الحوار السياسي في موريتانيا يقترب من الانطلاق

2
الحوار السياسي في موريتانيا يقترب من الانطلاق
الحوار السياسي في موريتانيا يقترب من الانطلاق

أفريقيا برس – موريتانيا. تقترب موريتانيا من إطلاق حوارها السياسي المرتقب، بعد أن تسلّم منسق الحوار، السياسي المخضرم موسى فال، جملة من المقترحات والمذكرات المقدّمة من أحزاب الأغلبية الرئاسية ومؤسسة المعارضة الديمقراطية، في خطوة يُنظر إليها باعتبارها تمهيداً عملياً لانطلاق المسار التشاوري الذي دعت إليه السلطات خلال الأشهر الماضية.

ويأتي هذا التطور في مناخ سياسي يتسم بتفاؤل حذر، حيث تتطلع مختلف القوى السياسية إلى أن يفضي الحوار إلى توافقات تعالج ملفات الإصلاح السياسي والانتخابي وتعزز الثقة بين الفاعلين في الساحة الوطنية.

وبهذا تقترب تحضيرات الحوار السياسي من مراحلها النهائية، في مسار يأمل كثير من الفاعلين السياسيين أن يفتح الباب أمام معالجة عدد من القضايا الوطنية الكبرى، في حين لا تزال بعض الأسئلة معلّقة بشأن موعد انطلاقه وطبيعة التفاهمات التي قد تفضي إليها جلساته.

فبعد أشهر من المشاورات واللقاءات التحضيرية، دخلت التحضيرات للحوار الذي دعا إليه رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني مرحلتها الأخيرة، وسط حديث متزايد عن قرب الإعلان الرسمي عن موعد انطلاقه.

مرحلة أخيرة من التحضيرات

وقاد منسق الحوار موسى فال خلال الفترة الماضية سلسلة من اللقاءات مع مختلف الأطراف السياسية والاجتماعية، في إطار مساعيه لبلورة أرضية مشتركة لتنظيم الحوار وتحديد آلياته ومحاوره الأساسية.

وكانت الرئاسة قد سلمت للأحزاب السياسية وثيقة أولية تحدد الإطار التنظيمي للحوار، بما في ذلك آليات المشاركة وطبيعة اللجان والمواضيع الكبرى المطروحة للنقاش.

وحسب متابعين، فإن النقاشات الجارية حالياً تتركز أساساً على مراجعة بعض الصياغات وإضافة مقترحات جديدة، إضافة إلى الاتفاق على الجدول الزمني وهيكلة اللجان الفنية وورشات العمل التي ستتولى إدارة النقاشات.

الأغلبية تسلم ردها

وفي هذا السياق، سلمت منسقية أحزاب الأغلبية الداعمة للرئيس ردها على وثيقة الحوار إلى منسقه موسى فال، حيث تولى تسليم الرد رئيس حزب الإنصاف الحاكم محمد ولد بلال.

وأكد ولد بلال أن رد الأغلبية ينسجم مع الأهداف الأساسية للحوار، والتي حددها في تعزيز الوحدة الوطنية، وتقوية اللحمة الاجتماعية، وتحسين المنظومة الانتخابية والديمقراطية. وأوضح أن الأغلبية تدعم عدداً من المحاور المطروحة للنقاش، من بينها معالجة مخلفات الرق، وتسوية ملفات الإرث الإنساني، وتعزيز الحكامة المؤسسية والديمقراطية والشفافية.

كما قدمت الأغلبية مقترحات تنظيمية تتعلق بطريقة إدارة الحوار، من بينها إنشاء جمعية عامة للإشراف على الحوار، ولجنة للتحكيم، وأخرى للتنسيق، إضافة إلى تشكيل لجنتين أساسيتين؛ الأولى تعنى بقضايا المواطنة والوحدة الوطنية، والثانية تتولى بحث إصلاحات الحكامة المؤسسية والديمقراطية.

ويرى ولد بلال أن هذه المقترحات تستند إلى تجربة الأغلبية في تسيير الحكم خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الهدف هو تعزيز الاستقرار وتحسين الأداء المؤسسي للدولة.

المعارضة: لا بديل عن الحوار

وسلمت مؤسسة المعارضة الديمقراطية أيضاً ردها المتضمن ملاحظات الأحزاب المنضوية فيها حول وثيقة الحوار.

