أسامة علي
أفريقيا برس – ليبيا. تتجه حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة إلى إجراء تعديل وزاري لملء المناصب الشاغرة ودمج بعض الوزارات، وسط مشاورات واسعة ومستمرة حالت حتى الآن دون الوصول إلى صيغة نهائية. وأعلن الدبيبة الثلاثاء الماضي، في كلمة متلفزة بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لثورة فبراير، أنه سيكشف تفاصيل التعديل الوزاري خلال اجتماع مجلس الوزراء المقبل، دون تحديد موعده. وعن أسباب التعديل قال الدبيبة إنها خطوة تهدف إلى “سد الشواغر” و”ضخ دماء جديدة”.
وتعاني حكومة الوحدة الوطنية، التي تباشر أعمالها منذ العام 2021، من غياب نحو 13 وزيراً من أصل 27، نتيجة استقالات عدد من وزرائها وإحالة آخرين إلى التحقيق على خلفية شبهات فساد وتجاوزات. ووفقاً لمعلومات أدلت بها مصادر مقربة من الحكومة، فإن التعديل المرتقب لا يقتصر على ملء المناصب الشاغرة، بل يشمل إعادة النظر في هيكل الحكومة نفسها، عبر دمج بعض الوزارات. وأشارت إلى أن العملية لا تزال رهينة مداولات معقدة، في ظل تصاعد التنافس بين المترشحين للحقائب الوزارية، وضغوط القوى السياسية والمستفيدين من التشكيلة الحكومية.
ويتجه الدبيبة، وفق المصادر ذاتها، للإبقاء على شخصيات نافذة ومقربة منه داخل حكومته، ومن بينهم وليد اللافي الذي يشغل حالياً مهام وزارة الاتصال والشؤون السياسية، ووزير الداخلية عماد الطرابلسي، ووزير المواصلات محمد الشهوبي الذي يتولى كذلك منصب المستشار المالي للدبيبة. وتشير معلومات المصادر إلى أنه في الوقت الذي يتمسك فيه الدبيبة بحقيبة الدفاع، لم يتم الحسم بعد في الأسماء التي ستتولى وزارتي المالية والخارجية جراء التنافس الحاد.
وتربط المصادر تأخر الإعلان عن التعديل بجملة عوامل، من بينها محاولات الدبيبة الدفع نحو تشكيل يستوعب أطيافاً سياسية أوسع، بما في ذلك شخصيات معارضه له في الزنتان ومصراته وأخرى تنحدر من الشرق والجنوب، وكذلك لاستيعاب خلاف طرأ مؤخراً بينه وبين رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي عبر إحلال شخصيات مقربة منه في بعض الأجهزة الرئيسية التابعة للحكومة وفي البعثات الدبلوماسية بالخارج.
تحركات أميركية
ويأتي هذا الحراك الحكومي في سياق سياسي أوسع يتقاطع مع تحركات أميركية تسعى للدفع نحو صيغة لتوحيد السلطة التنفيذية في البلاد، حيث تتداول أوساط ليبية مقترحات أميركية تحدثت عن إعادة ترتيب هرم السلطة، تشمل المجلس الرئاسي والحكومة، في إطار توحيد السلطة بين شرق وغرب البلاد. وأكدت المصادر نفسها تداول هذه المقترحات في أوساط الحكومة، وأنها نوقشت بالفعل في اجتماعين رئيسيين نظمهما المستشار الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب، مسعد بولس، بين صدام حفتر ممثلاً عن والده وإبراهيم الدبيبة ممثلاً عن رئيس حكومة الوحدة الوطنية، الأشهر الماضية، إلا أنها واجهت اعتراضات من معسكر اللواء المتقاعد خليفة حفتر. ولا تقتصر تلك الاعتراضات على حفتر فقط، بل بسبب تباينات داخلية لا سيما بين نجليه صدام وخالد، إضافة إلى اصطفافات سياسية أخرى، من بينها مواقف رئيس البرلمان عقيلة صالح المائلة لخالد والمعارضة لاتجاه صدام.
