أسامة علي
أفريقيا برس – ليبيا. تحاول قوات شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر إعادة ترتيب أوراقها في الجنوب الليبي وتعزيز انتشارها العسكري بعدما عادت المنطقة إلى واجهة المشهد الأمني بحالة متجدّدة من التوتر والهشاشة، وسط سلسلة تحركات كثيفة تقودها وتعكس مقاربة جديدة لإدارة الملف الجنوبي، تجمع بين إعادة هيكلة التشكيلات العسكرية والانفتاح على القيادات والزعامات القبلية في محاولة لاحتواء التوترات المتصاعدة ومعالجة اختلالات أمنية ومعيشية برزت خلال الأشهر الماضية.
وأصدر حفتر، الأربعاء الماضي، قراراً بتشكيل لواء عسكري جديد تحت مسمى “اللواء 18 مشاة”، بقوام مليشياته المسلحة الكبرى في الجنوب، وأهمها الكتيبة 176 والكتيبة 634 والكتيبة 672 والكتيبة 676، “بكامل القوة العمومية من أفراد وآليات ومعدات وأسلحة وأجهزة مخابرة ومعدات حربية ومقرات وذمة مالية”، وفق نص القرار. ويعكس ذلك خطوة جديدة في اتجاه إعادة ضبط هيكلة الانتشار العسكري في الجنوب، ومجيئه في أعقاب تطورات ميدانية متلاحقة كان أبرزها سقوط مروحية عسكرية داخل قاعدة السارة جنوب شرق ليبيا في التاسع من الشهر الجاري، وسيطرة مجموعة قبلية مسلحة على منفذ التوم الحدودي مع النيجر في 31 يناير/كانون الثاني المنصرم.
ومازال الغموض يلف حادث سقوط الطائرة، ففيما كشفت مصادر ليبية من مدينة الكفرة عن مقتل خمسة أشخاص، بينهم أجنبيان، نعى المجلس البلدي للكفرة ثلاثة من الضحايا، وهم عنصران من التسفير الطبي العسكري وممرض من مستشفى الكفرة. غير أن صحيفة “ناشانيفا” البيلاروسية أفادت، في تقرير لها، بأن الضحايا شملوا قائد الطائرة، الذي قالت إنه روسي الجنسية، ومساعده البيلاروسي، إضافة إلى ثلاثة ليبيين. وأضفى عدم صدور أي تعليق رسمي من قيادة حفتر غموضاً وأثار تساؤلات حول أسباب الحادث، وما إذا كان تقنياً أم نتيجة استهداف متعمد.
وجاء حادث سقوط المروحية بعد أقل من عشرة أيام على سيطرة مجموعة قبلية مسلحة تُطلق على نفسها اسم “قوة عمليات تحرير الجنوب” على منفذ التوم الحدودي مع النيجر، في عملية أسفرت عن مقتل ثلاثة عناصر من قوات حفتر وأسر عشرة آخرين. ورغم استعادة قوات حفتر السيطرة على المنفذ سريعاً، إلّا أنها لم تعلن عن استعادة الأسرى، في وقت دفعت فيه بتعزيزات عسكرية إلى منطقة القطرون القريبة من الحدود، في محاولة لتثبيت السيطرة على الممرات الحدودية الحيوية.
قيادة حفتر تتواصل مع قبائل التبو
وبالتوازي مع التحركات العسكرية، كشفت مصادر ليبية برلمانية وأخرى محلية من منطقة القطرون لـ”العربي الجديد”، عن اتصالات أجرتها قيادة حفتر مع زعامات قبائل التبو، التي تمتد جغرافيا بين ليبيا والنيجر، في محاولة لاحتواء التوتر القائم وعزل “قوة عمليات تحرير الجنوب” التي تتألف من مسلحي التبو، مشيرة إلى أن الاتصالات تضمنت مناقشات بشأن الوضع الأمني والمعيشي في القطرون، وإمكانية إحلال عناصر عسكرية من التبو ضمن مليشيات حفتر للمساهمة في السيطرة على المنافذ والممرات الواقعة ضمن ما يُعرف بـ”مثلث السلفادور” الحدودي بين الجزائر والنيجر وليبيا.
ووفق المصادر ذاتها، فإن الاتصالات تجري عبر شخصيات مقربة من نجل حفتر خالد، ولا تقتصر على قبائل التبو فحسب، بل تمتد إلى قبائل أخرى شهدت علاقاتها مع حفتر توتراً خلال السنوات الماضية، من بينها أولاد سليمان. وكانت قيادة حفتر، في أعقاب إعادة السيطرة على منفذ التوم، نشرت تسجيلاً مصوراً لزيارة خالد حفتر إلى منفذ التوم للاطلاع على الأوضاع الميدانية.
