خطة بولس الملغومة هل تنقل ليبيا إلى حكم العائلات أم إلى التقسيم؟

خطة بولس الملغومة هل تنتقل ليبيا إلى حكم العائلات أم إلى التقسيم؟
خطة بولس الملغومة هل تنتقل ليبيا إلى حكم العائلات أم إلى التقسيم؟

المصطفى المعتصم

أفريقيا برس – ليبيا. كشف الصحافي تيم إيتون، في مقال نشره بتاريخ الـ30 من حزيران/يونيو 2026 في مجلة “فورين بوليسي” تحت عنوان “هل تؤيد واشنطن حكم العائلة في ليبيا؟”، تفاصيل لقاء جرى بين صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، ووزير خارجية الولايات المتحدة، ماركو روبيو، خلال زيارة صدام لواشنطن.

وجاء في المقال أن الجانبين ناقشا “الجهود الليبية الجارية لتوحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية في البلاد”، وأضاف أن المبعوث الأميركي مسعد بولس يعمل على ترتيب لتقاسم السلطة في ليبيا بين عائلتي حفتر ودبيبة، يمنح آل الدبيبة رئاسة الوزراء، ويمنح آل حفتر قيادة المجلس الرئاسي المؤلف من ثلاثة أعضاء، على أن يكون عضوان من غرب البلاد وجنوبها.

فهل أميركا بهذا الترتيب جادة حقاً في إيجاد حل جذري للأزمة الليبية، أم أنها بتكريسها لحكم عائلتين متصارعتين تفتح الباب على مصراعيه أمام مزيد من الأزمات، في أفق تقسيم ليبيا رسمياً؟

مآلات ربيعٍ ليبيٍّ لم يزهر

لم يكن الرئيس معمر القذافي يدرك أنه يوقع على عقد إعدامه، ويعرّض ليبيا لخطر التفكيك والتقسيم، حينما قرر في صيف 2003 التخلي عن برنامج ليبيا النووي، وقبوله تدمير أسلحة الدمار الشامل التي كانت بحوزة الجيش الليبي، ولا سيما الصواريخ بعيدة المدى التي كانت تهدد جنوب أوروبا. ولم يكتفِ بذلك، بل أقدم على إعلان مسؤولية النظام الليبي عن حادثة لوكربي، وقبوله تعويض الضحايا بمبلغ 2.7 مليار دولار أميركي، وتسليمه رسالة رسمية بهذا الاعتراف إلى مجلس الأمن الدولي.

لكن هذه التنازلات الكبرى لم تشفع له، فمحاولاته لاستمالة دول غربية، وعلى رأسها بريطانيا التي أبرم معها صفقات اقتصادية كبرى في مجال النفط، باءت بالفشل. وكذلك محاولاته استمالة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي قدم له رشاوى لحملته الانتخابية ووقّع معه عقوداً ضخمة بعشرات المليارات من الدولارات حينما استقبله في باريس في كانون الأول/ديسمبر 2007، كلّها لم تنجح في شراء ولاء الغرب له.

كان القذافي مطمئناً تماماً إلى رضى الغرب بعد كل ما قدمه من تنازلات، حينما خرج الشعب الليبي في شباط/فبراير 2011 مطالباً بالحرية والعدالة والديمقراطية. لذلك لم يفكر في التفاعل الإيجابي مع مطالب شعبه، وفضل استعمال السلاح لقمع المحتجين وحسم الموقف بالقوة. لكن الحلف الأطلسي، بقيادة أميركا وفرنسا، سارع إلى استغلال حسابات القذافي الخاطئة لشن حرب عليه، تدخلت فيها أيضاً أطراف خليجية، بذريعة حماية حقوق الإنسان في ليبيا ومنع النظام من التنكيل بالشعب الليبي.

