تصاعد معدلات الطلاق بليبيا…أسباب وتداعيات تهدد تماسك المجتمع

تصاعد معدلات الطلاق بليبيا…أسباب وتداعيات تهدد تماسك المجتمع
تصاعد معدلات الطلاق بليبيا…أسباب وتداعيات تهدد تماسك المجتمع

ماهر الشاعري

أفريقيا برس – ليبيا. تشهد ليبيا في السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في معدلات الطلاق، في ظاهرة باتت تثير قلقًا متزايدًا لدى المختصين والمهتمين بالشأن الاجتماعي، لما تحمله من تداعيات مباشرة على استقرار الأسرة وتماسك النسيج الاجتماعي.

ولا يقتصر أثر الطلاق على الزوجين فحسب، بل يمتد ليطال الأطفال والمحيط الأسري والمجتمع ككل، في ظل تحديات اقتصادية وضغوط نفسية وتغيرات ثقافية متسارعة.

وبينما تتعدد أسباب هذه الظاهرة، يظل السؤال مطروحًا حول مدى خطورتها على المجتمع الليبي، وسبل الحد من تفاقمها ومعالجة جذورها بشكل فعّال.

أسباب متعددة

من جانبها، قالت الأكاديمية الليبية جميلة بن عيسى إن ارتفاع معدلات الطلاق في المجتمع الليبي يعود إلى جملة من الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتداخلة، مؤكدة أن بعض هذه العوامل عادت إلى الواجهة بعد أن كانت قد تراجعت لسنوات.

وأضافت بن عيسى في حديثها أن من أبرز الأسباب الاجتماعية عودة ظاهرة زواج القاصرات، والتي تفاقمت بفعل الحروب والصراعات المسلحة، حيث اضطرت بعض الأسر إلى تزويج بناتها في سن مبكرة خوفًا عليهن من تبعات النزاعات، مثل الثأر أو الانفلات الأمني. وأشارت إلى أن هذه الزيجات غالبًا ما تتم دون وجود تكافؤ في العمر أو المستوى التعليمي والثقافي، ما يخلق فجوة كبيرة بين الزوجين تنتهي في كثير من الأحيان بالطلاق.

وقالت أن تدخل الأهل في خصوصية الحياة الزوجية، سواء من طرف أهل الزوج أو الزوجة، يمثل عاملًا ضاغطًا يسهم في تفكك العلاقة الزوجية. كما لفتت إلى أن الانفتاح غير المنضبط على وسائل التواصل الاجتماعي ونشر تفاصيل الحياة الزوجية أو تبادل التعليقات المسيئة، أدى إلى توترات أسرية، بل وتسبب في بعض الحالات في خيانات زوجية، ما ألحق ضررًا مباشرًا بالنسيج الاجتماعي للأسرة.

وتطرقت بن عيسى إلى العنف الأسري الممارس من قبل بعض الأزواج، وغياب احترام المرأة وعدم الالتزام بتعاليم الدين الإسلامي المتعلقة بالمودة والرحمة، معتبرة أن ذلك من العوامل الرئيسية التي تعمق الخلافات وتؤدي إلى الانفصال.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أشارت إلى أن منحة الزواج (20 ألف دينار) التي منحتها الدولة ساهمت بشكل غير مباشر في تفشي الطلاق، حيث تزامن الإعلان عنها مع عقود زواج عشوائية وغير مدروسة، شملت في بعض الحالات فتيات دون السن القانونية، أو أشخاص يعانون من أمراض نفسية، فقط بهدف الحصول على المنحة. كما أدى تأخر صرفها أو عدم الحصول عليها إلى فسخ عقود زواج قبل إقامة الفرح، نتيجة عجز الشباب عن تحمل التكاليف.

وأكدت أن غلاء المعيشة وتدهور الوضع الاقتصادي شكلا ضغطًا كبيرًا على الأسر، حيث عجز العديد من أرباب الأسر عن توفير الاحتياجات الأساسية، ما انعكس سلبًا على الاستقرار النفسي والعائلي، وحوّل بعض الأسر من كيانات مستقرة إلى أخرى متوترة وعنيفة، انتهى بعضها بالطلاق. كما أشارت إلى دور الزوج الاتكالي أو المرأة المتطلبة في تعميق الخلافات الزوجية.

وفيما يتعلق بتأثير الطلاق، شددت بن عيسى على أن الأطفال هم الضحية الأولى، إذ يعانون من اضطرابات نفسية وسلوكية وتراجع تعليمي، وقد تتشكل لدى بعضهم صورة مشوهة عن الزواج، خصوصًا الفتيات، ما يؤثر على حياتهن المستقبلية. وأضافت أن الطلاق لا يهدد الأسرة فقط، بل ينعكس أيضًا على تماسك النسيج الاجتماعي، وقد يقود في بعض الحالات إلى انحراف الأبناء أو انخراطهم في مسارات خطرة، في ظل غياب الرقابة الأسرية.

وأكدت على أن الظروف السياسية والانقسام الحكومي، والنزوح القسري، والقرارات العشوائية غير المدروسة، وغياب العدالة الاجتماعية، كلها عوامل عمّقت الأزمة وساهمت في تفاقم ظاهرة الطلاق داخل المجتمع الليبي.

