أفريقيا برس – ليبيا. تصدّرت لهجة حادة، لم تخلُ من تبادل الاتهامات، بين رئيس المحكمة العليا في العاصمة الليبية طرابلس ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، الذي وصف المحكمة العليا بأنها «محكمة نقض»، كما دخل رئيس «حكومة الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة وغريمه أسامة حمّاد على خط الأزمة، إذ انحاز كل منهما إلى أحد طرفي الخلاف.
وعقب هجوم حاد شنّه صالح على رئيس المحكمة، المستشار عبد الله بورزيزة، ووصفه بأنه «أصبح خصماً سياسياً غير محايد، الأمر الذي يجعله غير مؤهل للنظر في أي أمر يتعلق بالبرلمان»، ردّت الجمعية العامة للمحكمة عادّة أن ما ذهب إليه عقيلة صالح «مغالطة من البرلمان»، الذي وصفته للمرة الأولى بـ«السلطة المؤقتة».
ويتعلّق الخلاف، الذي ينظر إليه على أنه يوسّع شرخ «انقسام القضاء الليبي»، بتحويل المحكمة العليا إلى «محكمة النقض»، بعد إنشاء محكمة دستورية عليا في بنغازي (شرق) بموجب قانون أصدره البرلمان، سبق أن أبطلته الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا.
وبالتبعية، وعلى خلفية انقسام حكومي، تباينت آراء النخب السياسية في ليبيا بشأن الأزمة الراهنة، فمنهم من عدّ بيان المحكمة العليا «أقرب إلى السياسة منه إلى لغة القضاء»، في حين ذهب آخرون إلى أن التمسك بإنشاء محكمة دستورية عليا في بنغازي «سينهي وحدة القضاء الليبي».
وفي جلسة للبرلمان منتصف الأسبوع، طالب صالح بـ«تنحي بورزيزة، وتعيين رئيس آخر للمحكمة يتمتع بالحيدة والنزاهة والمحافظة على القسم»، ورأى أنه «لا ولاية للمحكمة العليا للنظر في عدم دستورية القوانين»، كما دعا إلى ضرورة العمل على «إنشاء محكمة مستقلة للقضاء الإداري ليكون قضاءً متخصصاً في النظر بالطعون الإدارية، أسوة بالدول المتقدمة».
وأعربت الجمعية العمومية للمحكمة العليا في بيانها، مساء الأربعاء، «عن بالغ أسفها، وشديد استنكارها لموقف رئيس السلطة التشريعية»، الذي عدّته «سابقة خطيرة تجاه السلطة القضائية في البلاد، متمثلة في قمة هرمها، والمساس بسمعة رئيسها المهنية».
وصعّدت الجمعية العمومية من موقفها تجاه البرلمان، وقالت: «بات من المستقر في قضاء المحكمة أن مجلس النواب، في ظل الإعلان الدستوري وخلال المرحلة الانتقالية، سلطة مؤقتة بموجب الدستور؛ إذ رسم جدول عمله، وقصر مهمة التشريع الموكلة إليه على متطلبات المرحلة، بما يكفل تسريع الانتقال إلى المرحلة الدائمة». مضيفة أن السلطة القضائية في البلاد، وعلى رأسها المحكمة العليا، «سلطة عريقة لم يطلها، بسبب الثورة ولا من قبلُ، أي تغيير ولا تبديل، بل ظلّت بفضل تماسك بنيانها صرحاً مستقلّاً قائماً بمؤسساته وأنظمة عمله، يؤدي وظيفته على تمامها»، مشددة على أن إنشاء محكمة دستورية «مسألة دستورية يختص بتقريرها دستور البلاد لا سلطة التشريع».
كما أوضحت الجمعية العمومية أن «نَعْتَ صالح للمحكمة العليا بمحكمة النقض، وتعييبه أحكامها، وإنكاره حجّيتها، يُشكل تجاوزاً لحدود السلطة، وضرباً بأحكام القضاء عرض الحائط، بما يهدم ركن العدالة، ويمس مساساً خطيراً بمبدأ الفصل بين السلطات، ويُهدد شرعيته، وقد يُجهِض أهداف المرحلة، ويجرّ البلاد إلى مخاطر الفوضى القانونية والتسلط واللاشرعية».
