ليبيا بين الجمود السياسي والتدخلات الخارجية.حوارات بلا نتائج

ليبيا بين الجمود السياسي والتدخلات الخارجية.حوارات بلا نتائج
ليبيا بين الجمود السياسي والتدخلات الخارجية.حوارات بلا نتائج

ماهر الشاعري

أفريقيا برس – ليبيا. رغم تعدد المبادرات السياسية، وتكثيف الحوارات واللقاءات الداخلية والخارجية الهادفة إلى إنهاء حالة الانقسام، لا يزال المشهد السياسي الليبي يرزح تحت وطأة الجمود، في ظل تعثر التوافق بين الأطراف المتنازعة، واستمرار الخلافات حول القضايا الجوهرية، وعلى رأسها الإطار الدستوري والانتخابات وتوحيد المؤسسات.

ملفات غير محسومة

قال المحلل السياسي الليبي، معتصم الشاعري، إن “أبرز أسباب استمرار حالة الجمود السياسي في ليبيا تعود بالأساس إلى عدم حسم الملف الأمني”، مشددا على أن “جميع الخلافات السياسية لن تُحل ما لم تُحل القضية الأمنية أولا، باعتبارها المدخل الحقيقي لمعالجة باقي الأزمات”.

وأضاف أن “معالجة الوضع الأمني، من شأنها إنهاء جزء كبير من الخلافات بين الأطراف السياسية المتنازعة والمتشبثة بالسلطة”.

وأوضح الشاعري في تصريحات له أن “اللقاءات والحوارات السياسية الجارية حاليًا لا تتجاوز كونها “زوبعة في فنجان”، ولقاءات عابرة لن تفضي إلى حلول حقيقية، ولن تقود الليبيين إلى مخرج فعلي من الأزمة، متوقعًا استمرار حالة الجمود السياسي”، مؤكدا أن “الخلاف القائم بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وما يصاحبه من مناكفات سياسية، لن يؤدي إلى توافق، بل أسهم بشكل مباشر في إطالة أمد الأزمة الليبية”، معتبرا أن “معظم اللقاءات السابقة لم تكن بهدف الحل، وإنما لإطالة عمر الأزمة”.

وأشار إلى أنه “في حال غياب الإرادة السياسية الحقيقية للحل، وبقاء المشهد مرتهنا لتدخلات بعثة الأمم المتحدة والدول المتدخلة في الشأن الليبي، فلن يتحقق أي تقدم”، لافتا إلى أن “هناك دولا مستفيدة من حالة التشتت والانقسام التي تعيشها ليبيا”.

وفي السياق ذاته، أكد الشاعري “وجود تدخلات خارجية مباشرة في الملف الليبي”، مشيرا إلى أن “بعض الدول لديها قوات عسكرية على الأراضي الليبية”، واستشهد بتمديد البرلمان التركي مؤخرا بقاء القوات التركية في ليبيا لمدة عامين إضافيين، واصفا ذلك “بالتدخل السافر في الشأن الليبي”.

ودعا المحلل الليبي جميع الأطراف الليبية إلى “العمل على وقف هذه التدخلات التي لا تصب في مصلحة ليبيا، بقدر ما تخدم مصالح تلك الدول التي تنظر إلى ليبيا كـ“كعكة” تسعى إلى اقتسامها، وتتعامل مع الملف الليبي ككرة تتقاذفها فيما بينها”.

وحول السيناريو المحتمل لكسر حالة الجمود، رأى المحلل السياسي الليبي، معتصم الشاعري، أن “الحل يكمن في إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية شاملة”، لكنه حذر من أنه “في حال استمرار الجمود السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية، فإن ليبيا قد تتجه نحو “الهاوية”، متوقعا “خروج المواطنين إلى الشوارع والميادين، وربما الدخول في عصيان مدني، في ظل حالة السخط الشعبي من الوجوه السياسية الحالية وسياسات المماطلة”.

