محمد الأمين الفاضل لـ”أفريقيا برس”: انتقدت المواطنين الصالحين حتى أُعلّم غيرهم أن الدور قادم

32
محمد الأمين الفاضل لـ
محمد الأمين الفاضل لـ"أفريقيا برس": انتقدت المواطنين الصالحين حتى أُعلم غيرهم أن الدور قادم

أحمد إمبيريك

أفريقيا برس – موريتانيا. صدرت قبل أيام الجزء الأول من سلسلة كتب الإصلاح التي يصدرها الكاتب والناشط المجتمعي محمد الأمين الفاضل؛ تحت عنوان: “في نقد المصلحين، أيها المواطنون الصالحون أنتم المشكلة”، وهي حصيلة فرز لعدد من المقالات التي نُشرت في الصحف والمدونات، ويبلغ عدد أجزاء هذه السلسلة حتى الآن 15 كتابا، تتمحور حول الإصلاح داخل التقسيمة السياسية، والاجتماعية الموريتانية؛ أفرادا، وأحزابا سياسية ومنتديات شبابية وغيرها.

وفي لقاء مع “أفريقيا برس”: قال ولد الفاضل “بداية هذا المشروع استغرقت عقدا من الزمن أو يزيد، كما أشار إلى أن الإصلاح بات ملحا في ظل فضاء سياسي واجتماعي يغيب فيه النقد الذاتي، ما جعل الهم الوطني يضيع بين خصام الساسة موالاة ومعارضة”.

ويعد محمد الأمين الفاضل واحدا من الناشطين في الساحة السياسية والثقافية والجمعوية الموريتانية، إلى جانب كونه مدربا حاصلا على الرخصة الدولية لتدريب المدربين، وقد شارك وأسس عددا من الحملات التوعوية والمبادرات الشبابية، وله مقالات كثيرة في مجالات متنوعة تزيد على 1500 مقال.

ما هو السياق الذي يأتي فيه هذا الكتاب؟

يأتي هذا الكتاب ـ أو على الأصح ـ هذه السلسلة في ظل سياق يمتاز بملمحين يفرضان على كل من يهتم بالشأن العام في هذا البلد ـ كما هو الحال بالنسبة لي ـ التفكير بجدية في تأليف ونشر هذا النوع من الكتب.

الملمح الأول: هو أن النخب السياسية في بلادنا انشغلت في العقود الأخيرة بالتجاذبات السياسية، وأصبح كل طيف سياسي يُحَمِّل كل مشاكل البلد للطيف الآخر ويبرئ نفسه، وغاب نتيجة لذلك النقد الذاتي، والذي لابد من ممارسته لكل يريد أن يطور من أداه السياسي، لكي يصبح قادرا على لعب دوره بشكل فعال في عملية الإصلاح، والتي تحتاج ـ وبكل تأكيد ـ إلى جهد الجميع.

فلم يحدث خلال العقود الأخيرة أن نظمت المعارضة الموريتانية ندوات تفكيرية أو جلسات نقد ذاتي لمعرفة الأسباب التي جعلتها تفشل في الوصول إلى السلطة منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم رغم ما قدمت من تضحيات نضالية كبيرة؟

ولم يحدث أن نظمت الأغلبيات المتعاقبة على حكم البلاد، أو بعبارة أدق التي تتوارث الحكم، جلسات نقد ذاتي لمعرفة أسباب فشلها في تغيير الواقع رغم احتكارها للسلطة، ولا أسباب اختفائها الكامل عندما يسقط الرئيس الذي كانت تدعم، الشيء الذي يجعلها تبدل جلدها وتتنكر تماما لمن كانت تعلن عن دعمه بالغدو والآصال بلا تحفظ وبلا شروط، وبلا حدود.

ولم يحدث كذلك أن نظم الشباب الموريتاني أياما تفكيرية لمعرفة أسباب عجزه عن تأسيس حراكات شبابية وعناوين سياسية بديلة للعناوين السياسية التقليدية في الموالاة والمعارضة، والتي لم يقصر يوما في انتقادها، وتحميلها المسؤولية الكاملة فيما عاشه البلد من إخفاقات في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية

الملمح الثاني: خلو المكتبة الموريتانية من أي كتب تحاول ـ قدر الإمكان ـ أن تشخص الواقع بكل تعقيداته، وتقدم حلولا عملية بعيدا عن التجاذبات السياسية الآنية.

