أفريقيا برس – مصر. من المستحيل أن تتسم الانتخابات الرئاسية الثالثة المقررة خلال الأشهر الأولى من العام المقبل بـ»الحرية والنزاهة في ظل ترسانة التشريعات القمعية»، فضلا عن «البناء المؤسسي الذي يجمع كل موارد الدولة وهيئاتها في قبضة الرئيس، ورفض السلطات الممتد لأكثر من 10 سنوات لجميع أشكال المعارضة والانتقاد»، حسب مركز «القاهرة لدراسات حقوق الإنسان».
المركز خلص إلى هذا التصور في ورقة حملت عنوان «الانتخابات الرئاسية 2024. الطريق مغلق»، ناقش فيها الأوضاع التي ستجري فيها الانتخابات.
واعتبر أن «الحوار الوطني، الذي ينطلق بعد مرور أكثر من عام على إعلانه، لن ينعكس إيجاباً على الانتخابات المقبلة»، إذ إن «الأطر القانونية والسياسية القائمة تصادر الحريات السياسية، ولا تلبي المعايير الدنيا لضمان الإشراف المحايد على الانتخابات، بالإضافة لما أسفرت عنه التعديلات الدستورية في 2019 من مصادرة تامة للاشتراطات الأساسية لعقد انتخابات رئاسية حرة ونزيهة، بما في ذلك تآكل مبدأ الفصل بين السلطات، ومصادرة استقلال المؤسسات وخاصة القضائية، فضلاً عن تقنين تدخل المؤسسة العسكرية في العملية السياسية».
وحسب الورقة «المؤسسة العسكرية نجحت في الانتخابات الرئاسية عام 2018 في إزاحة اثنين من المرشحين المنافسين للرئيس عبد الفتاح السيسي، والزج بهما في السجن بموجب محاكمات عسكرية جائرة، بينما وضعت مرشحا آخر قيد الإقامة الجبرية، حتى يتراجع عن ترشحه».
«مسرحية»
كما «تسببت ممارستها القمعية في انسحاب مرشحين آخرين خشية على سلامة أعضاء حملاتهما الانتخابية واعتراضاً على مخالفات انتخابية جسيمة». واستهدفت كذلك «معارضي الانتخابات المطالبين بمقاطعتها، تارة بالحبس وأخرى بالاستدعاء والتحقيق في جرائم تصل عقوبتها حد الإعدام».
وفي النهاية، خرجت الانتخابات الرئاسية، حسب الورقة وكأنها «مسرحية، تُعيد مشهد انتخاب السيسي بأغلبية كبيرة متوقعة، 97%، لفترة رئاسية جديدة، تمتد لأربعة أعوام أخرى، كان يجب أن تنتهي في 2022».
ووفق المركز «منذ عام 2013، ألقت السلطات بعشرات الآلاف من المصريين في السجون، بناءً على اتهامات سياسية تستند للكثير من التشريعات القمعية، بينهم معارضون سياسيون وحقوقيون وصحافيون، وأكاديميون، بل وحتى مواطنون غير معنيين بالسياسة».
وبالتزامن «شددت الأجهزة الأمنية الخناق على المجال العام، وفرضت حظراً فعلياً على التظاهر السلمي والمساحات العامة، وباشرت هجماتها المتكررة على منظمات المجتمع المدني، وسعت للسيطرة على أغلب المنصات الإعلامية. كما أحكمت قبضتها على تدفق المعلومات، سواء عبر منابر الإعلام التقليدي أو الإلكتروني أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي واحتكرتها لتشكيل الخطاب العام. بينما عاقبت الأصوات المغايرة في مناخ عام قمعي، من شأنه أن يقوض أي عملية انتخابية في مصر».
«تقنين السلطوية»
وتناول المركز كيف منح القانون رقم 198 لعام 2017؛ الخاص بالهيئة الوطنية للانتخابات، السيسي «سلطة تعيين المشرفين على كل أنواع الانتخابات، بما في ذلك الانتخابات التي سيترشح فيها، لتصبح هذه الهيئة مستقلة اسماً فقط، ومفتقرة للحياد والإشراف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية والاستفتاءات في مصر».
