الإقليمية.

وفي هذا السياق، تعهد رئيس جنوب إفريقيا Cyril Ramaphosa، في خطاب متلفز، بالتحرك ضد الجماعات التي تقف وراء موجة العنف المتصاعدة ضد الأجانب، مؤكداً أن الدولة لن تسمح باستغلال المخاوف الشعبية من الهجرة غير الشرعية لتمرير أجندات سياسية أو إجرامية.

وقال رامافوزا إن حكومته ستتحرك ضد “القوى التي تستغل مخاوف شعبنا بشأن الهجرة غير الشرعية لخدمة أجنداتها السياسية والشخصية والإجرامية”، مضيفاً أن القلق الشعبي بشأن تدفق المهاجرين لا ينبغي أن يتحول إلى فوضى أو عنف أو استهداف جماعي للأجانب.

وشدد الرئيس الجنوب إفريقي على أن تطبيق قوانين الهجرة مسؤولية الدولة وحدها، محذراً المواطنين من توقيف الأشخاص في الشوارع أو مطالبتهم بإثبات هوياتهم، في إشارة إلى تنامي ظاهرة “الاقتصاص الأهلي” التي بدأت تظهر في بعض المناطق، حيث تنظم مجموعات محلية حملات تفتيش غير رسمية تستهدف المهاجرين، خاصة من الدول الإفريقية المجاورة.

احتجاجات متصاعدة ومهلة للمغادرة

تأتي تصريحات رامافوزا في وقت تشهد فيه عدة مدن، بينها جوهانسبرغ وبريتوريا وديربان، احتجاجات متزايدة ضد المهاجرين غير النظاميين، تخللتها أحياناً أعمال عنف ونهب واعتداءات جسدية، وسط دعوات أطلقتها جماعات مناهضة للهجرة تطالب الأجانب بمغادرة البلاد خلال مهلة زمنية محددة.

ورغم أن الحكومة تؤكد أن الاحتجاجات لا تمثل المزاج العام للجنوب إفريقيين، فإن تكرارها يعكس عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، ويكشف في الوقت ذاته حجم التوتر المرتبط بالمنافسة على فرص العمل والخدمات العامة في ظل أوضاع اقتصادية صعبة.

وفي أحدث التطورات، خرج متظاهرون مناهضون للأجانب في منطقتي بوكسبرغ وبينوني شرقي جوهانسبرغ، رافضين الإصلاحات الحكومية المقترحة بشأن إدارة ملف الهجرة. ووفق تقارير محلية، سار المحتجون تحت حماية الشرطة دون تسجيل أعمال عنف، لكنهم حملوا هراوات وعصيّاً وسياطاً، ورفعوا شعارات تطالب برحيل جميع الأجانب، وليس فقط المقيمين بصورة غير نظامية.

من يقف وراء موجة التحريض؟

لم يسمِّ رامافوزا الجماعات التي يقصدها في خطابه، مكتفياً بالإشارة إلى “قوى تستغل المخاوف من الهجرة”، غير أن تقارير إعلامية وحقوقية تشير إلى دور متنامٍ لحركتين مناهضتين للهجرة، هما “عملية دودولا” و”مارش آند مارش”.

وتُعد حركة “عملية دودولا” – التي يعني اسمها بلغة الزولو “الطرد بالقوة” – من أبرز التنظيمات التي برزت خلال السنوات الأخيرة، إذ تدعو إلى ترحيل المهاجرين غير النظاميين وتتهمهم بالاستحواذ على فرص العمل والمساهمة في ارتفاع معدلات الجريمة.

أما حركة “مارش آند مارش”، فقد نظمت خلال الأشهر الماضية سلسلة احتجاجات في مدن رئيسية، شملت بريتوريا وجوهانسبرغ وديربان، مطالبة بإغلاق الأنشطة التجارية التي يديرها مهاجرون وترحيل المقيمين بصورة غير قانونية.

لكن منظمات حقوق الإنسان تحذر من أن هذه الحملات غالباً ما تتحول إلى استهداف جماعي للأجانب، بمن فيهم المقيمون الشرعيون واللاجئون، فضلاً عن تعرض مواطنين جنوب إفريقيين أحياناً للمضايقة بسبب أصولهم أو لهجاتهم المختلفة.

أزمة اقتصادية تغذي التوتر

يرى مراقبون أن تصاعد المشاعر المناهضة للأجانب يرتبط بشكل مباشر بتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في جنوب إفريقيا، التي تواجه منذ سنوات معدلات بطالة مرتفعة، خاصة بين الشباب.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن معدل البطالة في البلاد تجاوز 43% وفق بعض المؤشرات الموسعة، وهو من بين الأعلى عالمياً، ما أسهم في تنامي الشعور بالإحباط الشعبي واتساع الفجوة الاجتماعية.

