لماذا ينتهج الرئيس سياسة المهادنة ؟

3

من وقت لآخر، ترتفع بعض الأصوات مستغربة انتهاج الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، سياسة تنحو إلى تهدئة الأوضاع الداخلية من خلال مد يد الإشراك والتعاون والتشاور مع الأطياف السياسية والحقوقية التي عاشت الإقصاء والتهميش والسجون خلال العقود المنصرمة. ويغيب عن وعي هؤلاء أن موارد البلاد لم تُستثمر أبدا إلا في التخابر على السياسيين والحقوقيين، وقمع الاحتجاجات، وتحضير المحاكمات، وتمويل الدعايات المضادة على المنابر الدولية والداخلية، وشراء الذمم ضمن سياسة إضعاف الخصم. وقد خسرت موريتانيا في هذه المعركة الأبدية مئات المليارات، ووقعت في الأخطاء الفادحة القاتلة، ولطخت سمعتها لدى المستثمرين والمجتمع الدولي، ومنعتها من آلاف فرص الاستقرار والنماء، كما أنها جعلتها تخسر حربها ضد التخلف، فلم تجد وقتا ولا مالا لإقامة بنية تحتية على مستوى دول الجوار، ولم تجد وقتا ولا مالا لبناء الانسان القادر على رفع تحديات التنمية، ولم تجد وقتا ولا مالا لتغيير واجهة البلاد في الداخل أو تحسين صورتها في الخارج.

تلك هي التركة الثقيلة التي قرر رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، تجاوزها من خلال تهدئة الأوضاع السياسية والحقوقية لكي يخلق ظروفا من الاستقرار تجعل بمقدور الدولة توجيه إمكاناتها إلى تطوير البنية التحتية بدلا من التنصت على مكالمات الفرقاء، وإلى محاربة البطالة بدلا من قمع احتجاجات الأحزاب والمنظمات الحقوقية، وإلى محاربة الفقر بدلا من شراء ضمائر زعماء القبائل والنخب الحزبية، وإلى فرض حكامة رشيدة في التسيير بدلا من تمويل حملات الدعاية، وإلى خلق أساس سليم للمواطنة بدلا من ملء السجون بالمعارضين، وإلى بناء السدود والمدارس والمستشفيات والطرق بدلا من تمويل شعراء القصر وفناني السلطان.

وإن على منتقدي هذه السياسية أن يفهموا أن الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، لم يطلب من المعارضة أن تموت، ولم يحاول وقف نشاطها، ولم يستدرج أطرها للدخول في الحزب الحاكم، لأنه يعرف أن ديمقراطية بلا معارضة عبارة عن هراء سياسي لا مصداقية له. لكنه، وعكسا لما يتصور البعض، منح المعارضين والحقوقيين ما يستحقون من الإشراك والثقة والتعاطي الإيجابي بما يخدم الاستقرار والتنمية. فالمعارضون والحقوقيون، في كل الديمقراطيات العتيقة، يحتلون مناصب ويشغلون وظائف في الدولة، وتشركهم الأحكام في الرأي، وتتشاور معهم بكل احترام في القضايا الكبيرة والمصيرية.

وانطلاقا مما سبق، ووعيا من الموريتانيين بظروفهم الخاصة التي طبعها التشنج والتطاحن السياسي والحقوقي، يكون من حق الرأي العام الموريتاني أن يرتاح ويعبر عن رضاه لسياسة المهادنة والمجاملة التي ينتهجها رئيس الجمهورية، لأنها وحدها الكفيلة بجعل مقدرات البلد توجه لضرب بؤر التخلف، وإطلاق ماكنة النماء بدلا من توجيهها للمتاجرة السياسية، والرشاوى القبلية، وشراء الذمم، وعمليات التنصت، وتمويل شراء المحروقات ومسيلات الدموع لقمع المتظاهرين، وشراء الآليات المتطورة لسرقة مكالمات المواطنين.

إننا نقف اليوم على السكة الصحيحة، ولن نلتفت إلى الذين يعيشون من ريع الويلات والمرابحات المتمخضة عن العنف والتشنج. أولئك الذين يحصلون على عمولاتهم من جو الاحتقان، وبالتالي يعملون على تشجيعه، ونشر التحاليل التي تخدم التباعد وتجذر التوتر وتسعى لإيقاد نار الحرب السياسية الحقوقية البينية. لقد آن الأوان لنبعد شياطين الشر عسى تولد من فتات ماضينا الحقير دولة بمعناها الحقيقي وشعب بمواصفات الشعوب المؤمنة ببلادها وبمستقبلها.

تحرير وكالة الوئام الوطني للأنباء