وبرّرت “قوة عمليات تحرير الجنوب” سيطرتها على منفذ التوم بأنها جاءت احتجاجاً على ما وصفه بتردي الأوضاع المعيشية والخدمية في الجنوب، واتهمت قوات حفتر بمسؤوليتها عن تردي الأوضاع، وكذلك ممارسة تصفيات بحق خصومها السياسيين في الجنوب. وتبدو تحركات قيادة حفتر للاتصال بزعماء القبائل الحليفة لها في السابق بأنها تأتي في هذا السياق، كما أنها أعلنت بالتزامن إطلاق مشروع زراعي في القطرون، وصفته بأنه “خطوة تنموية تهدف إلى تعزيز النشاط الزراعي ودعم الاستقرار بالمناطق الحدودية”.
ويأتي بروز خالد حفتر في ملف الجنوب ضمن ما تحدثت عنه مصادر ليبية سابقاً بشأن ترتيبات لتوزيع الأدوار داخل دائرة القيادة، شملت منحه صلاحيات أوسع لإدارة الوحدات العسكرية بصفته “رئيساً للأركان”، مقابل تركيز شقيقه صدام حفتر على الملفات والعلاقات الخارجية. وربطت المصادر هذا الترتيب بضغوط إقليمية متزايدة، نتجت عن التحالف المصري السعودي، الساعي لعزل الدور الإماراتي في المنطقة، خاصة في السودان التي تتهم فيها أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع عبر أراضي سيطرة حفتر، ولا سيّما عبر منطقة الكفرة الحدودية مع السودان.
وخلال السنوات الماضية، ارتبط اسم صدام حفتر بإعادة تشكيل خريطة السيطرة العسكرية في الجنوب، عبر نشر كتائب تابعة له، إبان توليه رئاسة أركان القوات البرية، في مختلف مناطقه واتخاذ معسكر أم الأرانب، القريب من سبها وسط الجنوب، مقراً رئيسياً. كما شهدت تلك المرحلة تغييرات واسعة شملت إقصاء شخصيات عسكرية قبلية بارزة، أبرزها العقيد حسن الزادمة وحل اللواء 128 معزز، الذي رفض القرار ولجأ إلى القطرون، متحالفاً مع مسلحي التبو، قبل أن يشن صدام عملية عسكرية واسعة على القطرون في فبراير/شباط 2025 انتهت بالسيطرة على المدينة وطرد فصائل الزادمة، بالإضافة إلى إعلان القبض على قائد “الجبهة الوطنية للتحرير” محمود صالح النيجرية المعارضة داخل القطرون.
ورغم أن قرار إنشاء اللواء 18 مشاة لم يتضمن تسمية قائده، فإنه نص على اتخاذ مدينة مرزق مقراً له، ما عكس تغييراً في مركز الثقل القيادي من أم الأرانب، وسط الجنوب، إلى مرزق التي لا يفصلها عن القطرون سوى 200 كيلومتر، كما أن ضم المليشيات في لواء واحد تزامن مع إصدار قرار آخر يقضي بتكليف ضابط جديد لرئاسة مديرية أمن مرزق، ما يمكن قراءته ضمن إعادة تكييف الاستراتيجية الأمنية من المقاربة العسكرية إلى مقاربة أكثر تركيزاً على إدارة الملف الأمني وضبط العلاقة مع القبائل المحلية والحدود.
وفي الآونة الأخيرة، برز اهتمام متزايد من خالد حفتر بملف ضبط الحدود، إذ شدد في تصريحات تلفزيونية، في العشرين من يناير/كانون الثاني الماضي، على أهمية السيطرة على المنافذ والحدود. كما نظم مؤتمراً دولياً، الثلاثاء الماضي، تحت شعار “تعاون مشترك لمكافحة الجرائم العابرة للحدود”، شارك فيه عدد من الخبراء الأمنيين من عدة دول أفريقية، إلى جانب رئيس الأركان المصري أحمد فتحي خليفة، ونائب رئيس أركان الجيوش الفرنسية الأدميرال كريستوف لوكاس.
وبالإضافة للثقل الاقتصادي والاستراتيجي للجنوب، حيث يحتضن أهم الحقول النفطية ومناجم الذهب، فضلاً عن موقعه الجغرافي المتاخم لحدود تشاد والنيجر والسودان، تظهر أهميته أيضاً في وجود قواعد عسكرية حيوية، من بينها قاعدتي “لويغ” و”واو”، جنوب غرب البلاد، اللتين لا يزال حضور قوات حفتر فيهما محدوداً بفعل تعقيدات المشهد القبلي، في مقابل قاعدة “السارة” التي تكتسب أهمية متزايدة لموقعها الاستراتيجي المشرف على تشاد والسودان، بالإضافة للوجود الروسي العسكري فيها منذ مطلع العام الماضي.