هذا الفراغ الموجود في المكتبة الموريتانية جعلني أفكر ـ وبشكل جاد ـ في الشروع في تأليف سلسلة كتب عن الإصلاح في موريتانيا، ليس فقط من أجل تقديم حلول إصلاحية كما قلتُ في مقدمة الكتاب الأول، وإنما كذلك من أجل أن أستفز من هم أولى بالكتابة عن الإصلاح والتنظير له في بلادنا ليكتبوا في هذا المجال، وليقدموا لنا الأسس النظرية والعملية للإصلاح في بلادنا المتعطشة منذ عقود للإصلاح.

متى بدأتَ هذا المشروع؟

يمكن القول بأن الشروع في تأليف هذا الكتاب ـ أو على الأصح ـ هذه السلسلة بدأ قبل 15 سنة من الآن. لقد بدأ الشروع في تأليف هذه السلسلة عندما بدأتُ أتفرغ لمتابعة الشأن السياسي في البلاد، والكتابة عنه من عدة مواقع، فتارة أكتب عنه بعين الكاتب المستقل، وتارة بعين الكاتب المعارض، وفي بعض الأحيان أتابعه وأكتب عنه بعين من هو أقرب للنظام الحاكم من المعارضة.

هذا التفرغ شبه الكامل لمتابعة الشأن العام أنتج ما يزيد على 1600 مقال خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة، أي بمتوسط 100 مقال كل سنة، و9 مقالات كل شهر، ومقال واحد كل ثلاثة أيام ونصف يوم.

نعم الشروع في تأليف هذه السلسلة بدأ قبل 15 عاما، وما أقوم به الآن هو غربلة وفرز هذا الكم الكبير من المقالات لأقدم عصارته ـ إن شاء الله ـ في هذه السلسلة التي تتألف من 15 كتابا.

سبب اختيار هذا العنوان؟

الكتاب الأول خصصته لنقد “النخب الصالحة”، ولأني كنتُ أدرك أن البعض قد يستغرب من ذلك، فقد قلت في مقدمة الكتاب إني أقصد من وراء ذلك العمل بما جاء في إحدى القصص المتداولة في موروثنا الشعبي، والتي تتحدث عن شخص بدأ بمحاولة حلب كبش ليؤكد للنعاج أن الدور قادم عليها لا محالة. لقد بدأتُ في هذا الكتاب بنقد المواطنين الصالحين، وذلك حتى يعلم غيرهم أن الدور قادم إليهم، وأن نصيبهم من النقد سيأتيهم كاملا غير منقوص.

أما بخصوص عنوان الكتاب: “أيها المواطنون الصالحون أنتم المشكلة”، فهو مأخوذ من عنوان مقال في الكتاب يبين أن المشكلة قد تأتينا ممن كنا نتوقع منه أن يقدم لنا الحل، واستدللتُ بذلك بما عرفته أوروبا في القرن التاسع عشر من تزايد نسبة الوفيات لدى الأمهات بعد الولادة بسبب حمى النفاس. كان عدد الوفيات مرتفعا جدا في ذلك الوقت، وقد انشغل الأطباء بالبحث عن أسباب هذا الارتفاع الكبير في الوفيات، ولكن دون جدوى. وقد لاحظ الطبيب المجرِّي “أجناتس سيملفيس” الذي كان يعمل في تلك الفترة في قسم التوليد بمستشفى فيينَّا العام، أن نسبة الوفيات لدى الأمهات في جناح الأطباء أعلى بكثير من نسبة الوفيات في جناح القابلات، وقد توصل هذا الطبيب إلى استنتاج صادم مفاده أن الأطباء كانوا هم أصل المشكلة. وبالفعل فقد كانوا هم أصل المشكلة لأنهم كانوا ينتقلون من تشريح الجثث مع طلابهم في الصباح إلى أقسام توليد النساء في المساء دون غسل اليدين، ولم تكن حينها توجد قفازات طبية، ولم تكن هناك أي ممارسة لأي شكل من أشكال التطعيم والتطهير مما جعلهم ينقلون الأمراض إلى الأشخاص الذين كانوا يعالجونهم!!