وأكد زعيم المعارضة الديمقراطية حمادي سيدي المختار أن البلاد بحاجة إلى حوار سياسي شامل لا يقصي أحداً، يناقش القضايا الكبرى التي تواجه موريتانيا.

وقال ولد سيدي المختار إن الحوار يمثل مظهراً حضارياً لتقريب وجهات النظر ومعالجة الخلافات السياسية، مشدداً على أنه يمكن أن يسهم في تجنيب البلاد المخاطر والتوترات التي قد تنشأ في ظل غياب التوافق السياسي.

وأشار إلى أن من أبرز القضايا التي ينبغي أن يتناولها الحوار إصلاح الحكامة ومحاربة الفساد وتعزيز الوحدة الوطنية وتقوية اللحمة الاجتماعية.

كما أكد أن المسار الديمقراطي في البلاد بحاجة إلى نقاش سياسي جاد يجعل المنافسة السياسية مقبولة لدى مختلف الأطراف.

وأعلن استعداد المعارضة للمشاركة الإيجابية في الحوار، شرط أن يكون حواراً جاداً يبحث عن حلول حقيقية لمشكلات البلاد.

ودعا ولد سيدي المختار مختلف الأطراف السياسية إلى التحلي بروح المسؤولية وتقديم مصلحة الوطن على الاعتبارات الضيقة، مؤكداً أن الموريتانيين يعلقون آمالاً كبيرة على هذا الحوار.

تفاؤل لدى منسق الحوار

واعتبر منسق الحوار موسى فال أن الموقف الإيجابي لمؤسسة المعارضة يمثل مؤشراً مشجعاً على إمكانية إنجاح الحوار.

وقال في كلمة أدلى بها بعد تسلمه ردود الأغلبية والمعارضة «إن مؤسسة المعارضة تعد عنصراً أساسياً في المشهد السياسي نظراً لما تمثله من قوة سياسية وانتخابية، معتبراً أن مشاركتها الفاعلة تشكل دعامة مهمة لإنجاح المسار:

وأوضح أن هذه المرحلة تمثل المحطة الأخيرة من المرحلة التمهيدية للحوار، مشيراً إلى أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني حرص على إشراك مختلف الأطراف السياسية في صياغة المواضيع التي ستناقش خلاله.

وأضاف أن نجاح الحوار ليس أمراً مستحيلاً، لافتاً إلى أن الموريتانيين يتفقون على جملة من القضايا الأساسية، من بينها إصلاح الإدارة وتطوير التعليم ومحاربة الفساد وتعزيز الوحدة الوطنية.

تفاؤل حذر وترقب للإعلان الرسمي

ورغم هذا المناخ الذي يصفه البعض بالإيجابي، يرى مراقبون أن الطريق نحو انطلاق الحوار لا يزال محفوفاً ببعض التحديات، في ظل وجود تيارات سياسية لا تزال متحفظة على بعض القضايا المطروحة للنقاش.

ومع ذلك، يترقب الفاعلون السياسيون الإعلان الرسمي عن موعد انطلاق الحوار، خاصة مع اقتراب انتهاء شهر رمضان، وهو الموعد الذي يتوقع كثيرون أن يشهد نهاية المشاورات التمهيدية وبداية المرحلة الفعلية من الحوار.

وبين التفاؤل الحذر والانتظارات الكبيرة، يبقى الحوار السياسي المرتقب اختباراً جديداً لقدرة الطبقة السياسية في موريتانيا على إدارة خلافاتها عبر التوافق والتفاوض، في بلد يراهن كثير من مواطنيه على أن يشكل هذا المسار خطوة نحو تعزيز الاستقرار وترسيخ المسار الديمقراطي.

وبينما ينتظر أن تتضح خلال الأيام المقبلة ملامح جدول أعمال الحوار وصيغته النهائية، يبقى الرهان الأساسي هو قدرة مختلف الأطراف على تحويل هذا الاستحقاق إلى فرصة لبناء توافقات سياسية مستدامة؛ فنجاح الحوار لن يقاس فقط بانعقاده، بل بمدى ما يحققه من تفاهمات تعزز الاستقرار السياسي وتفتح آفاقاً جديدة للإصلاح، في سياق تطلعات متزايدة لدى الموريتانيين إلى ترسيخ ثقافة الحوار كآلية لتدبير الخلافات السياسية.