وبعد مقتل معمر القذافي، عاشت ليبيا وضعاً معقداً كاد أن يجعلها دولة فاشلة، تعمّها الفوضى والصراعات المسلحة، وتتوزع إلى مناطق نفوذ بين الأطراف المتصارعة. وقد أبانت الأحداث بوضوح أن الدول الغربية لم يكن يهمها الدفاع عن حقوق الإنسان أو إقرار الديمقراطية في ليبيا، بل كان يهمها فقط الفوز بنفط ليبيا وبصفقات إعادة إعمار ما دمرته الحرب. فبعدما تخلصوا من رئيس مشاغب، اتفقوا على تنحيته، ثم اختلفوا بعد ذلك في تقسيم الغنائم.

فمالت إيطاليا إلى دعم حكومة الوفاق، بينما ساندت فرنسا خليفة حفتر، معتقدة أن الفوضى التي ستستوطن ليبيا ستتيح لها تحقيق أمل راودها منذ إقرار مشروع “بيفن سيفورزا” الذي اتفقت فيه بريطانيا وإيطاليا في الـ 10 من آذار/مارس 1949 على فرض الوصاية الإيطالية على طرابلس، والوصاية البريطانية على برقة، والوصاية الفرنسية على فزان الغنية بالنفط والمحادية للنيجر حيث مناجم الأورانيوم.

أما واشنطن، فظلت تلعب على الحبلين، فهي مع الشرعية في العلن أي مع حكومة الوفاق، لكن يدها كانت ممدودة سراً إلى اللواء المتقاعد خليفة بلقاسم حفتر، الحامل للجنسية الأميركية منذ عام 1993، والذي تصر الصحف الأميركية على وصفه بـ”الجنرال” رغم أنه مجرد لواء متقاعد. حفتر الذي قضى عشرين عاماً لاجئاً في فرجينيا بالولايات المتحدة الأميركية، عاد إلى ليبيا عام 2011 وشغل مناصب عليا في القوات التي أطاحت القذافي، ثم أصبح قائداً لما يُعرف بـ”الجيش الوطني الليبي” عام 2014، وشن حملة ضد حكومة الوفاق الوطني. أما روسيا، الباحثة عن العودة إلى ليبيا كما كانت في زمن القذافي، فأبت إلا أن تدخل الصراع إلى جانب حفتر تحت مسمى محاربة الإرهاب، ولو بشكل غير مباشر عبر مرتزقة “فاغنر” الروس.

أما الدول الخليجية، وفي مقدمتها قطر والسعودية والإمارات، فقد اتفقت بدورها على دعم الثوار في ليبيا بالمال والسلاح والإعلام لإسقاط نظام القذافي، لكنها اختلفت بعد ذلك على من يحكم ليبيا. ففي الوقت الذي مالت فيه قطر لدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة، مالت السعودية والإمارات ومصر لدعم حفتر في شرق ليبيا، متهمة حكومة طرابلس بأنها قريبة من جماعة الإخوان المسلمين. وما تزال الإمارات تحرص على دعم حفتر، لأنه يسهل لها تمرير الأسلحة والمرتزقة لميليشيا الجنجويد في السودان.

وقد أعاد التدخل التركي نوعاً من التوازن إلى موازين القوى بين المتصارعين في ليبيا، ما جعل الحسم العسكري لصالح طرف ما شبه مستحيل، وجعل مستقبل ليبيا ووحدتها رهيناً بالتوافقات والاتفاقات بين مختلف الفرقاء في المشهد السياسي. هذا ما استوعبه جيداً الفاعلون السياسيون الليبيون والأطراف الخارجية، ما سمح بإطلاق دينامية تُوجت بالاتفاق السياسي الليبي برعاية الأمم المتحدة، الذي يُعرف باسم “اتفاق الصخيرات” الذي تم التوقيع عليه في الـ17 من كانون الأول/ديسمبر 2015، ثم بلقاء الـ5 من شباط/فبراير 2021 في جنيف، حيث تم الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية تُحضّر ليبيا للانتخابات العامة في كانون الأول/ديسمبر 2021.