جمع المقالات وتوليفها في كتاب نمط شائع لدى كثير من الكتاب والمفكرين، على أي أساس تم جمع هذه المادة، وهل كان الأستاذ محمد الأمين يكتب على نية جمع مقالاته في كتاب أم هو قرار متأخر؟

بخصوص جمع وفرز المقالات فقد قلت في مقدمة الكتاب بأنه كانت هناك صعوبة كبيرة في فرز ما يصلح من المقالات لإعادة النشر، وكيف سيتم تبويبها، فهل أعيد نشرها وتبويبها اعتمادا على تسلسل الخط الزمني للنشر، فأنا إن فعلت ذلك فإني سأربك القارئ كثيرا، وسأشتت ذهنه، فهو قد يقرأ مقالا سياسيا، ثم يقرأ من بعده مقالا في تنمية وتطوير الذات، ثم يقرأ ثالثا في الإرشاد والتوعوية، وهكذا…أي أنه سيجد نفسه أمام مجموعة من المقالات المتنافرة، والتي تتحدث في مواضيع شتى، ولا يجمع بينها أي خط ناظم سوى أنها للكاتب نفسه.

وهذه المقالات إن تم فرزها وتبويبها على أساس المواضيع دون أي اعتبار للتسلسل الزمني، فالذي سيحدث هو أن القارئ قد يكرر قراءة مقالات عدة عن الموضوع نفسه، وذلك لأن ذلك الموضوع قد تم طرقه في عهد أكثر من رئيس للبلاد.

كان الحل الذي ارتحتُ له في نهاية المطاف هو أن أوزع ما يصلح من هذه المقالات لإعادة النشر على سلسلة من الكتب، قد تصل في مجموعها إلى خمسة عشر كتابا، تشخص واقع البلاد بمختلف جوانبه، وتقدم أفكارا ومقترحات ومبادرات للإصلاح، وكانت البداية في هذه السلسلة مع الملف السياسي، والتي خُصص أول كتاب منها لنقد المصلحين.

أما بخصوص هل كان الأستاذ محمد الأمين يكتب على نية جمع مقالاته في كتاب أم هو قرار متأخر؟

كما قلتُ سابقا فإن الشروع في نشر هذه السلسلة قد بدأ قبل خمس عشرة سنة من الآن، أما التنفيذ الفعلي فلم يبدأ إلا منذ أشهر قليلة.

بالنسبة لي فإن الكتابة في الشأن العام تنقسم إلى ثلاثة مستويات متفاوتة كثيرا من حيث درجة الأهمية.

المستوى الأول: أن ينزل الكاتب إلى الميدان، وأن يكتب على صفحات الواقع، محاولا بذلك أن يصلح ما يمكن إصلاحه من خلل، وبما يملك هو من وسائل متاحة، وهذا المستوى يمثل أعلى درجات الاهتمام بالشأن العام، وهو الأصعب والأكثر ندرة عند النخب.

المستوى الثاني: إنتاج الأفكار وتقديم المقترحات والحلول الإصلاحية لمن بيده الأمر، ويمتلك القدرة على تنفيذ الحلول.

المستوى الثالث: الاكتفاء بنقد الواقع دون تقديم مقترحات ودون النزول إلى الميدان، وهذا هو أدنى درجات الاهتمام بالشأن العام، وأقلها قيمة، وهو الذي تتزاحم فيه النخب، ولا يعني هذا أنه بلا قيمة. نعم له قيمته، حتى وإن كانت أقل بكثير من قيمة المستويين الأول والثاني.

الكثير من المقالات الموجودة في هذا الكتاب كتُبت أصلا في إطار المستوى الثالث، أي أنها كانت مجرد كلام أو ثرثرة في نقد الواقع، أما الآن، وبعد غربلتها وفرز ما يمكن فرزه من حلول ومقترحات من بين سطورها، وتوزيعها من بعد ذلك على كتب، كل كتاب موجه إلى جهة محددة، فقد أصبحت بهذه الغربلة وذلك الفرز وتلك الإضافات تدخل في دائرة المستوى الثاني بدلا من أن تدخل في دائرة المستوى الأول.