وتتشكل الهيئة من 10 قضاة من خمس هيئات قضائية، يرشحهم المجلس الأعلى للقضاء والهيئات التي يتبعونها، ويصدر قرار تعيينهم من رئيس الجمهورية.
كذلك «استهدفت تعديلات 2019 الدستورية، ترسيخ قوة الرئيس وتمديد حكمه، فكانت الضربة الأخيرة التي قوضت استقلال القضاء تماماً، إذ منحت المواد 185 و193 من الدستور لرئيس الجمهورية حق تعيين رؤساء الهيئات القضائية، والتحكم في تشكيل المجلس الأعلى للقضاء وبالتالي هيئة تنظيم الانتخابات».
وتناولت الورقة التعديلات التي شهدتها المواد 140 و241 من دستور 2014، المتعلقة بفترات الرئاسة، لتجعل مدة الفترة الرئاسية 6 سنوات بدلا من أربع سنوات، كما منح تعديل المادة 200 من الدستور للقوات المسلحة غطاءً قانونياً للتدخل في العمليات الانتخابية بما في ذلك الانتخابات الرئاسية، بدعوى «صون الدستور والديمقراطية والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد»، مشيرة إلى أن هذا التعديل مبهم المعنى.
ولفتت الورقة إلى القانون رقم 167 لعام 2020 الذي أقر ضرورة موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، على ترشح الضباط العسكريين المتقاعدين للرئاسة أو البرلمان أو في الانتخابات المحلية. وهو تقييد لم يكن متبعًا فيما سبق إلا على الضباط الذين ما زالوا قيد الخدمة العسكرية.
وحسب المركز الحقوقي «عزز المناخ السلطوي منذ 2013 من فرصة الانقلاب الدستوري في 2019، وما سبقه من تعديات تشريعية. فبعد 6 أشهر فقط من انتخاب السيسي رئيساً، بدأت الأجهزة الأمنية والرئاسة سلسلة اجتماعات أسفرت عن انتخاب برلمان خاضع تمامًا لسيطرتهما».
لم تكن تعديلات 2019 إلا أحد آخر أدوار برلمان 2015 في خطة تقنين الوضع السلطوي القائم، قبل انتخاب برلمان جديد. وافق برلمان 2015 في يناير/كانون الثاني 2016 بشكل جماعي على 341 قراراً رئاسياً كانت قد صدرت بين منتصف 2013 و2015، وتحويلها لتشريعات، وهذه القرارات كانت النواة الأولى لأشد التشريعات الحالية قمعًا، والمستخدمة لإسكات المعارضة وملاحقة منتقدي الرئيس، حسب ما جاء في الورقة البحثية.
أولى هذه القرارات «كان القرار الرئاسي بقانون رقم 107 لعام 2013 لتنظيم المظاهرات، الذي منح قوات ومسؤولي الأمن الحق في منع أي مظاهرة وفق تقديرهم، وشرعن الفض العنيف للمظاهرات، ونص على عقوبات مشددة بحق المتظاهرين».
قمع وتأميم السياسة
وأدت هذه التشريعات القمعية إلى تآكل فرص حياة سياسية سليمة، وعصفت بإمكانية عقد انتخابات حرة ونزيهة، حسب الورقة، التي لفتت إلى «تضاؤل قدرة المعارضة السياسية والأطراف المؤيدة للديمقراطية على التنظيم، بعد أن واجهت السلطات المصرية بالقمع كل محاولات المعارضة السياسية لوقف الانقلاب الدستوري في 2019».
اختراق أمني
وشهد عام 2022، وفق الورقة، «تجديد محاكم الإرهاب الحبس الاحتياطي لنحو 25 ألف شخصاً، وباتت هناك منهجية موسعة لتوظيف التشريعات القمعية في حبس عشرات الآلاف احتياطياً، وتدويرهم في قضايا جديدة أو الحكم عليهم في محاكمات غير عادلة، ما يعكس حجم تواطؤ النيابة والقضاء في قمع النشاط السياسي».