الدبيبة عَدّ أن حماية المحكمة العليا من أي تدخلات داخلية أو خارجية واجب وطني لا تفريط فيه (حكومة الوحدة)
الدبيبة عَدّ أن حماية المحكمة العليا من أي تدخلات داخلية أو خارجية واجب وطني لا تفريط فيه (حكومة الوحدة)
وأيّد الدبيبة موقف الجمعية العامة للمحكمة العليا، مؤكداً دعم حكومته «الكامل» للمحكمة في الدفاع عن «استقلال السلطة القضائية، وحماية مبادئ العدالة وسيادة القانون»، وعدّ أي محاولات للضغط أو التأثير على عمل القضاء أو تجاوز اختصاصاته «تحريضاً على خرق الإعلان الدستوري المؤقت ومبادئ الدولة»، في إشارة إلى البرلمان.
وشدّدت الحكومة على أن «استقلال القضاء يُعد حجر الأساس لأي مسار سياسي ديمقراطي؛ وأن حماية المحكمة العليا من أي تدخلات، سواء أكانت داخلية أم خارجية، واجب وطني لا يمكن التفريط فيه، بما يحفظ الحقوق العامة، ويضمن استمرار العمل المؤسسي».
وحثّت الحكومة مجلس النواب، الذي تبنّت وصفه بـ«المؤقت» والأطراف كافة، على «الالتزام بالحدود الدستورية لصلاحياتهم»، محذرةً من أن أي خطوات أحادية «من شأنها تقويض المسار السياسي التوافقي وإعادة البلاد إلى دائرة الفوضى».
كما دعت الحكومة بعثة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى متابعة «هذه التجاوزات»، و«الوقوف بوضوح إلى جانب استقلال القضاء الليبي، والحفاظ على هيكليته الراسخة، بوصفه ضمانة أساسية لاستقرار الدولة وتحقيق العدالة للشعب الليبي».
بدورها، ردّت حكومة حماد المُكلفة من مجلس النواب على بيان المحكمة العليا، ورأت أنه «تضمن خروجاً واضحاً عن الحدود القانونية والدستورية لعمل هذه المحكمة، وتجاوزاً لاختصاصها القضائي».
وتبنّت الحكومة وصف المحكمة العليا، الذي أطلقه صالح بـ«محكمة النقض»، ورفضت اعتبار البرلمان «سلطة مؤقتة»، وأصدرت بياناً في الساعات الأولى من صباح الخميس، قالت فيه إن مجلس النواب «بوصفه السلطة التشريعية الحالية والدستورية الوحيدة والمنتخبة، كان ولا يزال يُمارس اختصاصاته التشريعية بموجب نصوص الإعلان الدستوري، إلى حين انتخاب سلطة تشريعية أخرى». عادّة أن وصف مجلس النواب بكونه «سلطة تشريعية مؤقتة، كما جاء في بيان محكمة النقض، يُعدّ انقلاباً على السلطة المختصة بالتنظيم التشريعي للسلطة القضائية، من حيث تعيين أعضائها أو تغييرهم، وتنظيم عملهم من الناحية التشريعية»، ورأت أن هذا التنظيم «لا يُعد مساساً باستقلال القضاء؛ بل يستند لما نص عليه الإعلان الدستوري وتعديلاته لمنع أي فراغ في كل مؤسسات الدولة».
وعدّت حكومة حماد ما ورد في بيان «حكومة الوحدة»، التي وصفتها بـ«منتهية الولاية»، بأنه «مهينٌ ويجسد تفريطاً واضحاً ومرفوضاً في سيادة القضاء الوطني، من خلال خلط متعمد بين رفع شعار حماية الاستقلال القضائي من التدخلات الخارجية، وفي الوقت نفسه يدعو فيه البعثة الأممية والمجتمع الدولي إلى التدخل».
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا عبر موقع أفريقيا برس





