عودة الصين إلى ليبيا: شراكة اقتصادية جديدة

عودة الصين إلى ليبيا: شراكة اقتصادية جديدة
عودة الصين إلى ليبيا: شراكة اقتصادية جديدة

تمارا برو باحثة في الشأن الآسيوي

أهم ما يجب معرفته

بعد سنوات من الغياب، تعود الصين إلى ليبيا لتعزيز شراكتها الاقتصادية. إعادة فتح السفارة وتعيين سفير جديد يعكسان رغبة بكين في دعم جهود إعادة الإعمار في ليبيا، حيث تسعى لتعزيز وجودها في إفريقيا من خلال استثمارات في مجالات متعددة. هذه الخطوة تأتي في ظل تحولات دولية تسعى فيها الصين لتعزيز نفوذها الاقتصادي.

أفريقيا برس. بعد سنوات من الترقّب والحذر الذي أعقب أحداث عام 2011، عادت الصين إلى ليبيا من بوابتها الاقتصادية، إذ تشهد العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة من إعادة التموضع والتقارب التدريجي بعد سنوات من الغياب الذي فرضته التطورات الأمنية والسياسية التي حصلت في ليبيا منذ العام 2011 وسقوط نظام الرئيس معمر القذافي.

تأتي هذه العودة في سياق تحوّلات دولية متسارعة تسعى فيها بكين إلى تعزيز حضورها في إفريقيا، بينما تبحث ليبيا عن شركاء دوليين بهدف دعم جهود إعادة الإعمار وتحريك عجلة اقتصادها.

أعادت الصين في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي فتح سفارتها في ليبيا بعد إغلاقها نهائياً عام 2014، ونقلت بعثتها الدبلوماسية إلى تونس، وأجلت آلاف المواطنين الصينيين عقب الحرب الأهلية التي اندلعت فيها، ومؤخراً عيّنت بكين ما شيويليانج سفيراً جديداً لها لدى طرابلس.

أتى فتح السفارة الصينية وتعيين سفير جديد بعد دراسة مستفيضة ومراقبة دقيقة للأوضاع والأحداث الأمنية في ليبيا في ظلّ الاتصالات واللقاءات التي أجرها المسؤولون الصينيون مع المسؤولين الليبيين لاستطلاع الأوضاع الأمنية وما إذا كانت تسمح بعودة الاستثمارات الصينية، وعلى ما يبدو فإن طرابلس قد منحت بكين ضمانات بشأن استثماراتها داخل البلاد.

وانفتاح الصين على ليبيا مجدداً بدأ قبل إعادة فتح السفارة الصينية، فقد كانت هناك مؤشرات متزايدة على عودة صينية تدريجية إلى الساحة الليبية، إذ شهدت السنوات الماضية لقاءات واجتماعات بين المسؤولين الصينيين والليبيين. فمثلاً زار القائم بأعمال السفارة الصينية، ليو جيان، مدينة درنة في شرق البلاد ووقّع عدداً من مذكّرات التفاهم مع صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا في مجالات البنية التحتية والإسكان والطاقة.

كما عقدت اللجنة العليا للتعاون الليبية – الصينية العام الماضي اجتماعاً ناقش التحضير لمنتدى اقتصادي مشترك. وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي زار القائم بأعمال السفارة الصينية مصراته حيث تفقّد ميناءها ومنطقتها الحرة ومطارها الدولي والشركة الليبية للحديد والصلب، وأكد أن الصين مستعدّة للمشاركة في تنمية ليبيا وإعادة إعمارها، ما يعني أن المسار الاقتصادي قد انطلق قبل اكتمال المشهد الدبلوماسي.

وفي تموز/يوليو عام 2024 وقّع مدير عامّ صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا مذكرة تفاهم مع ائتلاف شركتي Power China الصينية وFuture البرتغالية لتنفيذ مشاريع استراتيجية في مدينة بنغازي، منها تطوير مطار بنينا الدولي وإنشاء محطات للطاقة الشمسية ومحطات معالجة المياه، إضافة إلى خط سكك حديدية يربط بنغازي بمساعد على الحدود المصرية مع ربط شرق ليبيا مباشرة بشبكات النقل الإقليمية.

وفي العام نفسه، أعلن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بعد اللقاء الذي جمعه برئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، على هامش منتدى التعاون الصيني الأفريقي، إقامة شراكة استراتيجية بين البلدين.

هذا الانفتاح الصيني قابله سعي ليبي لاستقطاب الشركات الصينية للمساهمة في جهود إعادة الإعمار، خاصة مع الخبرة التي تمتلكها الشركات الصينية وعدم فرضها شروطاً قاسية للاستثمار.

قبل العام 2011، كانت الصين تُعدّ من أبرز الشركاء الاقتصاديين لليبيا في عهد الرئيس معمر القذافي حيث كانت بكين تمتلك استثمارات ضخمة في البلاد قدرت بنحو 20 مليار دولار موزّعة على 75 مشروعاً كبيراً شملت قطاعات السكن، البنية التحتية، الاتصالات، والطاقة، غير أن اندلاع الأحداث في ليبيا وما أعقبها من صراع مسلّح وانقسام سياسي دفع الصين إلى تجميد مشاريعها.

ومنذ ذلك الحين اتسم الموقف الصيني بالحذر، مع الحفاظ على قنوات اتصال دبلوماسية دون انخراط مباشر في تعقيدات المشهد الليبي، إذ اعتمدت بكين على مبدأ الحياد السياسي في ليبيا الذي مكّنها من الحفاظ على علاقات متوازنة مع حكومة الوحدة الوطنية التي تسيطر على غرب ليبيا وحكومة الاستقرار الوطني التي تسيطر على شرقها.

