من هم “ثوار الجنوب” في ليبيا؟

من هم
من هم "ثوار الجنوب" في ليبيا؟

أفريقيا برس – ليبيا. أعاد هجوم مسلح استهدف معبر التوم الحدودي، في أقصى الجنوب الغربي الليبي وعلى الحدود مع النيجر، تسليط الضوء على تعقيدات المشهد الأمني في هذه المنطقة، بعدما أعلنت مجموعة تطلق على نفسها اسم “ثوار التبو” سيطرتها المؤقتة على المعبر، وأسر مسلحين قالت إنهم تابعون لقوات القيادة العامة بقيادة خليفة حفتر.

ورغم إعلان القيادة العامة التابعة لحفتر استعادة السيطرة على المعبر بعد ساعات، فإن الحدث فتح باب التساؤلات عن طبيعة هذه التشكيلات المسلحة وحدود نفوذها وخلفيات تحركها، في منطقة شكَّلت إحدى أكثر مناطق ليبيا هشاشة من الناحية الأمنية.

ماذا حدث في معبر التوم؟
فجر السبت 31 يناير/كانون الثاني المنقضي، نفذت مجموعة مسلحة هجوما مفاجئا استهدف “معبر التوم” الحدودي مع النيجر، إلى جانب نقاط وبوابات أمنية وتمركزات عسكرية في مناطق متفرقة من الجنوب الغربي الليبي.

وبحسب شهادات محلية، أسفر الهجوم عن مقتل عدد من أفراد القوات التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر، وأسر آخرين، إضافة إلى تدمير آليات عسكرية، قبل أن تنسحب القوة المهاجمة من المواقع التي دخلتها.

وتداول ناشطون مقاطع مصورة تُظهر آثار المعارك وآليات محترقة وأسرى، في حين قالت وسائل إعلام مقربة من القيادة العامة إن قوات حفتر أعادت بسط سيطرتها على المعبر، وطردت المهاجمين في وقت لاحق من اليوم نفسه.

ولم يصدر تعليق رسمي مفصّل من القيادة العامة عن طبيعة الخسائر أو ملابسات العملية، وهو ما أبقى الروايات متباينة بشأن حجم الهجوم ونتائجه.

من هم “ثوار الجنوب”؟
وبحسب المصادر فإن ما يُعرفون بـ”ثوار الجنوب” لا يمثلون تنظيما عسكريا قائما بذاته، ولا يملكون قيادة مركزية أو هيكلا تنظيميا موحدا، وإنما هو وصف إعلامي لمجموعة من المسلحين ينتمي معظمهم إلى مكوّن “التبو” في الجنوب الليبي.

وتؤكد هذه المصادر أن أفراد المجموعة ليبيون في الأساس، وليسوا قوة أجنبية، لكنهم ينتمون إلى قبائل ذات امتداد اجتماعي وقبلي عابر للحدود خاصة بين ليبيا وتشاد، وهو امتداد تاريخي ينعكس على طبيعة تحركاتهم وقدرتهم على العمل في المناطق الصحراوية المفتوحة.

ماذا جاء في بيانهم الأخير؟
وفي مقطع “فيديو” نُشر يوم الأول من فبراير/شباط الجاري، أعلن متحدث باسم ما يُعرفون بـ”ثوار التبو” نجاح ما وصفه بـ”عملية عسكرية نوعية” نُفذت في اليوم السابق، قال إنها استهدفت مناطق يُشتبه في ضلوعها بأنشطة تهريب وفساد في الجنوب الليبي.

وذكر المتحدث أن القوة المنفذة أسرت عددا من أفراد القوات التابعة لخليفة حفتر، واتهمها بالضلوع في شبكات تهريب، ووجَّه ما وصفه بـ”تحذير أخير” لكل من يشارك في تهريب السلع والوقود والمواد التموينية.

وأكد البيان أن المجموعة ستتعامل بحزم مع أي مركبة تُستخدم في التهريب، بما في ذلك استهدافها وتدميرها، إضافة إلى طرد أي نقاط أمنية قال إنها تتواطأ مع المهرّبين.

خريطة ليبيا
ما طبيعة علاقتهم بالمعارضة التشادية؟
تشير تقارير دولية ومتابعات أممية إلى وجود تداخلات بين بعض التشكيلات المسلحة في الجنوب الليبي -بما فيها أفراد من التبو- وجماعات معارضة مسلحة تشادية، أبرزها “جبهة التغيير والوفاق” في تشاد (FACT) التي أُسّست عام 2016 بقيادة محمد مهدي علي.

