جدل حول جمركة الهواتف المحمولة في موريتانيا

2
جدل حول جمركة الهواتف المحمولة في موريتانيا
جدل حول جمركة الهواتف المحمولة في موريتانيا

أفريقيا برس – موريتانيا. تحولت قضية جمركة الهواتف المحمولة في موريتانيا خلال الأسابيع الأخيرة من إجراء تقني لتنظيم السوق إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الساحة السياسية والاقتصادية؛ فبينما تؤكد الحكومة أن القرار يندرج في إطار تعزيز تحصيل الإيرادات وتنظيم السوق ومكافحة التهريب، يرى منتقدوها أنه يمثل توسعاً جديداً في الضرائب غير المباشرة التي يتحملها المواطن، في حين يحذر خبراء اقتصاديون من اختلالات أعمق في بنية النظام الجبائي في البلاد. وفي خضم هذا السجال المتصاعد، دعا وزير اقتصاد سابق إلى نقاش اقتصادي هادئ بعيداً عن التوظيف السياسي، في وقت دخلت فيه أحزاب معارضة على الخط محذرة من مخاطر تتعلق بالسيادة الرقمية وبقاعدة استخدام غير شرعي لبيانات المواطنين.

وتؤكد الحكومة الموريتانية أن الإجراءات الأخيرة لا تعني فرض ضرائب جديدة، بل تهدف أساساً إلى تطبيق الرسوم الجمركية القائمة وتنظيم سوق الهواتف التي شهدت خلال السنوات الماضية توسعاً كبيراً خارج الأطر التنظيمية.

وفي دفاع عن قرار جمركة الجوالات، أكد المدير العام للميزانية أحمد ابه «أن الرسوم الجمركية على الهواتف كانت مدرجة في ميزانيات الدولة منذ عام 2000، لكن بعض الموردين لم يكونوا يصرحون بالأجهزة المستوردة، وهو ما حرم الخزينة العامة من موارد معتبرة».

وأوضح «أن الحكومة خفضت الرسوم على الهواتف الذكية في ميزانية 2026 من 32% إلى نحو 30.5%، فيما حُددت الرسوم على الهواتف العادية عند 12%.

وشدد مدير الميزانية التأكيد على «أن تحصيل الضرائب ليس أمراً سلبياً، بل يعد أحد الموارد الأساسية لتمويل المشاريع التنموية وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين»، مؤكداً «أن هامش أرباح التجار لن تتأثر بهذه الرسوم لأن المستهلك هو من يتحملها في النهاية».

في المقابل، استغل خصوم الحكومة الجدل حول جمركة الهواتف لتوجيه انتقادات سياسية حادة للقرار، فقد اعتبر وزير الإعلام السابق محمد ولد أمين أن الصفقة المتعلقة بنظام تحصيل الرسوم تثير إشكالات قانونية وأمنية، قائلاً إن الشركة المسجلة في النيجر التي تتولى الجانب التقني من النظام ليست سوى واجهة لشركة معلوماتية دولية مقرها في تل أبيب تنشط في مجالات التكنولوجيا الرقمية والعملات الإلكترونية والتجارة الإلكترونية.

ورأى أن هذه المعطيات تثير تساؤلات حساسة تتعلق بالسيادة الرقمية وأمن بيانات المواطنين، خصوصاً إذا كانت الصفقة تتيح الوصول إلى معلومات مرتبطة بالهواتف المحمولة للمستخدمين في موريتانيا.

ودخل حزب الصواب المعارض بدوره على خط الجدل، معتبراً أن التقارير المتداولة حول ارتباط الصفقة بمنح قاعدة بيانات المواطنين لجهة أجنبية تفتح باباً أكثر خطورة، لأن قاعدة البيانات الوطنية لأي شعب – سب الحزب – لا تمثل مجرد معلومات إدارية، بل تعد أحد أعمدة الأمن القومي لما تحتويه من تفاصيل دقيقة عن هوية السكان وأنماط حياتهم.

وأضاف الحزب أن منح بيانات المواطنين لأي جهة خارجية، تحت أي ذريعة، يمثل مخاطرة استراتيجية لا تقل خطورة عن التفريط في الموارد الطبيعية، مؤكداً أن الدول التي تحترم أمنها القومي تحتفظ بهذه البيانات داخل مؤسسات وطنية خاضعة لرقابة قانونية صارمة. كما دعا الحزب إلى فتح تحقيق شفاف يكشف للرأي العام حقيقة هذه الصفقات والجهات المستفيدة منها، محذراً من أن استمرار الغموض الرسمي حول مثل هذه القضايا قد يعمق أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع.

