ساعة القاهرة البيولوجية في رمضان تربك ناسا.. فما القصة؟

1
ساعة القاهرة البيولوجية في رمضان تربك ناسا.. فما القصة؟
ساعة القاهرة البيولوجية في رمضان تربك ناسا.. فما القصة؟

أفريقيا برس – موريتانيا. داخل كل كائن حي نظام داخلي ذاتي التنظيم ينظم توقيت وظائفه الحيوية مثل النوم واليقظة والأكل وإفراز الهرمونات ودرجة حرارة الجسم، وفق دورة زمنية تقارب الـ24 ساعة، ويعرف هذا النظام بـ”الساعة البيولوجية”.

بالمثل، فإن للمدن إيقاعا زمنيا منظما للنشاط البشري داخلها، ينعكس في أنماط إضاءتها وحركتها واستهلاكها الوقود، يتكرر يوميا بشكل عفوي، ويعرف بـ”الساعة البيولوجية للمدن”.

وإذا كان من المعروف أن شهر رمضان يعيد ضبط الساعة البيولوجية للبشر، بسبب حدوث تعديل في مواعيد النوم وتناول الطعام، وما يصاحب ذلك من تغيرات في الهرمونات، فإن تزامن هذا التغيير عند ملايين البشر، يترك أثره على المدن، والتي يعيد الشهر الكريم ضبط ساعتها البيولوجية، وهو تغيير يمكن رصده من الفضاء.

إشارات غامضة تثير الفضول

وتعود قصة الاهتمام برصد تغيرات الساعة البيولوجية للمدن في شهر رمضان إلى عام 2012، عندما رصدت وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” مشكلة في بعض الصور الليلية للعاصمة المصرية القاهرة، التي يرصدها القمر الصناعي “سومي إن-بي-بي” (Suomi NPP)، الذي تم إطلاقه عام 2011.

ويستطيع جهاز “فييرز” (VIIRS) على متن القمر، رصد إشارات ضوئية خافتة على الجانب المظلم من كوكبنا، بما في ذلك ضوء القمر المنعكس، والتوهج الجوي، والشفق القطبي، ومصادر الإضاءة الاصطناعية.

وجمع العلماء في عام 2012، خريطة مركبة جديدة للأرض ليلا، مُستمدة من بيانات معدلة من 22 ليلة رصدها جهاز “فييرز”، لكن الفريق العلمي بقيادة ميغيل رومان من مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا، لاحظ تباينا في إشارات أضواء القاهرة أثناء إجراء فحوصات الجودة على بيانات المهمة الأولية، وأدرك الفريق العلمي حينها وجود خطأ في بيانات أو إشارة غير معروفة تستدعي مزيدا من الدراسة.

ويوضح بيان أصدرته ناسا، أنه بعد مزيد من البحث، وجد الفريق أن الزيادة الكبيرة في شدة الإضاءة حول العاصمة المصرية تتزامن مع شهر رمضان المبارك، وكان هذا التغيير منطقيا لأن المسلمين يصومون خلال النهار في رمضان، مما يدفعهم إلى تأجيل وجبات الطعام والتجمعات الاجتماعية والتجارة وغيرها من الأنشطة إلى ساعات الليل.

مزيد من الفحص لتأكيد النتائج

وللتأكد من أن الإشارة الليلية لم تكن مجرد خلل في الجهاز، فحص الفريق جميع بيانات الليل من ربيع 2012 إلى خريف 2014، ووجدوا أن ذروة استخدام الإضاءة تتوافق بشكل كبير مع التقويم الإسلامي، حيث يتقدم رمضان في فصل الصيف كل عام.

وكانت هذه الملاحظة القادمة من القاهرة، دافعا لدراسة أشمل للتغييرات التي تحدثها المناسبات الدينية وتحديدا شهر رمضان وعيد الفطر في منطقة الشرق الأوسط، حيث رصد الباحثون ارتفاع استخدام الإضاءة في المدن السعودية، مثل الرياض وجدة، بنسبة تتراوح بين 60 و100% خلال شهر رمضان، أما في المدن التركية، فقد كان الارتفاع أقل بكثير، ولم تشهد بعض المناطق في سوريا والعراق ولبنان حينها أي زيادة في الإضاءة، بل شهدت بعضها انخفاضا طفيفا، وفسر الباحثون ذلك، بأنه ربما بسبب عدم استقرار شبكات الكهرباء والنزاعات في المنطقة.

وكان اللافت وجود تباين بين أحياء القاهرة في مستوى الإضاءة، ظهر بشكل واضح في رمضان، لكنه لم يظهر في عيد الفطر، حيث قارن الباحثون بيانات الإضاءة الليلية مع البيانات الاجتماعية والاقتصادية، وتوافر خدمات الصرف الصحي العامة، ومعدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، ولوحظ أن بعض أفقر المناطق وأكثرها تدينا لم تشهد زيادة ملحوظة في استهلاك الإضاءة خلال شهر رمضان، حيث اختارت -سواء لأسباب ثقافية أو مالية- إطفاء الأنوار ليلا، لكن خلال احتفالات عيد الفطر الذي يعلن نهاية شهر رمضان، ارتفع استهلاك الإضاءة بشكل كبير في جميع مجموعات الدراسة، إذ بدت جميع الأحياء وكأنها تشارك في الاحتفالات.

من الفضاء إلى الهندسة

ورغم أن دراسة ناسا كانت فضائية في الأساس، إلا أن ما رصدته من تعديلات في الساعة البيولوجية لمدن الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القاهرة في رمضان، يمكن أن يكون له انعكاسات هندسية.

ويقول خالد عبد الفتاح، استشاري التخطيط العمراني بإحدى الشركات الهندسية الكبرى للجزيرة نت، إن التخطيط الحديث للمدن يحتاج إلى النظر في دورة 24 ساعة للمدينة، وليس فقط النشاط النهاري.

ويضيف أن دراسة ناسا تشير إلى أن الساعة البيولوجية في رمضان يعاد ضبطها نحو الليل، وهو ما يتطلب قرارات تخطيطية “مؤقتة” تتجاوب مع هذا التغيوب، تشمل خدمات ليلية محسنة، تخطيط النقل ليلا، تخصيص إضاءة آمنة، وتصميم مساحات عامة مرنة وآمنة تستوعب ذروة النشاط الليلي في رمضان.