وتُصنَّف هذه الجبهة حركة معارضة مسلحة للحكومة التشادية، وقد نفذت عمليات عسكرية داخل تشاد، من بينها الهجوم الذي أدى إلى إصابة الرئيس الراحل إدريس ديبي في أبريل/نيسان 2021، قبل إعلان وفاته لاحقا متأثرا بجروحه.

وبحسب تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا، فإن جماعات مسلحة تشادية من بينها “FACT” أقامت في فترات سابقة قواعد ومعسكرات داخل جنوب ليبيا، خاصة في مناطق “الجفرة” والحدود الليبية التشادية، مستفيدة من هشاشة السيطرة الأمنية واتساع الرقعة الصحراوية.

ولا تشير هذه التقارير إلى تبعية تنظيمية مباشرة بين “ثوار الجنوب” والمعارضة التشادية، بقدر ما تتحدث عن تشابك قبلي وعسكري عابر للحدود، ضمن ساحة إقليمية أوسع للصراع في المثلث الحدودي بين ليبيا وتشاد والنيجر.

كيف تحولت العلاقة مع حفتر من تحالف إلى خصومة؟
خلال الحرب على طرابلس في عامي 2019 و2020، شاركت تشكيلات مسلحة من الجنوب الليبي، بينها أفراد من “التبو”، إلى جانب مجموعات تشادية مسلحة، في القتال ضمن صفوف القوات التابعة لخليفة حفتر، وفق ما وثقته تقارير أممية.

وأظهرت تقارير فريق الخبراء أن هذه التحالفات كانت ذات طابع مرحلي، فرضتها ظروف الحرب، ولم تستند إلى اندماج مؤسسي طويل الأمد داخل بنية القيادة العامة.

ومع انتهاء الحرب وتغيُّر موازين القوى، بدأت القيادة العامة في إعادة ترتيب نفوذها في الجنوب، وهو ما رافقته توترات مع قوى محلية وتشكيلات مسلحة كانت فاعلة خلال مرحلة الصراع، مما أدى إلى تفكك بعض التحالفات السابقة وظهور أنماط من الصدام غير المباشر.

لماذا يوصف الهجوم بأنه “حرب عصابات”؟
يشير نمط الهجوم إلى أنه قائم على الضربات الخاطفة والانسحاب السريع.

إذ لم تسعَ القوة المهاجمة إلى إدارة المعبر أو الاحتفاظ به، كما لم تعمل على الاستيلاء على الآليات، بل عمدت إلى تدميرها، في مؤشر على أن الهدف كان إلحاق ضرر عسكري ومعنوي أكثر من تحقيق مكاسب ميدانية دائمة.

لماذا تسمية “ثوار الجنوب”؟
تُستخدم تسمية “ثوار الجنوب” وصفا إعلاميا أكثر من كونها عنوانا لتنظيم محدَّد. ويعود استخدام مصطلح “ثوار” إلى أن عددا من أبناء “التبو” يَعُدون أنفسهم جزءا من ثورة 17 فبراير/شباط 2011، التي شاركوا فيها احتجاجا على ما يقولون إنه تهميش تاريخي وحرمان من حقوق المواطنة.

ولا تزال قضايا الهوية والسجل المدني والجنسية من الملفات العالقة في الجنوب الليبي، وتشكل محورا حاضرا في الخطاب السياسي والاجتماعي لدى هذا المكوّن.

ما موقفهم من حكومة الوحدة الوطنية؟
تفيد المعطيات المتوفرة بعدم وجود أي علاقة تنظيمية أو سياسية معلَنة بين هذه التشكيلات المسلحة وحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس. ولم يصدر عن الحكومة أي تبنٍّ للهجوم، كما لم تعلن المجموعة ولاءها لها.

ويرى متابعون أن أي ارتباط مباشر من هذا النوع كان سيُعَد تصعيدا سياسيا وعسكريا واسعا، وهو ما لم يحدث في ظل مسارات سياسية ومشاورات إقليمية جارية.

وبينما تتداخل العوامل الأمنية بالاعتبارات القبلية والحدودية، ومع استمرار غياب معالجة سياسية شاملة لقضايا الجنوب، تبقى المنطقة إحدى أكثر ساحات الصراع تعقيدا في ليبيا، حيث تتقاطع حسابات النفوذ والسلاح والهوية، في مشهد مفتوح على احتمالات متعددة.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here