وبين المركز أن «مساعي المعارضة في مواجهة الحكومة أو لطرح سياسات بديلة، لم تتعطل فقط بسبب الاستهداف القمعي المباشر لقياداتها وعناصرها، إنما لجأت السلطات لاستراتيجيات أخرى غير مباشرة، مثل الاختراق الأمني للأحزاب القائمة، وتعطيل أنشطتها، أو عرقلة تأسيس الجديد منها».
وصاحبت قمع السلطات المصرية المنظم للمعارضة السياسية، استراتيجية محكمة لمصادرة المجال العام بالكامل، والسيطرة على تدفق المعلومات والنقاشات العامة، ومن ثم، أصبحت منظمات المجتمع المدني والإعلام المستقل أهدافاً رئيسية لقمع ما بعد 2013، تبعا للمركز.
وتحدثت الورقة عن «استخدام السلطات قوانين مكافحة الإرهاب وقانون الإجراءات الجنائية لاستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان، ضمن استراتيجية أكبر لإسكات المعارضة والسيطرة على الخطاب العام، إضافة إلى «نية القمع المبيتة إزاء المجتمع المدني، والتي يكشف عنها قانون تنظيم الجمعيات القمعي (رقم 149 لعام 2019)، والذي يمنح صلاحيات واسعة للسلطات على عمل المنظمات واستقلالها. إذ يرهن القانون أنشطة المنظمات والجمعيات بالتوافق مع خطة الحكومة للتنمية، ويمنح للسلطات حق رفض تسجيل الجمعيات إذا انطوت أنشطتها على ما يمكن اعتبارها مخالفة لـ الآداب العامة».
كما عانى الإعلام المستقل على مدى العقد الماضي من هجمات قمعية متكررة، ويؤكد المركز الحقوقي أنه ومنذ 2014، هيمنت أجهزة الأمن على معظم المنصات الإعلامية في مصر، فأضحت تملك القدرة الفعلية على تشكيل الخطاب العام.
وهم الانفراجة السياسية
تناولت الورقة دعوة السيسي إلى الحوار الوطني مع المعارضة، واعتبرت أنها «جاءت بالأساس خوفاً من الأزمة الاقتصادية التي تواجهها مصر، بعد اعتماده نموذجا اقتصاديا يعتمد بقوة على الاقتراض الأجنبي وتوسع الجيش في النشاط الاقتصادي».
هذا الحوار، تبعا للورقة «سيجعل المعارضة شكلياً جزءا من تحركات الحكومة للتعامل مع الأزمات الاقتصادية المقبلة، الأمر الذي يضمن أن السياسات الاقتصادية التي لن تحظى بشعبية، ستصور باعتبارها مبنية على إجماع سياسي، وليست قرارات أحادية كالمتبعة في العقد الماضي».
وعلى الجانب الآخر هذه «الانفراجة السياسية المزعومة قد تهدئ الحلفاء الغربيين والمؤسسات المالية الدولية، وهي أطراف يتعاظم دورها في الإنقاذ الاقتصادي، من خلال تقديم المزيد من القروض والمساعدات».
وخلص المركز إلى أن «المناخ السلطوي الحالي في مصر لا يسمح بانتخابات حرة أو نزيهة، بعد هيمنة رئيس الجمهورية على جميع مؤسسات الدولة والقضاء، وتقنين تدخل الجيش في السياسة والعملية الانتخابية، وتآكل استقلال القضاء بموجب تعديلات دستورية وتشريعية خطيرة، واستمرار اعتماد الأمن على ترسانة من القوانين القمعية لاستهداف المعارضة السلمية، والحملات المتكررة على قيادات المعارضة وأعضائها، والمعوقات التي تفرضها السلطات على تشكيل الأحزاب وعلى تكوين الجمعيات».
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر اليوم عبر موقع أفريقيا برس





