نسرين سليمان
أفريقيا برس – ليبيا. تزامن بيان مجلس الأمن المطول حول ليبيا مع دعوة رئيس مجلس النواب عقيلة صالح إلى استئناف الحوار، طرحت عدداً من التساؤلات وجددت عدداً من القضايا التي ركنت في الزاوية ولم تغلق، مثل احتمالية خروج حكومة ثالثة من المشاورات بين الأطراف، والخيارات المتاحة في ظل فشل الحوار وتعطل إصدار القاعدة الدستورية في ظل الرفض المستمر لعمل حكومة الدبيبة من قبل المجلسين.
والتاريخ الطويل لمحاولات الحوار بين مجلس النواب والدولة يثبت الوصول إلى نقطة فشل وتوقف في كل قضية تفتح؛ فعلى مدار سنوات جمعتهم قضايا عديدة، أبرزها الدستور؛ وقد أوقف ووضع في الإدراج دون استفتاء، ثم المناصب السيادية؛ وقد علقت حتى الآن، ثم القاعدة الدستورية ولم تجد النور إلى اليوم، وقد ملئت القائمة بعدد كبير من المحاورات والمشاورات التي لم تخرج بنتيجة. «الدولي» حول ليبيا، الذي جاء بلهجة تحذيرية واضحة، وبدعوة مباشرة للتوجه للحوار الشامل ولاختيار حكومة موحدة في ليبيا، فضلاً عن الالتزام بالهدوء، والمطالبة بالالتقاء تحت رعاية الأمم المتحدة للاتفاق بسرعة على تسوية سياسية من أجل إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة في أقرب وقت- طرح تساؤلات حول دعم هذا الخيار دولياً وآلية الحوار الجديد والسيناريوهات المطروحة في حال فشله مرة أخرى.
لكن المؤكد هنا حتى الآن هو إصرار المبعوث الأممي إلى ليبيا عبد الله باتيلي، ومن خلال لقاءاته وتصريحاته على أن يخرج الحل من الأجسام الموجودة، وهي مجلسا النواب والدولة، وعلى أرض ليبية دون تدخلات أجنبية ما عدا «الرعاية الأممية»، فقد أكد ذلك في مناسبات عدة، وخاصة بعد أن ألغي لقاء الزنتان الذي كان من المقرر أن يلتقي فيه رؤساء المجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي لأسباب لوجستية.
دعوة مجلس النواب الأخيرة التي حملت رسالة تغليب مصلحة الوطن للمأ للدولة وضع شروطاً واحتج على قرارات معينة أصدرها البرلمان، تم طالب البرلمان باستئناف الحوار دون أن يلغي أياَ من هذه القرارات أو يضع مطالب مجلس الدولة في عين الاعتبار، مما يرجح فشل المحاورات مرة أخرى.
وفي حال استئنافها ومع عجز المجلسين التفاهم حول نقاط ترشح الرئيس في القاعدة الدستورية وإصدار شكل نهائي لها، ظهر حديث عن تشكيل حكومة ثالثة، مع رفض البرلمان والمجلس الأعلى للدولة لحكومة الدبيبة، وكذلك رفض الأعلى للدولة لحكومة باشاغا، فلم يتبق إلا حل وسط، وهو أن تشكل حكومة جديدة أو حكومة مشتركة بين الشخصيات المتواجدة في رأس المشهد كالدبيبة وباشاغا.
وقد برز الحديث عن هذا الخيار منذ إعلان الاتفاق المبدئي بين رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح ومجلس الدولة خالد المشري، في المغرب واتفاقهم على عدد من النقاط المهمة لتجاوز الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد حالياً، ومن بينها توحيد السلطة التنفيذية، حيث تواترت الأنباء من مصادر متنوعة عن تشكيل حكومة جديدة للخروج من نفق الانقسام الحكومي.
التوجه إلى الحكومة الثالثة لم ينفه مجلس الدولة، بل دعمه بشكل مباشر من خلال تصريحات رئيسه عندما قال: الوحدة الوطنية لا تستطيع إجراء الانتخابات ولا تسيطر على كل البلاد، وهناك شبهات كثيرة جداً تحوم حولها، فعدد كبير من وزرائها إما استقالوا أو في السجون ولديهم مشكلات قانونية، وحكومة باشاغا هي حكومة غير توافقية، وفي نظرنا أن تشكيلها تم بطريقة فيها نوع من المغالبة، وبصرف النظر عن رئيسها فإنها حكومة غير متوازنة، لذلك دعونا إلى اختيار حكومة جديدة قادرة على إنجاز الاستحقاق الانتخابي».
وعقب حوار المغرب، أكدت مصادر مطلعة ومقربة من طرفي الاتفاق، أن تشكيل حكومة جديدة كان جزءاً من الاتفاق بين عقيلة صالح وخالد المشري، حيث نقلت مصادر إعلامية عن المستشار السابق في مجلس الدولة صلاح البكوش توضيحه أن «رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، والدولة خالد المشري، من وراء اتفاق المغرب هو تقاسم المناصب السيادية، ومن ثم تقاسم الوزارات بحكومة انتقالية جديدة».
