بعد انهيار الإنتاج… مصر تطلب “المستحيل” من شركات النفط العالمية

بعد انهيار الإنتاج... مصر تطلب
بعد انهيار الإنتاج... مصر تطلب "المستحيل" من شركات النفط العالمية

أفريقيا برس – مصر. في الوقت الذي كانت فيه مصر تخطط لاستعادة ريادتها بكونها مركزاً إقليمياً للطاقة عقب تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز في أواخر 2018، جاءت رياح الواقع التشغيلي لحقول الغاز بما لا تشتهي سفن “النفط”، إذ تواجه معدلات إنتاج الغاز حالياً نزفاً مستمراً لم تنجح المسكنات الفنية في وقفه طوال الأشهر الماضية، وانهارت إلى قاع تاريخي لم تشهده البلاد منذ عقد من الزمان. وتراجع الإنتاج المحلي إلى مستويات 3431 مليون متر مكعب شهرياً، وهو رقم يعكس خسارة هائلة وفجوة سحيقة مقارنة بمستويات ذروة الاكتفاء الذاتي في 2018، حين كان الإنتاج يتدفق بمعدلات تتجاوز 5600 مليون متر مكعب شهرياً، ما يعني أن قطاع الغاز المصري فقد قرابة 40% من طاقته الإنتاجية في غضون سنوات قليلة.

وأظهرت بيانات صادرة عن مبادرة بيانات المنظمات المشتركة (جودي) أن الإنتاج تراجع إلى 3431 مليون متر مكعب في نوفمبر/ تشرين الثاني، مقارنة بـ3635 مليوناً في أكتوبر/ تشرين الأول و3692 مليوناً في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2024. وبحسب خبراء، جاء هذا الانهيار نتيجةً طبيعيةً لـ”شيخوخة” الحقول الكبرى وتآكل قدراتها الجيولوجية بأسرع من التوقعات، تزامناً مع تباطؤ حاد في عمليات الحفر الاستكشافي أفرزه تراكم مديونيات الشركاء الأجانب، ما أدى إلى تحول واقع الحقول من “الوفرة” إلى “النضوب الميداني”، ووضع القاهرة أمام “مأزق طاقي”، حيث أجبرت الفجوة المتسعة بين إنتاج ينضب واستهلاك يتزايد، الحكومة المصرية على العودة إلى طوابير استيراد الغاز المسال المكلف لسد العجز، وأصبحت واردات الغاز المسال والغاز الإسرائيلي مكوناً أساسياً في مزيج الطاقة بمصر.

وفي محاولة لقلب الطاولة على هذا الواقع المرير، وجهت الحكومة طلباً وُصف بـ”المستحيل” لشركات النفط العالمية بمضاعفة إنتاجها بحلول عام 2030. ونقلت وكالة رويترز، أمس الثلاثاء، عن الرئيس التنفيذي لشركة إنرجيان إنترناشونال، نيكولاس كاتشاروف، قوله إن مصر وجهت شركات نفط دولية بزيادة الإنتاج للمثلين بحلول عام 2030، مضيفاً أن العقود الحالية يجب تعديلها لتحفيز الاستثمارات الجديدة. وذكر كاتشاروف أن أسعار الغاز المنخفضة التي دعمت مراحل تطوير سابقة “انتهت صلاحيتها”، الأمر الذي يستلزم تحديث الشروط لتشجيع الشركات على توظيف رؤوس الأموال وزيادة الإنتاج في المواقع التي تحتاج للتطوير.

وأضاف: “لا أستطيع تحديد السعر بدقة، ولكن هناك فجوة هائلة بين أسعار الغاز المحلي وأسعار الغاز المستورد”. وقال كاتشاروف إن مديونية مصر لإنرجيان كانت تتجاوز 200 مليون دولار، وإن الشركة تلقت في الآونة الأخيرة 80 مليوناً، مضيفاً أن الشركة لا تزال واثقة بتعهدات وزير البترول بتسوية المتأخرات المتبقية. وذكر كاتشاروف أن تدفقات الغاز من إسرائيل إلى مصر ارتفعت، إذ يعمل خط الأنابيب الآن بكامل طاقته. ويشهد إنتاج الغاز الطبيعي في مصر تراجعاً، رغم تعهدات الحكومة بزيادته.

وقالت نشرة إنتربرايز الاقتصادية المحلية، اليوم الأربعاء، إن توسعات الحقول المتقادمة تمثل حلاً سريعاً لاستقرار الإمدادات دون تضخيم فاتورة الاستيراد، لكنها تتطلب تسعيراً يعكس التكلفة المرتفعة لاستخراج الغاز من المكامن المتقادمة. وأضافت: “الحكومة وافقت بالفعل على زيادة سعر شراء الغاز المنتج محلياً من خمسة شركاء أجانب بنسبة تراوح بين 30% و50%، مع تخصيص الزيادة الأكبر لإنتاج حقول المياه العميقة. وإذا عدلت شروط التعاقد لتعكس التكلفة الحقيقية للغاز، بالتزامن مع خفض مستحقات الشركاء الأجانب، فقد نشهد تسارعاً في وتيرة الاستثمار”.

وفي أواخر يناير/ كانون الثاني، وافقت وزارة البترول المصرية، على رفع شركة “إيني” الإيطالية ومعها أربع شركات دولية أخرى تعمل في استكشاف الغاز والنفط واستخراجهما، أسعار توريد منتجاتها المستخرجة من الآبار من المياه المصرية إلى 8 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، وذلك بعد أسابيع من قبولها ضغوطاً إسرائيلية بتعديل شروط شراء الغاز المستخرج من آبار البحر المتوسط التي يهيمن عليها الاحتلال الإسرائيلي، لتصبح 7.25 دولارات، وبذلك تضاعف سعر التوريد المحلي خلال عامين، بينما زاد للطرف الإسرائيلي بنحو 80% في المدة الزمنية نفسها.

ووفقاً لمؤشرات التسعير المرجعية في أوروبا، وعلى رأسها مؤشر تي تي إف TTF الهولندي، تتداول أسعار التوريد الفورية للغاز حالياً في نطاق 10-14 دولاراً للمليون وحدة حرارية بريطانية، مع وجود مؤشرات بتراجع تلك المعدلات بنهاية عام 2026، في ظل زيادة الإنتاج العالمي من الغاز واتجاه أميركي لإنهاء حالة الحرب في أوكرانيا، التي ستدفع إلى تهدئة أسواق الطاقة، وخصوصاً الغاز الذي تُعَدّ أوروبا أكبر سوق لاستهلاكه، سواء القادم من روسيا أو من حقول الشرق الأوسط والولايات المتحدة. وفي حالة دولة أصبحت في حاجة للغاز لفترة زمنية تتخطى 2035، فالأمر يتطلب حجز ما تحتاجه عبر عقود متوسطة وطويلة الأجل، تمكنها من الحصول على أسعار أفضل مع استقرار الإمدادات، بما يقلل من لجوئها إلى السوق الفورية التي تتأثر بشدة بالتحولات الجيو-سياسية، بل والتغييرات الجوية والتذبذبات المفاجئة التي تحدث في أسواق المال.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here