وفي 10 آذار/مارس 2021، صوّت البرلمان الليبي بالموافقة على حكومة وحدة وطنية يرأسها عبد الحميد الدبيبة. كما أدى المجلس الرئاسي الليبي الجديد، المؤلف من ثلاثة أعضاء برئاسة محمد المنفي، اليمين أمام المحكمة الدستورية في طرابلس في الـ 15 من آذار/مارس 2021، بعد أكثر من شهر على تعيينه في إطار عملية سياسية رعتها الأمم المتحدة. لكن رغم كل الجهود الرامية إلى لمّ الشأن الليبي، ما تزال ليبيا تعيش على إيقاع الصراع المحتدم على السلطة.

التطبيع… جواز مرور نحو البيت الأبيض

التطبيع اليوم هو جواز المرور نحو الإدارة الأميركية، التي تخضع بشكل كبير لتأثير اللوبي اليهودي الأميركي (AIPAC). وبخصوص ليبيا، يرى الرئيس ترامب، الذي يتعامل بعقلية التاجر، أن توسيع نفوذ أميركا في ليبيا سيمكن بلاده من تحقيق مكاسب اقتصادية وصفقات مربحة، وسيمكن الشركات الأميركية من العودة إلى هذا البلد وتوسيع نطاق أعمالها في قطاعي الإعمار والنفط الليبي، كما حدث بالفعل مع شركة “شيفرون”.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2021، تحدثت وسائل إعلام دولية عن أن صدام حفتر، الذي يشغل منذ عام 2017 منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة للجيش الوطني الليبي وقائد لواء طارق بن زياد، قد زار “إسرائيل” خلال عودته من زيارة لدبي. وخلال هذه الزيارة، عقد صدام لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين، نقل خلالها رسالة من والده يطلب فيها مساعدة عسكرية وسياسية من تل أبيب، مقابل إقامة علاقة دبلوماسية بين ليبيا و”إسرائيل” في المستقبل.

وفي أيار/مايو 2025، عاد الحديث عن العلاقة بين معسكر شرق ليبيا و “إسرائيل”، عندما كشف محمود المصراتي، الصحافي الذي شغل سابقاً منصب المستشار الإعلامي للبرلمان الليبي الموالي لحفتر، عن حضوره شخصياً لقاءات جمعت صدام حفتر بمسؤولين من الموساد الإسرائيلي، عرضوا عليه دعمه بهدف الوصول إلى سدة الحكم في ليبيا مقابل تنحّي والده، لكنه رفض، وفق شهادته. وطبعاً، لا تخفي “إسرائيل” انحيازها العلني إلى معسكر الشرق.

هذه الاتصالات خلّفت استياءً كبيراً لدى الليبيين وموجة غضب واسعة في مواقع التواصل الاجتماعي، وفتحت الباب أمام تساؤلات وشكوك حول عمق العلاقة بين بعض أطراف شرق ليبيا والكيان الصهيوني. وسواء أكانت هذه اللقاءات تعبيراً عن توجه حقيقي نحو التطبيع، أم مجرد محاولة لجعل صدام مقبولاً من طرف واشنطن والغرب الداعمين لـ “إسرائيل”، فإن مجرد التواصل مع الموساد في خضم العدوان على غزة يضع معسكر حفتر في مرمى نيران الشارع الليبي، الذي يعتبر أن القضية الفلسطينية تمثل أحد ثوابته الوطنية.

زيارات صدام حفتر لواشنطن

يدرك حفتر الأب أن خروج أوروبا، وفي مقدمتها فرنسا، بنسبة كبيرة من المعادلة الليبية، والتقارب التركي المصري، وتوتر العلاقات بين السعودية والإمارات، وتطور الموقف المصري بسبب موقف معسكر الشرق الليبي من الأزمة القائمة في السودان، حيث تميل القاهرة إلى دعم الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان في قتاله ضد قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي يحظى بدعم معسكر الشرق الليبي انسجاماً مع مواقف أطراف إقليمية وعربية، وفي مقدمتها الإمارات، كل ذلك سينعكس سلباً على معسكره. لذلك دفعه ذلك إلى البحث عن تقوية علاقته بواشنطن ودعم موقف حكومة الشرق، ولو سياسياً، من خلال زيارة صدام حفتر لواشنطن.

