أفريقيا برس – ليبيا. عادت الليبية الأربعينية سعاد بشير إلى مدينة بنغازي بعد قضاء إجازة الصيف بصحبة عائلتها في أحد منتجعات الساحل الشمالي في مصر.
لكن غبطة سعاد بأوقات قضتها في أرقى المنتجعات المصرية لم تفارقها علامات استفهام أخرى ممتدة منذ سنوات عن لغز ساحل البحر المتوسط في ليبيا، الذي يقطع مسافة 1700 كم دون أي طفرة سياحية تذكر، كما هو الحال في الساحل المصري على «المتوسط».
السؤال نفسه يلازم قطاعات واسعة من الليبيين منذ عهد نظام الرئيس السابق العقيد معمر القذافي.
ووفق شهادات متعددة لمن عاصروا مراحل مختلفة في عصر القذافي، فإن رؤية الرئيس السابق كانت «تكن عداءً تقليدياً للسياحة بكل أنواعها» ومن بينها الشاطئية، التي كان يرى فيها «نمطاً رأسمالياً استهلاكياً استعمارياً».
ووفق المحلل الاقتصادي الليبي وحيد الجبو، فإن القذافي «لم يرَ حاجة إلى فتح قطاع السياحة، باعتبار أنه لا حاجة لليبيا بالسياحة في بلد منتج للنفط»، وسط نظرة عامة بأنه «قطاع مفسد تنتشر فيه الملاهي الليلية وشرب الخمور».
بعد الإطاحة بنظام القذافي في عام 2011 ظهرت أصوات تدفع نحو تشجيع الاهتمام بالسياحة، ومن بينها الشاطئية، لكن، وفق اعتقاد الجبو، فإن «الانقسام السياسي وتشظي المؤسسات الليبية عرقل إعداد خطة تنموية للسياحة على مستوى البلاد».
ويذهب أيضاً إلى أن «الأوضاع السياسية والأمنية، وصعوبة الحصول على تأشيرات الدخول لراغبي السياحة عرقلت استغلال هذا المورد الاقتصادي».
وفي السنوات الأخيرة، تزايد الحديث الرسمي خصوصاً من جانب السلطات في غرب ليبيا، عن تعافي قطاع السياحة، وسبق أن تحدث رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، عبد الحميد الدبيبة، قبل 3 سنوات عن السياحة باعتبارها «رافداً مهماً للاقتصاد الوطني».
وحسب أحدث أرقام رسمية، لم تتجاوز أعداد النزلاء العرب والأجانب نحو 142 ألف زائر العام الماضي، من بينهم قرابة 114 ألف نزيل عربي و28 ألف أجنبي، فيما بلغت أعداد مرافق الضيافة السياحية 300 قرية وفندق سياحي، وفق تقديرات مركز توثيق حكومي تابع لوزارة السياحة في غرب البلاد.
وهنا كشف رئيس اتحاد الغرف السياحية في ليبيا، خالد شقرون، لـ«الشرق الأوسط» عن «مشروع دراسة شاملة يعدها الاتحاد للاستفادة من الإمكانات السياحية في سواحل ليبيا، ومن المقرر تقديمها للسلطات المعنية في غرب البلاد قريباً».
وبيّن أن «هذه الدراسة تحظى بإشراف وتخطيط خبراء وباحثين ليبيين مقيمين في إيطاليا ودول أوروبية».
ورغم ما تتمتع به ليبيا من امتداد ساحلي وموقع استراتيجي قد يجعلها من منظور الكثيرين «جسراً بين أوروبا وأفريقيا»، فإن فهد إسماعيل، العضو السابق بمجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار يرى أن «السواحل لم تُستغل بالشكل المطلوب طيلة العقود الماضية، واقتصر الأمر على مبادرات فردية متفرقة تعطلت بسبب مشكلات الملكية وتضارب القوانين».
ويتوقع الخبير الاستثماري الليبي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تتحول ليبيا إلى وجهة استثمارية وسياحية متميزة عند تحقيق الاستقرار السياسي بشكل كامل، وربما أكثر بروزاً من بعض الوجهات في البحر المتوسط، بالنظر إلى التجارب الناجحة في دول مجاورة مثل مصر من خلال الاستثمار في منطقة رأس الحكمة والساحل الشمالي المصري».
ويغذي التفاؤل لدى قطاع من الليبيين، ومنهم إسماعيل، ما عدّها «مشروعات كبرى خصوصاً في المنطقة الشرقية مع تحسن الأوضاع الأمنية والسياسية، من أبرزها تعديل وتطوير ميناء بنغازي ليصبح المنطقة الحرة جليانه».
ويستشهد أيضاً «بإعادة تفعيل واستثمار المنطقة الحرة المريسة، إضافة إلى تحويل ميناء سرت إلى منطقة حرة يُتوقع أن تكون بوابة استراتيجية لطريق الحرير الأفريقي نحو عمق القارة».
ومع ذلك فإن نجاح هذه الرؤية في المجال السياحي، وحسب المسؤول الليبي السابق، يرتهن «بمعالجة بعض التحديات التنفيذية، وعلى رأسها مسألة ملكية الأراضي الساحلية».
ويطالب «باستراتيجية واضحة لتنظيم هذه الأراضي وتسوية أوضاعها عبر آلية قانونية صحيحة، تُمكن الدولة من تخصيصها للاستثمار، مع تعويض أصحابها بشكل عادل، حتى لا تنشب نزاعات قانونية تعرقل المستثمرين المحليين أو الأجانب».
وفي هذا السياق، فإن اقتصاديين ومحللين يحدوهم الأمل للدخول بشكل كامل في مرحلة «التنويع الاقتصادي» والخروج من دوامة «الاقتصاد الريعي» عبر تحقيق طفرة في الاستثمارات الفندقية، وسياحة البحر، والصحراوية، والثقافية والترفيهية، والعلاجية.
ويعد النفط هو الممول الرئيسي لبند الدخل في الخزانة الليبية، إذ يشكل ما نسبته 72.7 في المائة من الإيرادات الليبية في عام 2024، وذلك بواقع 89.8 مليار دولار من إجمالي المدخولات الليبية البالغ 128.5 مليار دينار. (الدولار يساوي 5.42 دينار في السوق الرسمية و7.77 دينار في الموازية).
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا عبر موقع أفريقيا برس