لا يشكّل إعادة فتح السفارة الصينية في ليبيا وتعيين سفير صيني جديد لديها مجرّد إجراء دبلوماسي روتيني، بل إشارة إلى عودة صينية إلى ليبيا بهدف ترسيخ حضورها في هذا البلد الذي أنهكته الأزمات الداخلية، وجزء من تحرّك أوسع لبكين نحو تعزيز وجودها في منطقة شمال إفريقيا بما يخدم مصالحها الاقتصادية ويعزّز مكانتها كقوة عالمية صاعدة.

تحاول الصين اقتناص الفرص في ليبيا نظراً للمقوّمات الكبيرة التي يمتلكها هذا البلد. فليبيا لديها أكبر احتياطات نفطية مؤكدة في إفريقيا، تقدّر بنحو 48.4 مليار برميل نفط وتحتل بذلك المرتبة التاسعة عالمياً. وتسعى الصين إلى تنويع مصادر الطاقة ولا سيما بعد سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على النفط الفنزويلي، والضغوطات التي يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على العديد من الدول لتقليل تعاونها مع الصين، والتهديدات الأمريكية بعمل عسكري ضدّ إيران.

ومن المرجّح في ضوء ذلك أن تسعى الصين إلى زيادة مشترياتها من النفط الليبي. ففي عام 2024، استوردت الصين نفطاً خاماً من ليبيا بقيمة 1.14 مليار دولار أمريكي، إلا أنها نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات ليبيا البالغة 27.7 مليار دولار التي وُجّهت في معظمها إلى إيطاليا وألمانيا وبريطانيا التي زادت من مشترياتها النفطية الليبية بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

ترى الصين أن ليبيا يمكن أن تمثّل بوابتها نحو إفريقيا وأوروبا، وتعتبر حلقة وصل استراتيجية في مبادرة الحزام والطريق الصينية في ظلّ منافسة الممرّ الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي الأوروبي، الذي أُعلن عنه عام 2023، لمشروع طريق الحرير. فموقع ليبيا على البحر المتوسط وامتلاكها لأطول سواحل في شمال إفريقيا يجعلها بوابة مثالية للبضائع الصينية نحو قارتي إفريقيا وأوروبا.

تسعى الصين إلى إثبات وجودها في ليبيا اقتصادياً عبر المساهمة في إعادة الإعمار والاستثمار في البنية التحتية، بما يشمل الطرق والمطارات والموانئ وذلك في إطار مبادرة الحزام والطريق، عدا عن زيادة مشترياتها من الطاقة واستغلال الموارد الطبيعية التي تزخر بها البلاد.

في هذا الإطار تفيد تقارير عن خطة الصين لتحويل ميناء طبرق في شرق ليبيا إلى موقع لوجستي وطاقة إقليمي ضخم، وبناء مصفاة نفط عملاقة بقيمة 10 مليارات دولار، قادرة على معالجة 500 ألف برميل نفط يومياً، وسكة حديد عالية السرعة بقيمة 20 مليار دولار لربط مدينتي طبرق وبنغازي بشبكة القطارات المصرية.

غير أن الحضور الصيني في ليبيا لن يكون سهلاً، إذ من المتوقع أن يواجه تحدّيات عديدة، خصوصاً في ظلّ وجود حكومتين على الرغم من محاولة الصين الحفاظ على علاقات متوازنة مع كليهما.

أيضاً لا تزال بعض المناطق الليبية تعاني من هشاشة أمنية وانتشار للسلاح وتضع الصين سلامة مواطنيها في مقدمة أولوياتها وهو ما يدفعها إلى تبنّي سياسة تدريجية في العودة.

إضافة إلى ذلك، هناك تحدّيات جيوسياسية ومنافسة دولية إذ تخشى الولايات المتحدة وأوروبا من أن يتحوّل الوجود الاقتصادي الصيني إلى وجود عسكري واستخباراتي، ولا سيما في حال حصول الصين على تسهيلات في موانئ استراتيجية مثل طبرق.

ناهيك عن أنّ ليبيا تشهد حضوراً لقوى إقليمية ودولية عديدة من بينها روسيا وتركيا وإيطاليا وفرنسا، لذلك ستتحرّك الصين بحذر لتجنّب الاحتكاك والدخول في صراعات مع هذه القوى. فالغرب الليبي مرتبط باتفاقات مع القوى الأوروبية وتركيا وأميركا ما يقلّل من فرص الصين في الوجود هناك، لذلك من المحتمل أن تركّز الصين على شرق ليبيا.

وفي إطار آخر قد يعمد الرئيس ترامب إلى ردع الصين في ليبيا وبشكل أوسع في أفريقيا، إذ يسعى ترامب إلى تقليل الحضور الصيني في مختلف دول العالم، لذلك قد يلجأ إلى الضغط على ليبيا لتقليل تعاونها مع الصين عبر التهديد بفرض رسوم جمركية عليها كما فعل مع كندا.

تحاول الصين توسيع نفوذها في القارة الأفريقية عبر زيادة استثماراتها فيها. ومن شأن عزم الصين إلغاء الرسوم الجمركية على الواردات من جميع الدول الأفريقية التي تقيم علاقات دبلوماسية معها، ومن بينها ليبيا، زيادة التعاون التجاري بين الجانبين وتعزيز مكانة الصين في القارة السمراء. ولكن في ظلّ السياسة التي يمارسها ترامب ضدّ بكين، ليس مستبعداً أن تتحوّل ليبيا إلى مسرح لصراع نفوذ جديد بين الصين وأميركا.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here