الكتاب الأول من هذه السلسة كان موجها إلى المواطن لا الحكام، والمعروف أسلحة النقد تتوجه في الغالب إلى الطرف الثاني؟ أهو إعطاء دور للمواطن لا ينتبه له الكثيرون؟ أم هو إعادة توجيه للنقد إلى وجهة غير مألوفة؟

كما قلتُ في جواب سابق إن من يحاول حلب الكبش سيحلب النعجة حتما، ومن انتقد المواطن سينتقد السلطة حتما، وذلك لأن مسؤوليتها في الإصلاح أكبر. وقلتُ في المقابل إن النقد الذاتي يغيب عندنا كثيرا، ونحن كمواطنين “صالحين” كثيرا ما ننتقد السلطة والمعارضة، ونادرا ما ننتقد أنفسنا، ولذا فقد ارتأيت أن أبدأ هذه السلسلة بنقد المواطن، أي بنقد نفسي، وذلك من قبل أن انتقد الآخرين، أي السلطة أو المعارضة. ولذا فقد بدأ الكتاب بمقال تحت عنوان: “وماذا قدمتّ أنتَ للوطن؟” جاء في مقدمته:
أيها الطالب: ماذا قدمتَ للوطن؟
أيها الأستاذ: ماذا قدمتَ للوطن؟
أيها السياسي: ماذا قدمتَ للوطن؟
أيها المثقف: ماذا قدمتَ للوطن؟
أيها الطبيب: ماذا قدمتَ للوطن؟
أيها المواطن العادي: ماذا قدمتَ للوطن؟

إني أسألكم جميعا، وأنا لا أنتظر منكم إجابة عن هذا السؤال، لأني ـ وبصراحة شديدة ـ أعرف أنه ليست لديكم أية إجابة، وأعرف في المقابل أنه بإمكان كل واحد منكم أن يقدم الشيء الكثير للوطن، وبإمكان كل واحد منكم وعلى حدة أن يُصلح من حال هذا البلد، إن هو أصلح من حاله.

ركزتم على العقليات الاجتماعية التي تحكم الفرد والمجتمع، إلى أي شيء تعزون ظاهرة التخلي والانزواء أو الاكتفاء بنقد الحاكم؟

ظاهرة الانزواء تعود في الأساس إلى قصر النفس النضالي، والذي يعدُّ ظاهرة مرضية من بين 15 حالة مرضية رصدها الكتاب تعاني منها النخب الصالحة في موريتانيا. فالنخب الصالحة عندنا تنسحب من معركة الإصلاح بشكل مبكر، وترفع الراية البيضاء عند أول خسارة، وكأنه يمكن الانتصار في معارك الإصلاح من أول محاولة.

كل معارك الإصلاح في التاريخ تقول بأنه لا يمكننا أن نكسب معركة الإصلاح من الجولة الأولى، ولذا فلابد من نفس نضالي طويل لمن يريد أن يكسب أي معركة إصلاح.

ما هي أبرز تجليات عدم الفاعلية لدى الموريتاني؟

الكتاب جاء بالأساس ليناقش ظاهرة غياب الفاعلية والتأثير لدى النخب الصالحة، ففي بلادنا توجد نخب صالحة، ولكنها للأسف لا يوجد فعل أو أثر إصلاحي.

هذا هو الخلل الكبير الذي قدمه الكتاب عند أول تشخيص أو أول “فحص للنخب الصالحة” في البلد، وبعد الفحص المعمق ظهر أن هناك 15 عرضا مرضيا تعاني منه النخب الصالحة في موريتانيا أدت إلى غياب الفاعلية والتأثير، ولعل من أبرزها، وهذا مما سأكتفي به للإجابة على هذا السؤال، هو أن النخب الصالحة لدينا ليست هي التي “تخبز” المجتمع وتغير عقلياته ليكون مجتمعا صالحا، بل إن المجتمع لدينا هو الذي يخبز النخب الصالحة، ويغير عقلياتها لينقل لها أمراضه، ولتنسجم بالتالي مع عقلياته، وتقلده في كل أفعاله وممارساته التي تعيقُ الإصلاح في البلد.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن موريتانيا عبر موقع أفريقيا برس