حوار موريتانيا السياسي وسط تجاذبات وضمانات جديدة

2
حوار موريتانيا السياسي وسط تجاذبات وضمانات جديدة
حوار موريتانيا السياسي وسط تجاذبات وضمانات جديدة

أفريقيا برس – موريتانيا. في وقت تتسارع فيه التحضيرات الرسمية لإطلاق الحوار الوطني المرتقب، تتقاطع في المشهد السياسي الموريتاني مؤشرات التفاؤل الحذر مع تصاعد منسوب الشكوك والتجاذبات، وسط ترقب واسع من الرأي العام الذي ينتظر أن يشكل هذا الحوار محطة فاصلة في مسار التهدئة وإعادة بناء الثقة بين مختلف الفاعلين.

وأعرب قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية، الذي يضم عدداً من الأحزاب والتنظيمات السياسية، عن «قلق بالغ» إزاء ما اعتبره إجراءات إدارية من شأنها التأثير سلباً على المناخ السياسي.

ويتعلق الأمر، بحسب بيان صادر عن الائتلاف، بمنع نشاط عام كان مقرراً يوم 11 شباط / فبراير للإعلان عن تأسيس تحالف انتخابي جديد، إضافة إلى ما وصفه بعرقلة عقد جمعيات عامة تأسيسية لبعض الأحزاب، وصعوبات في الوصول إلى التزكيات المطلوبة قانونياً. ويأتي هذا التطور في وقت أكد فيه الرئيس ولد الشيخ الغزواني «أن تحضيرات الحوار الوطني وصلت لمراحل متقدمة، وأن انطلاقته باتت وشيكة»، وذلك خلال تصريحات أدلى بها في سياق زيارة ميدانية للولايات الداخلية.

ويهدف هذا التشاور المنتظر إلى بحث الإصلاحات السياسية وتعزيز الانفتاح الديمقراطي، تمهيداً للاستحقاقات المقبلة.

غير أن بيان قطب المعارضة اعتبر أن بعض القرارات الأخيرة «تثير تساؤلات جدية حول مدى احترام الحريات العامة المكفولة دستورياً»، خاصة حرية الاجتماع والتنظيم والتعبير السياسي.

وحذّر الائتلاف من أن مثل هذه الإجراءات قد تؤثر على مناخ الثقة والتهدئة الذي يُفترض أن يشكل الأرضية الصلبة لانطلاق حوار «جاد وبنّاء»، مشدداً على أن الانخراط في أي مسار وطني جامع يقتضي توفر ضمانات واضحة وإشارات إيجابية تطمئن مختلف الأطراف.

وفي موازاة ذلك، برزت على الساحة تحالفات سياسية جديدة تعكس وجود تيار معارض لا يرى في الحوار بصيغته الحالية إطاراً ملائماً للمشاركة. فقد أُعلن عن تأسيس الائتلاف من أجل التناوب الديمقراطي، وهو تكتل يضم قوى سياسية قررت الاصطفاف خارج مسار التشاور الجاري، والدفع بخيار بديل يستهدف أفق 2029.

ويضم هذا الائتلاف النائب والناشط الحقوقي بيرام الداه اعبيد عبر حركته «العمل الجذري من أجل تغيير شامل»، إلى جانب التحالف من أجل العدالة والديمقراطية/حركة التجديد، وداعمين للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.

وكان من المنتظر الإعلان الرسمي عن هذا الائتلاف خلال لقاء صحفي بدار الشباب، قبل أن يُمنع النشاط، ما دفع المنظمين إلى نقل الفعالية إلى مقر أحد الأحزاب المنضوية فيه.

وأعاد هذا التطور إلى الواجهة سؤال العلاقة بين الإدارة والنشاط الحزبي، في سياق يتسم بحساسية سياسية عالية؛ فبينما ترى جهات معارضة أن ما جرى يمثل «مؤشرات مقلقة» قد تُغذي الشكوك حول جدية الانفتاح، تؤكد أطراف أخرى أن المسار المؤسسي للحوار لا يزال قائماً، وأن أي خلافات ينبغي أن تُحل في إطار القانون.

ومن النقاط التي أثارت جدلاً أيضاً، ما أشار إليه بيان القطب المعارض بشأن «محاولات التشويش على الحوار» عبر التلويح بفكرة مأمورية ثالثة، وهو طرح تعتبره بعض القوى ذريعة لتأجيج المخاوف وخلط الأوراق، في حين يرى معارضون أن غياب تطمينات دستورية واضحة يبقي هذا الاحتمال في دائرة النقاش السياسي، حتى وإن لم يُطرح رسمياً من طرف السلطة.

وبين تيار معارض يعلن تمسكه بالحوار شريطة توفر ضمانات واحترام الحريات، وآخر يختار المقاطعة ويؤسس لتحالفات انتخابية موازية، يجد المشهد السياسي نفسه أمام حالة استقطاب متعددة الأبعاد.

فالحوار المرتقب لا يُنظر إليه فقط كآلية لامتصاص التوتر، بل كاختبار فعلي لمدى استعداد الأطراف كافة لتقديم تنازلات متبادلة، وتغليب منطق التوافق على منطق المغالبة.

ويتابع الرأي العام، من جهته، هذه التطورات بقدر من الحذر: فقد تركت التجارب السابقة للحوار السياسي في موريتانيا انطباعات متباينة؛ بين من يرى أنها أسهمت في تهدئة الأوضاع وفتح قنوات التواصل، ومن يعتبر أنها لم تُترجم دائماً إلى إصلاحات عميقة ومستدامة.

ولذلك، تتجه الأنظار اليوم إلى طبيعة الضمانات التي ستُقدَّم، وإلى مدى شمولية التمثيل، وآليات تنفيذ ما قد يتم الاتفاق عليه.

وفي المحصلة، فإن الحوار الوطني المرتقب يقف عند مفترق طرق: إما أن يشكل فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي على أسس أكثر توافقية، أو أن يتحول إلى محطة إضافية في مسار الاستقطاب.

وبين دعوات التهدئة والتحذير من «قوى طاردة» تسعى، بحسب بعض الفاعلين، إلى إرباك المناخ العام، يظل التحدي الأكبر هو بناء الثقة، باعتبارها العملة النادرة في الحياة السياسية، والشرط الأول لأي إصلاح جاد ومستمر.