وفي هذا المناخ، بات المهاجرون هدفاً سهلاً للاتهامات المتعلقة بارتفاع البطالة وتراجع الخدمات وانتشار الجريمة، رغم أن عدداً من الدراسات الاقتصادية والحقوقية لا يجد أدلة حاسمة على أن المهاجرين يشكلون السبب الرئيس لهذه الأزمات.

ويشير خبراء إلى أن الاقتصاد غير الرسمي في جنوب إفريقيا يعتمد بدرجة كبيرة على العمالة المهاجرة، خاصة في قطاعات التجارة الصغيرة والبناء والخدمات، ما يجعل الملف أكثر تعقيداً من مجرد دعوات للترحيل الجماعي.

كما أن استمرار انقطاع الكهرباء، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف النمو الاقتصادي، كلها عوامل تغذي حالة الغضب الشعبي، وتمنح الجماعات الشعبوية مساحة أكبر لاستثمار المخاوف الاجتماعية.

انتقادات حقوقية للسلطات

في هذا الإطار، حذرت منظمة هيومن رايتس ووتش من موجة جديدة من الاعتداءات ضد الأجانب من جنسيات إفريقية وآسيوية، معتبرة أن استجابة الشرطة والسلطات المحلية جاءت “ضعيفة أو غير كافية” في بعض الحالات.

وقالت المنظمة إن الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار الماضيين في مدن كبرى اتسمت أحياناً بالعنف المميت، داعية الحكومة إلى حماية المهاجرين واللاجئين ومحاسبة المتورطين في التحريض والاعتداءات.

كما أعربت اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب عن قلقها من تصاعد أعمال الكراهية، مطالبة السلطات الجنوب إفريقية بإجراء تحقيقات شفافة وضمان العدالة للضحايا.

ولا تعد هذه الأزمة جديدة على جنوب إفريقيا، إذ شهدت البلاد منذ عام 2008 موجات متكررة من العنف ضد الأجانب، أسفرت عن مقتل العشرات وتشريد الآلاف، خصوصاً من مهاجرين قدموا من زيمبابوي وموزمبيق ونيجيريا والصومال وإثيوبيا ودول إفريقية أخرى.

تداعيات إقليمية متزايدة

أثارت التطورات الأخيرة ردود فعل إقليمية، خاصة من الدول التي ينتمي إليها عدد كبير من المهاجرين المقيمين في جنوب إفريقيا.

وأفادت تقارير بأن غانا ونيجيريا ومالاوي وموزمبيق بدأت إعادة بعض مواطنيها العالقين في خضم الاحتجاجات، فيما أعلنت موزمبيق مقتل خمسة من رعاياها خلال أعمال العنف.

كما تقدمت غانا بشكوى إلى الاتحاد الإفريقي بشأن ما وصفته بسوء معاملة رعاياها، وبدأت بحصر الأصول والممتلكات التي فقدها المواطنون الغانيون، تمهيداً لتحركات قانونية محتملة للمطالبة بالتعويض.

أما على المستوى الدولي، فقد أعرب الأمين العام للأمم المتحدة António Guterres عن قلقه إزاء التقارير المتعلقة بالمضايقات والتمييز والاعتداءات التي تستهدف الأجانب، داعياً إلى احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.

بين تشديد القوانين واحتواء الاحتقان

في مواجهة الأزمة، تؤكد حكومة رامافوزا أنها تعمل على مسارين متوازيين: الأول يتمثل في تشديد إنفاذ قوانين الهجرة وضبط الحدود، والثاني في منع الانزلاق نحو العنف المجتمعي.

وأعلن الرئيس الجنوب إفريقي عن حزمة إجراءات تشمل مراجعة قوانين الهجرة، وتعزيز التنسيق مع دول الجوار لمعالجة أسباب الهجرة غير النظامية، إضافة إلى إنشاء محاكم متخصصة للنظر السريع في قضايا الهجرة.

كما تحدث عن خطط لاستبدال وثائق الهوية الورقية ببطاقات رقمية بيومترية أكثر أمناً، بهدف الحد من التزوير وتحسين إدارة بيانات المقيمين.

لكن التحدي الأكبر أمام الحكومة لا يبدو قانونياً فقط، بل سياسياً واجتماعياً أيضاً، إذ يتعين عليها الموازنة بين الاستجابة للمخاوف الشعبية المرتبطة بالهجرة، ومنع تحول هذه المخاوف إلى موجة كراهية جماعية تهدد السلم الأهلي وتضع البلاد أمام أزمة حقوقية جديدة.

وفي ظل استمرار الاحتجاجات واتساع الانقسام حول ملف الهجرة، تبدو جنوب إفريقيا أمام اختبار صعب: فإما النجاح في إدارة الأزمة ضمن إطار قانوني ومؤسساتي، أو الانزلاق نحو دورة جديدة من العنف قد تمتد آثارها إلى الداخل والخارج، وتنعكس على علاقاتها الإفريقية وصورتها بوصفها إحدى أبرز الديمقراطيات في القارة.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here