وخلال شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني الماضيين، نظم حفتر سلسلة لقاءات قبلية هدف من خلالها الحصول على تفويض قبلي لرئاسة البلاد، وهي الخطوة التي واجهتها طرابلس بإعلان المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة وحكومة الوحدة الوطنية، في نوفمبر الماضي، عن إنشاء “الهيئة العليا للرئاسات”. وفي هذا السياق، أشارت معلومات المصادر نفسها الى أن الدبيبة يسعى من خلال التعديل الوزاري إلى الفصل بين إعادة تشكيل الحكومة وإعادة تشكيل المجلس الرئاسي، عبر المضي في تعديل حكومي يمنحه هامشاً سياسياً أوسع، مع ترك الخلافات المتعلقة ببنية السلطة العليا للبلاد قيد التفاوض ومحاولة إظهارها باحة للصراع بعيدة عن حكومته.
وعقب إعلان الدبيبة عزمه إجراء تعديل وزاري، دعاه رئيس حكومة مجلس النواب أسامة حماد، إلى الدخول في “حوار” لمعالجة الأزمة المالية التي تشهدها البلاد، أو “الخروج معاً من المشهد” لإفساح المجال أمام من يسهم في توحيد المؤسسات وتحقيق الاستقرار، فيما لم يصدر عن مجلس النواب وقيادة حفتر أي موقف حيال إعلان الدبيبة.
وبرز الدور الأميركي منذ العام 2024 عبر مساعي القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) إجراء مقاربة بين معسكري شرق وغرب البلاد لتأليف قوة عسكرية مشتركة، لكنه برز أكثر بانخراط فاعل عبر تحركات مسعد بولس، الذي قاد خلال سبتمبر/أيلول ويناير/كانون الثاني الماضي لقائين بين ممثلي حكومة الدبيبة وسلطة حفتر في روما وباريس، وأبدى اهتماماً خاصاً بتدريبات “فلينتلوك 2026” التي ستنظمها أفريكوم في إبريل/نيسان المقبل بمدينة سرت. كما أشرف بولس على توقيع اتفاق البرنامج التنموي الموحد، في نوفمبر الماضي، والذي يقضي بتوحيد بند التنمية الذي يعد أكثر بنود موازنة الدولة صراعاً وتنافساً بين حكومتي البلاد.
تشكيل “مجموعة صغيرة”
في المقابل، تواصل البعثة الأممية الدفع بخريطة الطريق، التي أعلنتها في أغسطس/آب الماضي، والتي تهدف للوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية عبر مراحل متوازية، تبدأ باستكمال مجلس المفوضية العليا الانتخابات وإجراء تعديلات على القوانين الانتخابية، مروراً بتشكيل حكومة موحدة، إلى جانب مسار “الحوار المهيكل” الذي يضم شرائح مجتمعية وسياسية أوسع للمشاركة في تمهيد الطرق نحو إجراء الانتخابات.
غير أن خلافات مجلسي النواب والدولة، المناط بهما تنفيذ المرحلة الأولى، دفع رئيسة البعثة، هانا تيتيه، إلى الإعلان، خلال إحاطة قدمتها إلى مجلس الأمن الأربعاء الماضي، بفشل رهانها على المجلسين، وعزمها اللجوء إلى تشكيل “مجموعة صغيرة”، دون أن توضح طبيعتها وأعضاءها، بديلاً عن المجلسين لإنجاز هذه المرحلة. لكن اللافت في إحاطة تيتيه، حضور بولس في جلسة مجلس الأمن، ممثلاً عن بلاده للحديث بدلاً عن الممثل الرسمي الأميركي في مجلس الأمن، ما عده مراقبون محاولة للدفع برؤية واشنطن ضمن مقاربة تحظى بدعم أممي، بما يعكس تقارب بين المسارين الأممي والأميركي.
وأكد بولس، في كلمته أمام مجلس الأمن، أن بلاده في عهد إدارة ترامب “ستكون في طليعة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الوحدة والسلام الدائم في ليبيا”، وحث القيادات الليبية على “التوصل لحلول وسط عملية، والتنسيق، والتعاون في مجال التكامل الاقتصادي والأمني”، و”تجاوز انقسامات الماضي”، معرباً عن ثقته في قدرتهم على إحراز تقدم ملموس في دمج المؤسسات الأمنية، بعدما نجحوا في التوصل إلى اتفاق بشأن “البرنامج التنموي الموحد، في نوفمبر بدعم من الولايات المتحدة”. واعتبر بولس أن اتفاق البرنامج التنموي الموحد “سيمهد الطريق لتعاون مثمر على الصعيد السياسي، وسيساعد في تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق حكم موحد حقيقي وانتخابات في نهاية المطاف”، مؤكداً أن “الوحدة هي مفتاح استقرار ليبيا وازدهارها”.