حتى الآن، برزت زيارتان معلنتان لصدام حفتر لواشنطن. الأولى كانت في نيسان/أبريل 2025، حيث زار واشنطن على رأس وفد بصفته مبعوثاً للقيادة العامة في شرق ليبيا، والتقى خلالها بمستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، بحضور مسؤولين من وزارة الخارجية الأميركية، منهم ريتشارد نورلاند وتيم ليندركينغ. وتناولت المباحثات دعم توحيد المؤسسات الليبية، وتعزيز التعاون بين الولايات المتحدة وليبيا، خاصة في المجالات الأمنية والاقتصادية. وقد تحدثت شبكة “سي إن إن” الأميركية عن عرض قدمته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لصدام حفتر خلال هذه الزيارة، يتمثل في توطين لاجئين فلسطينيين من غزة داخل ليبيا. وهو نفس العرض الذي تقدمت به ” إسرائيل” لصدام خلال زيارته لـ”إسرائيل”، بحسب القناة 12 العبرية، وهو ما رفضه البرلمان الليبي.

أما الزيارة الثانية فتمت في حزيران/يونيو 2026، حيث التقى صدام بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إضافة إلى مسعد بولس. وركزت المحادثات، وفق البيانات الرسمية، على المبادرة الأميركية الخاصة بالأزمة الليبية، وتوحيد المؤسسات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وآفاق التعاون بين الجانبين.

خلال هذه الزيارة، تقدم مسعد بولس بالمبادرة التي كشفتها “فورين بوليسي”، والتي تقتضي باقتسام السلطة في ليبيا بين عائلتي حفتر ودبيبة، حيث يمنح آل الدبيبة رئاسة الوزراء، ويمنح آل حفتر قيادة المجلس الرئاسي المؤلف من ثلاثة أعضاء، على أن يكون عضوان من غرب البلاد وجنوبها، وسيتحكم فيه صدام حفتر بصفته نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة خليفة حفتر، ما يوفر له منطلقاً لتوسيع دائرة نفوذ قواته المسلحة في غرب ليبيا، بعد فشل لازمها طويلاً في محاولاتها للسيطرة على طرابلس في الفترة بين 2019 و2020. وحيث إن صدام حفتر ووالده لا يرغبان حقاً في تقاسم السلطة، فمن المرجح ألا يقبل آل حفتر بالبقاء محصورين في مجلس الرئاسة، وسيستغلون هذا الترتيب للاستيلاء على السلطة.

إذاً… هل ترتيب مسعد بولس يسعى إلى ترسيخ “حكم العائلات” في ليبيا؟ أم إلى تهيئة الأجواء لهيمنة آل حفتر على السلطة؟ أم إلى تأبيد الانقسام السياسي، ما سيفتح المجال لتقسيم ليبيا رسمياً؟

في جميع الأحوال، هذا الترتيب هو دفن لأي انتقال حقيقي إلى الديمقراطية في ليبيا، ويتعارض كلياً مع ما كان الليبيون يطمحون إليه حينما أطاحوا معمر القذافي عام 2011، وأجروا بشأنه انتخابات عام 2012. كما أنه يتناقض تماماً مع خارطة الطريق التي وضعتها الأمم المتحدة بعد الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2014، والتي تنص على إجراء انتخابات، وتحقيق آمال الشعب الليبي في التغيير السياسي المنشود.

وإذا كانت الولايات المتحدة ترى في اتفاق حفتر-دبيبة الاتفاق الوحيد الممكن في ظل الظروف الراهنة، فإن مبادرة بولس قد خلفت غضباً واسعاً لدى العديد من الليبيين، الذين يرون أن عدم إبرام أي صفقة أفضل من إبرام صفقة سيئة، وأن ما يجري هو مجرد إدارة للأزمة، لا حل لها، في مشهد يعيد إنتاج الانقسام ويؤجج الصراع بدلاً من إخماده.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here