وأكد أن “الليبيين قد يكسرون حاجز الخوف ويخرجون بأعداد كبيرة للمطالبة برحيل هذه الأجسام السياسية التي تنتهج سياسات تهدف إلى البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة”، مشددا على “ضرورة أن يقول الليبيون كلمتهم بأيديهم، وعدم انتظار أي حلول تُفرض من الخارج”.

حلقة مفرغة

من جانبه، قال المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، إن “المشهد السياسي في ليبيا ما زال يدور في “حلقة مفرغة” منذ فشل إجراء الانتخابات المقررة في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021″، مشيرا إلى أن “جميع المسارات باتت مسدودة في ظل غياب حلول حقيقية للأزمة”.

وأضاف العبدلي في تصريحات له أن “الأجسام السياسية القائمة حاليا، وعلى رأسها مجلسا النواب والدولة، تبدو راضية عن الوضع الراهن، لأنه يضمن استمرارها في السلطة، ويحافظ على الامتيازات التي تتحصل عليها، سواء من حيث الرواتب المرتفعة أو الحصانة السياسية أو المصروفات والمزايا الأخرى التي تعود عليهم وعلى أبنائهم”، على حد تعبيره.

وأوضح أن “المجتمع الدولي والدول الكبرى لا تُبدي استعجالا حقيقيا لحل الأزمة الليبية، طالما أن الوضع القائم لا يشكّل تهديدا مباشرا لمصالحها الإقليمية أو الدولية، سواء في البحر المتوسط أو بالنسبة للدول المجاورة أو القوى الكبرى”.

ولفت إلى أن “هذه الدول لا ترغب في قيام دولة ليبية قوية قد تهدد أمنها، ولا في دولة ضعيفة قد تتحول إلى بيئة حاضنة للجماعات الإرهابية والعصابات المسلحة”، معتبرا أن حالة “الاستقرار النسبي المؤقت” تخدم مصالحها في الوقت الراهن.

وأشار العبدلي إلى أن “ليبيا ليست ضمن أولويات المجتمع الدولي في هذه المرحلة، في ظل انشغال العالم بعدة أزمات وصراعات أخرى، من بينها الحرب في السودان، والتوترات في الشرق الأوسط خلال العام الماضي، إضافة إلى الأزمة اليمنية، وغيرها من الملفات التي تحظى بأولوية أكبر على الساحة الدولية”.

وتطرق المحلل السياسي الليبي إلى دور بعثة الأمم المتحدة، موضحا أنها “أطلقت خلال الفترة الماضية ما عُرف بـ”الحوار المهيكل”، والذي عُقد في العاشر من ديسمبر، وضم نحو 124 عضوا”.

وبيّن أن “الهدف المعلن من هذا الحوار كان التمهيد لتشكيل حكومة تقود البلاد نحو الانتخابات، إلا أن البعثة الأممية فاجأت المشاركين بإعلانها أن مخرجات الحوار ستكون “غير ملزمة”.

واعتبر العبدلي أن “هذا الأمر يفرغ الحوار المهيكل من مضمونه، ويجعله شبيهًا بتجربة اللجنة الاستشارية المعروفة بـ”لجنة العشرين”، التي قدمت مقترحات وتوصيات لم يتم الالتزام بها”، وتساءل عما “إذا كان هذا التطور ناتجا عن سوء تقدير من قيادة البعثة”، مستبعدا ذلك، ومرجحا وجود طرف دولي قوي تدخل وعرقل مسار الحوار المهيكل لأسباب متعددة.

وقال إن “هذا الاستنتاج يمكن دعمه من خلال تصريحات المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، وكذلك من خلال التحركات الدولية الأخيرة”، مرجحا أن “يكون لدى هذا الطرف الدولي تصور مختلف للحل، قد يعتمد على التفاهم بين أطراف بعينها، ولا سيما الأطراف العسكرية في الشرق والغرب، إلى جانب حكومة الوحدة الوطنية برئاسة، عبد الحميد الدبيبة، والقيادة العامة للجيش الوطني الليبي”.

