صواريخ عبدالناصر.. وإيران

صواريخ عبدالناصر.. وإيران
صواريخ عبدالناصر.. وإيران

محمد السيد صالح، كاتب صحفي مصري

أفريقيا برس – مصر. فكرتي الأساسية وأنا أكتب هذه الحكايات، البحث في ذاكرتي وعند المصادر الثقات، عن معلومات مفيدة تتناسب مع خلفيات أهم الأحداث الجارية على الساحة.

هذا الأسبوع، ألحت على قلمي حكايات مرتبطة ببرنامج الصواريخ المصري في عقد الستينيات من القرن الماضي، وأسباب تعثره انتهاءً بإلغائه تماما.. بل وتفجير الصواريخ على منصات الإطلاق التجريبي قبيل حرب يونيو ٦٧ بأسابيع معدودة. مصدر الإلحاح هو ذلك الجدل الواسع، هذا العام، حول نكسة يونيو.. ومدى مسؤولية القيادة عنها، وطبيعة الأخطاء العسكرية والسياسية التي قادت للهزيمة. الأمر الأهم عندي مرتبط بمقارنة وضعنا في ذاك الوقت بالوضع الإيراني حاليا.

طهران رغم أنها لا تمتلك سوى برنامج متميز للصواريخ وآخر للمسيرات لكن حققت بهما الردع والتفوق، وفرضت رؤيتها إلى حد كبير على الولايات المتحدة وإسرائيل والإقليم كله.

سؤالى الذى أطرحه هنا: لو كان لدينا برنامج صواريخ مماثل هل كنا قد حققنا مكاسب مماثلة على الأرض؟. لا أقصد الآن بالطبع، لكنني أعتقد أن تجربة صواريخ عبدالناصر في الستينات كان يمكنها أن تحقق نفس المعادلة، لكنه تردد أو خاف.. أو حصل على وعود أمريكية كانت أشبه بالخديعة أو الفخ، وتم التراجع عنها. لم يكن لدى النظام القدرة على المناورة ولا الحنكة السياسية الكافية. دعكم من الدعايات والخطابات الرنانة. عندى تفاصيل مهمة في هذه القصة، مصدرها اثنان من المهندسين اللذين عملا في مشروع الصواريخ، ومازال عطاؤهما مستمرًا. أطال الله في عمريهما. أحدهما من أوائل دفعته في قسم الطيران بهندسة القاهرة، والآخر خريج «الفنية العسكرية».

وبداية فإن مشروع الصواريخ المصري اعتمد على علماء ومهندسين ألمان، بعضهم شارك بالفعل في الحرب العالمية الثانية، لكن لم تتم إدانتهم في محاكمات «نورنبرج» بعد الحرب. الذين وفدوا لمصر، كانوا في الغالب يحملون جنسية ألمانيا الشرقية، بعد انقسام ألمانيا لدولتين. كانت العلاقات متينة بين مصر والكتلة الشرقية التي تنتمى إليها ألمانيا الشرقية. ونعلم أيضًا طبيعة استهداف الموساد الإسرائيلى لهؤلاء العلماء، وإصابة بعضهم ومساعديهم بواسطة طرود مفخخة. لم يغادرونا جميعهم بسبب هذه العمليات. بقى بضعة أفراد.. تم نقلهم لبيوت مؤمنة ومحمية.

في هذه الأثناء، ركزت مصر على عملية نقل الخبرة والمعارف لمجموعة من المهندسين والعسكريين المتميزين. أنتجنا عدة نماذج من الصواريخ الجيدة. كان هناك خطأ استراتيجى قاتل، تمثل في الجانب الاستعراضى.. والمبالغات في وصف إمكانات هذه الصواريخ. لم يخل استعراض عسكرى، خاصة منتصف الستينات، من مرور مجموعة من الصواريخ المنتجة مصريًا أمام عدسات الإعلام المحلى والدولى، خاصة الصاروخين «الظافر والقاهر»، مع دعايات بليغة قادرة على إثارة مشاعر العرب من الخليج للمحيط، وكأننا بهذه العبارات قد حررنا أرضنا، وقصفنا بها تل أبيب ذاتها، رغم أن كل هذه الصواريخ كانت بإمكانات محدودة جدًا، وقصيرة المدى.