وفي خضم هذا الجدل، دعا الوزير السابق والخبير الاقتصادي أشبيه ولد الشيخ ماء العينين إلى نقاش موضوعي حول السياسة الجبائية، معتبراً أن تحديد موارد الدولة ينبغي أن يستند إلى قراءة اقتصادية دقيقة بعيداً عن التجاذبات السياسية.

وبحسب تحليله، فإن الإيرادات الضريبية تمثل نحو 56.5% من موارد الميزانية، منها 25.1% ضرائب على السلع والخدمات، ما يعني أن ربع موارد الدولة يعتمد بشكل مباشر على استهلاك المواطنين.

وفي المقابل، لا تساهم أرباح الشركات ولا قطاع الصناعات الاستخراجية إلا بنحو 10% لكل منهما، وهو ما يثير تساؤلات حول فعالية التحصيل الضريبي في هذه القطاعات أو طبيعة العقود المنظمة لها.

وتبلغ إيرادات ميزانية موريتانيا لعام 2026 نحو 128.79 مليار أوقية جديدة، في حين تصل نفقات تسيير الدولة إلى نحو 3.4 مليارات أوقية جديدة، وهو ما يعكس – بحسب رأيه – اختلالاً هيكلياً في بنية الإيرادات.

اختلالات في قطاعات اقتصادية

كما يشير خبراء الاقتصاد إلى أن موريتانيا تخسر سنوياً ما بين 0.8 و1.2 مليار دولار نتيجة اختلالات في بعض القطاعات الاقتصادية، من بينها ضعف التصريح بالكميات في قطاع الصيد، وممارسات التحسين الضريبي في قطاع المعادن، إضافة إلى التهرب الجمركي والضريبي.

ويرى اقتصاديون أن معالجة هذه الاختلالات يمكن أن ترفع الموارد العامة لتقترب من المستوى المعياري الذي يتراوح بين 25% و30% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو المستوى الذي تعتبره المؤسسات الدولية ضرورياً لتمكين الدول من تمويل سياساتها التنموية.

ويزيد من تعقيد الصورة أن نحو 47% من النشاط الاقتصادي في موريتانيا غير مصنف ولا يخضع فعلياً للضريبة، ما يعني أن العبء الضريبي يتركز على نحو 53% فقط من الاقتصاد المنظم.

وعند احتساب الضغط الضريبي على هذه القاعدة الضيقة قد يصل العبء الفعلي إلى أكثر من 31%، وهو ما يفسر شعور فئات من المواطنين والفاعلين الاقتصاديين بأن الضرائب أعلى مما تعكسه المؤشرات الرسمية.

وتكمن حساسية القرار أيضاً في الأهمية الاقتصادية والاجتماعية لسوق الهواتف المحمولة في موريتانيا؛ فالتقديرات تشير إلى وجود نحو 4.7 ملايين مستخدم للهاتف المحمول في البلاد، بينما يعتمد أكثر من مليوني شخص على الهواتف الذكية للوصول إلى الإنترنت.

كما أصبحت تجارة الهواتف خلال السنوات الأخيرة قطاعاً اقتصادياً واسع الانتشار يوفر آلاف فرص العمل للشباب في مجالات البيع والصيانة والبرمجة والاستيراد.

ويخشى فاعلون في السوق أن يؤدي التطبيق الكامل للرسوم إلى ارتفاع أسعار بعض الهواتف بين 20% و40%، وهو ما قد يؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى نشاط السوق.

في النهاية، يرى مراقبون أن الجدل حول جمركة الهواتف يتجاوز بكثير مسألة جهاز إلكتروني أو رسم جمركي، ليعكس نقاشاً أعمق حول العقد الضريبي بين الدولة والمجتمع في موريتانيا؛ فالدولة تحتاج بلا شك إلى الموارد لتمويل البنية التحتية والخدمات العامة، لكن نجاح أي سياسة ضريبية لا يتوقف فقط على مبرراتها الاقتصادية، بل يرتبط أيضاً بدرجة الثقة في إدارة المال العام والعدالة في توزيع الأعباء.

وفي بلد يسعى إلى تعزيز نموه الاقتصادي واستغلال موارده الطبيعية، قد تتحول هذه القضية إلى اختبار سياسي واقتصادي حقيقي لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين تعبئة الموارد والحفاظ على الثقة الاجتماعية.