تزايد ملحوظ

قالت الأخصائية الاجتماعية عائشة بن يحمد إن تزايد معدلات الطلاق في ليبيا أصبح أمرًا مقلقًا ويشكّل خطرًا حقيقيًا على تماسك النسيج الاجتماعي الليبي، مؤكدة أن هذه الظاهرة قد تتحول إلى تهديد مباشر للأمن القومي في حال عدم اتخاذ إجراءات صارمة وعاجلة من قبل الجهات المختصة.

وتابعت في تصريح خاص أن من أبرز أسباب ارتفاع حالات الطلاق الزواج المبكر، سواء للذكور أو الإناث، نتيجة فقدان الأهلية النفسية والاجتماعية لتحمّل مسؤوليات الحياة الزوجية.

وأضافت أن تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وتأخر صرف الأجور والمرتبات أو عدم انتظامها، يشكّل ضغطًا كبيرًا على استقرار العلاقة الزوجية، خاصة مع عجز الزوجين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وأشارت إلى أن تدخل الأقارب في حياة الزوجين اليافعين، في ظل غياب الخبرة وضعف القدرة على إدارة الخلافات، يؤدي في كثير من الأحيان إلى تفاقم المشكلات الزوجية، لافتة إلى أن غياب شخص بالغ وعاقل داخل العائلة يمكن اللجوء إليه عند حدوث النزاعات، يسهم في تعقيد الأزمات بدل احتوائها.

وأضافت أن من الإشكاليات الاجتماعية السائدة وجود ثقافة خاطئة مفادها أن الزوجة الصالحة هي التي تتحمل الأذى وتسكت عنه، بما في ذلك أذى الزوج، في حين أن المفهوم الصحيح يقوم على المشاركة والاحترام المتبادل، معتبرة أن عدم التوافق الفكري بين الزوجين يمثل سببًا رئيسيًا في فشل الكثير من الزيجات.

وتطرقت بن يحمد إلى زواج البدائل بوصفه من أخطر الظواهر الاجتماعية التي ساهمت في رفع معدلات الطلاق، وهو زواج قائم على تبادل الزواج بين أبناء وبنات العائلة الواحدة، دون مراعاة الرغبة الحقيقية أو التوافق بين الطرفين. كما أشارت إلى غياب الوعي بالحياة الزوجية وعدم تلقي الزوجين ثقافة ما قبل الزواج، إضافة إلى التباهي الاجتماعي بتزويج الفتيات في سن مبكرة بغض النظر عن أهلية الزوج.

وأكدت أن الطمع لدى بعض أولياء الأمور، وإجبار الفتيات على الزواج من أثرياء دون أخذ موافقتهن، يعد من الأسباب الجوهرية المؤدية إلى الطلاق. كما لفتت إلى الدور السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي في ظل غياب الرقابة، وما ينتج عنها من مشكلات أسرية أبرزها الخيانة الزوجية التي تنتهي غالبًا بالانفصال.

وأضافت أن بعض الأعراف الاجتماعية التي تفرض زواج أبناء العمومة، مع غياب التكافؤ التعليمي والفكري بين الزوجين، تسهم بدورها في زيادة حالات الطلاق.

وحول تأثير الطلاق، أوضحت بن يحمد أن الأطفال هم الأكثر تضررًا، حيث يعانون من اضطرابات نفسية، وتعرضهم للعنف، والشعور بالنقص والدونية بين أقرانهم في المدارس، إضافة إلى ضعف التركيز الدراسي، ما قد يؤدي إلى ترك التعليم والانخراط في الجريمة المنظمة. كما يؤدي الطلاق إلى تفكك الأسرة وانهيار منظومة الروابط الاجتماعية، ويهدد الهوية الليبية، خاصة مع تشرد الأطفال بين أقارب الطرفين، وهو ما يخلق شخصيات غير متزنة نفسيًا داخل المجتمع.

وأشارت إلى أن الأزمات الاقتصادية والسياسية، وعمليات النزوح التي شهدتها بعض المدن الليبية، كانت من العوامل المباشرة في تفكك الأسر وارتفاع حالات الطلاق نتيجة الضغوط المتراكمة على الزوجين.

مؤكدة على أن الحد من هذه الأزمة يتطلب تدخلًا جادًا من الدولة، من خلال تحسين الأوضاع الاقتصادية، وإطلاق برامج لدعم الأسرة ماديًا تضمن لها حياة كريمة، إلى جانب قيام وزارة الشؤون الاجتماعية بحصر الأسر التي لا تعمل فيها الزوجة، وتوفير فرص عمل تتناسب مع ظروفها، بما يضمن دخلًا إضافيًا يساند الزوج.

كما شددت على أهمية توفير الدعم النفسي والإرشاد الأسري عبر مراكز متخصصة يديرها مختصون، والعمل على نشر التوعية والتثقيف بأهمية مؤسسة الزواج، من خلال برامج موجهة للمقبلين على الزواج، لبناء أسر مستقرة وسعيدة، وأطفال أقوياء نفسيًا وعقليًا، قادرين على الإسهام الإيجابي في المجتمع.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here