وأوضح العبدلي أن “المبعوثة الأممية أشارت، خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن، إلى وجود “خطة بديلة” في حال فشل الأطراف السياسية الليبية في التوصل إلى حل، على أن يتم طرح هذه الخطة في إحاطة مرتقبة خلال شهر فبراير/ شباط المقبل”، واعتبر أن “هذه الخطة قد تمثل بديلا عن الأجسام السياسية الحالية، بسبب ما وصفه بتقاعسها عن معالجة الأزمة الليبية”.

وأضاف أن “بعثة الأمم المتحدة قررت تأجيل مخرجات الحوار المهيكل إلى فبراير المقبل، ما يعني أن المرحلة القادمة قد تشهد “صوتا وسلوكا مختلفين”، وقد تسفر عن تشكيل مجلس تأسيسي جديد يحل محل مجلسي النواب والدولة بعد إلغائهما، وينبثق عنه تشكيل حكومة جديدة”.

وفي هذا السياق، رجّح العبدلي أن “تكون أمريكا هي الطرف الدولي الأكثر حضورا في هذا المسار”، معتبرا أنها “قد تتمكن من الدفع نحو حل خلال فترة قصيرة نسبيا”.

وعلى صعيد آخر، تناول العبدلي التغييرات الوزارية التي أعلنت حكومة الوحدة الوطنية نيتها إجراءها مؤخرا، معتبرًا أنها “تأتي في إطار محاولات لتمديد عمر الحكومة سياسيا”.

وأشار إلى تصريحات سابقة لوزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي، تحدث فيها عن الإعلان عن وزراء جدد قبل نهاية العام(الفائت)، وهو ما لم يحدث حتى انقضاء السنة.

وأوضح أن “عدم الإعلان عن هذه التغييرات قد يكون مرتبطا بتصريحات بعثة الأمم المتحدة، التي قالت إنها غير مطلعة على أي تعديلات وزارية، وهو مؤشر ضمني على عدم موافقة البعثة على خطوات حكومة الوحدة الوطنية في هذا التوقيت، خاصة في ظل وجود مسار الحوار المهيكل”.

وتطرق إلى اللقاء الذي جمع مؤخرا، وليد اللافي، بنائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، مشيرا إلى أن “البيانات الرسمية الصادرة عن البعثة استخدمت لغة دبلوماسية منمقة، لكن ما يُطرح فعليا على الطاولة هو محاولة من حكومة الدبيبة لإقناع البعثة بتمرير تغيير وزاري يشمل أطرافا من شرق ليبيا، في إطار مساع لاحتواء التوتر وضمان بقاء الحكومة الحالية باعتبارها “الحكومة الأخيرة” التي ستشرف على الانتخابات”.

واعتبر العبدلي أن “هذه التحركات لا تعدو كونها “مناورات سياسية”، مؤكدا أن “حكومة الوحدة الوطنية باتت تضحي بمستقبل الليبيين مقابل الحفاظ على بقائها في السلطة”.

وأضاف أن “الوضع الاقتصادي في البلاد يزداد سوءا، بينما يتدهور الوضع السياسي بشكل أكبر، في وقت تعجز فيه الحكومة عن تنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية أو وقف تراجع قيمة العملة الليبية، أو تحقيق توحيد سياسي للبلاد”.

وأشار إلى “وجود تواصل واتصالات غير معلنة بين حكومة الوحدة الوطنية وأطراف في شرق ليبيا، تشمل ملفات تتعلق بالشركات النفطية والتقاسم المالي”، متهما الطرفين بوجود مظاهر فساد، وأكد أن “ما يجمعهما هو تغليب المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة”.

وأكد المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، أن “استمرار الجمود السياسي يعكس غياب الجدية لدى الأطراف الدولية في إحداث تغيير حقيقي في الواقع الليبي”، موضحا أن “الليبيين باتوا ينتظرون مآلات شهر فبراير والخطة البديلة التي تحدثت عنها البعثة الأممية، وكذلك نتائج تدخل الطرف الدولي الذي دخل على خط الأزمة، لمعرفة ما إذا كان سينجح في التحاور مع ما وصفها بـ”الأجسام السياسية الميتة سريريًا”، أم أن حالة الانسداد ستستمر”.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here