ورأى أن «صالح والمشري يسعيان لاستبدال محافظ المصرف المركزي الحالي، وإزاحة رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة لتحقيق هذه الأهداف».
ولم يتركز الحديث عن حكومة ثالثة فحسب، بل إن العديد أشار إلى رغبة الرئاسي في إصدار مرسوم تجميد لكل الأجسام في حال فشلها في إصدار قاعدة دستورية أو الاتفاق على حلول، فضلاً عن مخاوف لآخرين من الفراغ الذي قد يولد أجساماً جديدة غير شرعية من مجموعات أخرى.
عضو مجلس النواب الليبي عبد المنعم العرفي قال، في لقاء مع «القدس العربي»، إنه «وبخصوص الحوار بين مجلس النواب والدولة فليس أمامنا إلا مسار الحوار بعد أن فشلت كل المسارات بعد توقف الحرب وفشل الطرفين في السيطرة على الدولة الليبية، فلا بد من الذهاب في مسار الحوار ولا شيء إلا الحوار، فقد جربت الحرب ولم تستطع الوصول إلى الغاية المنشودة».
وتابع العرفي: «يسعى باتيلي إلى جمع كافة الأطراف للاتفاق حول قاعدة دستورية، ولا شك أن الحراك قوي في هذه الفترة وتحوم الشكوك حول مدى نجاح المجلسين في إصدار قاعدة دستورية أو السير نحور الانتخابات، وبالتالي فإن هناك أجساماً قد تعلن عن نفسها مثل مؤتمر تأسيسي ومبادرات رئاسية، وقد تستغل الفوضى في محاولة إخراج حكومة ثالثة، وأعتقد أن الضغط على مجلس النواب والدولة صادر حتى من الشارع نفسه، ولا بد أن تكون سنة 2023 نهاية لكل الأجسام والخروج بحلول واضحة، وأعتقد أن باتيلي ماض في هذا الاتجاه وليس لديه رغبة في تجاور المجلسين».
المحلل السياسي الليبي إسلام الحاجي، قال في تصريح لـ «القدس العربي» حول الحوار بين المجلسين، إن «الأزمة الليبية هي ليست أزمة داخلية فقط بين الأطراف الداخلية، بل إنها لها أبعاد خارجية أيضاً، حيث إن الانقسام بحقيقته هو انقسام إقليمي ودولي، وكل المجالس والأطراف الليبية مستقطبة لأطراف خارجية، وهناك خلاف خارجي بين الدول حول ليبيا».
وتابع الحاجي أن الجميع يسعى للوصول إلى عدم اتفاق والجميع يسعى إلى التمديد لنفسه سواء على صعيد مجلس النواب أو المجلس الأعلى للدولة أو السلطات التنفيذية، فمنذ وجود اتفاق الصخيرات لم يتفق المجلسان، بل تم عرقلة إصدار قاعدة دستورية وعرقلة تنظيم الانتخابات. والليبيون لا يثقون في قدرة هذه الأطراف على اتخاد أي قرارات أو مبادرات تنهي الأزمة، والحل لا يقف على لقاء المجلسين، ولكن يجب أن يتفق المجتمع الدولي أيضاً على موقف موحد من الحل الليبي.
وأضاف الحاجي: «إن الحديث عن عزم المجلس الرئاسي إصدار مرسوم تجميد لكافة الأجسام غير قانوني، وليس من صلاحيته حسب اتفاق الصخيرات، ولكن يلمح بذلك لأنه أيضاً يرغب في أن يكون موجوداً في المشهد السياسي القادم، لأن الاتفاق بين الأجسام تعني إزاحته أيضاً، كما أن قرار إيجاد حكومة ثالثة هو أيضاً رغبة للإطالة رغم أنه متداول إعلامياً، ويبقى أيضاً مرهون بالمجتمع الدولي، وهي رغبة لتدوير الأزمة الليبية حتى تتضح الرؤية في الحرب القائمة الآن بين أمريكا وروسيا، لأنهم من يديرون الأزمة الليبية، و تتعارض قرارات مجلس الأمن مع هذه الرؤية».
وختم الحاجي أن قرارات مجلس الأمن لن تحث على الذهاب إلى انتخابات من خلال خارطة طريق وحوار جامع وواسع، مردفاً: «يجب أن يبدأ باتيلي من نقطة توقف ستيفاني وليامز، وتنص خارطة الطريق على أنه في حالة عجز مجلسي النواب والدولة على إيجاد قاعدة دستورية تعود هذه القضية إلى ملتقى الحوار، وهذا ما لم تفعله لا ستيفاني وليامز ولا باتيلي، وهذا ما يعطي مؤشراً إلى رغبة المجتمع الدولي لإطالة الأزمة هو الآخر».
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا اليوم عبر موقع أفريقيا برس