المرحلة الأخطر من برنامج الصواريخ، الذى عمل عليها الخبراء الألمان والمهندسون المصريون، هو إنتاج نسخة مصرية من الصاروخ الألمانى V٢.

كان اسمه اختصارا لمصطلح ألماني يعنى «سلاح الانتقام». وكان أول صاروخ باليستى في العالم قادر على حمل رأس متفجر ضخم. ركز كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة على الاستيلاء على جزء من مخزون الصواريخ وعلمائها، بعد هزيمة النازية. ونجحوا بهذه التكنولوجيا وأصحابها في إنتاج الصواريخ الفضائية.. واختراق الفضاء. هذا الصاروخ حُكيت عنه قصص وروايات ومواد إعلامية غزيرة جدًا.

صاروخنا المنتظر، لم يكن بعيدا عن هذه المواصفات. كانت المشكلة الأساسية التي تواجهه تكمن في أجهزة التوجيه والدقة في الوصول للأهداف. كانت هناك قيود مهمة تمنع الحصول على التكنولوجيا اللازمة من الخارج. بذل المهندسون المصريون جهودا مكثفة لتذليل هذه العقبات. كان الرئيس عبدالناصر يتابع الأمر أولًا بأول. يسأل عن مراحل المشروع. يتابع نجاحاته وإخفاقاته. الخطورة أن الخطأ المتمثل في الدعاية للصاروخ العملاق تكررت مجددًا. بالطبع فإن تقارير السفارات الغربية، وخاصة الأمريكية، تم تكثيفها عن المشروع، كما نشطت عمليات التجسس حول الصواريخ المصرية بوجه عام.

في ربيع عام ١٩٦٧، أصبح الصاروخ جاهزًا للتجريب. تحددت ساعة الصفر للاختبار النهائى. كان الحدث بمثابة عرس مصرى. عنوان للعزيمة ومؤشر على عظمة ما وصلت إليه الصناعة المصرية في عهد الثورة بشكل عام.. كانت هناك تأكيدات بأن الرئيس عبدالناصر سيحضر الإطلاق. هو تابع، كما كتبت، كل الخطوات.. ومن حقه الآن أن يفرح ويتباهى بمشروعه العظيم.

وفي اللحظات الحاسمة دون الدخول في تفاصيل فنية أو مثيرة للجدل، تم تعطيل الإطلاق والمشروع كله. لم يكن هناك مجال للمراجعة أو حتى المناورة.

ابتداءً من هذا اليوم، حدثت الانتكاسة الكبرى للمشروع. ظهرت الدعايات السلبية، التي وصلت لحد إطلاق النكات على البرنامج.. أو مصانعه التي تحولت لإنتاج الأدوات المنزلية.

لكننى هنا أتساءل عن طبيعة التهديدات والضغوط التي مورست على القيادة حينها. قيل إنه كانت هناك وعود بتسليح الجيش المصري بصواريخ أمريكية أكثر تطورًا.. وهو لم يحدث. ضُربت القواعد المصرية وغالبية طائراتنا على الأرض، بعدها بأسابيع، كنا بدون غطاء صاروخى. كيف نثق في حليف إسرائيل الرئيسى، والذى حاصرنا اقتصاديا وسياسيا لسنوات.

والسؤال الأخير: ماذا لو قاومنا وحافظنا على أدوات الردع، وفي مقدمتها برنامج الصواريخ هذا.. هل كنا من الممكن أن نفعل مثلما تفعله إيران الآن ببرنامجها المشابه؟. أعتقد أنه لو استمرت مشاريع التسليح، وفي مقدمتها برنامج الصواريخ، لتغيرت صورة المنطقة كلها.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here