مدافن النفايات النووية سلاح أخير في معركة المناخ

1
مدافن النفايات النووية سلاح أخير في معركة المناخ
مدافن النفايات النووية سلاح أخير في معركة المناخ

أفريقيا برس – موريتانيا. يتزايد الطلب العالمي على الطاقة المستقرة ومنخفضة الانبعاثات بوتيرة غير مسبوقة، في عالم تتسارع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية، وتتزايد فيه إمكانيات مراكز البيانات إلى حدود غير مسبوقة، الأمر الذي يطرح سؤالا جوهريا حول المصدر القادر على تلبية هذه الاحتياجات دون تعميق أزمة المناخ.

في هذا السياق، تعود الطاقة النووية إلى صدارة النقاش بوصفها أحد الخيارات المطروحة ضمن مزيج الطاقة منخفضة الكربون، القادرة على تلبية الطلب المتزايد بشكل مستقر ومستدام، لكن الطموح لا يكتمل دون التوقف عند مشكلة أساسية تتعلق بالتخلص الآمن من المواد المشعة طويلة العمر التي تخلفها المفاعلات، وما مدى فاعلية الحل المطروح عالميا، والمتمثل في عزل هذه النفايات النووية في مستودعات جيولوجية عميقة تعزلها لآلاف السنين.

طاقة نظيفة بثمن معقد

توفّر الطاقة النووية كميات كبيرة من الكهرباء تقدر بنحو 10% من الاحتياجات العالمية، وتُعد من أكبر مصادر الكهرباء منخفضة الانبعاثات، وفي سيناريوهات الوصول إلى الحياد الكربوني، يُنظر إلى الحفاظ على القدرات النووية الحالية، بل وزيادتها في بعض المناطق، كأحد المسارات الممكنة لضمان أمن الطاقة وتقليل الانبعاثات في آن واحد.

إلا أن منشآت الطاقة النووية تُنتج بطبيعتها مواد خطرة تُشكل تحديات فريدة، هذه المواد (التي تُعرف عموما بالنفايات النووية) تحمل بين ثناياها مخاطر جسيمة على صحة الإنسان والبيئة إذا لم يتم التعامل معها بعناية فائقة وتخطيط مُسبق.

ويكمن الخطر الأساسي للنفايات النووية في نشاطها الإشعاعي الكامن، ويشير هذا النشاط الإشعاعي إلى انبعاث جسيمات أو موجات عالية الطاقة من النوى الذرية غير المستقرة داخل النفايات، يلحق الضرر بالكائنات الحية والبيئة.

يمكن لهذه الانبعاثات أن تؤيِّن الذرات والجزيئات في الأنسجة الحية، مما يعطل وظائف الخلايا، وقد يؤدي إلى المرض أو تلف الجينات أو الوفاة عند التعرض الكافي.

مخاطر متعددة المستويات

لا تتساوى درجة الخطر في جميع أنواع النفايات النووية، إذ تصنف عادة إلى مستويات مختلفة بناء على نشاطها الإشعاعي ومدة بقائها خطرة.

تتكون النفايات منخفضة المستوى عموما من مواد لامست مواد مشعة، مثل الملابس الواقية والأدوات والمعدات، وتحتوي على كمية قليلة نسبيا من النشاط الإشعاعي، ويتلاشى خطرها عادة على مدى فترة تتراوح بين بضع سنوات وبضعة عقود.

أما النفايات متوسطة المستوى فتحتوي على مستويات أعلى من النشاط الإشعاعي وتتطلب حماية أعلى، وقد تشمل هذه النفايات الحمأة الكيميائية والراتنجات (مواد كيميائية عضوية معقدة) والمواد الملوثة من مكونات المفاعل.

لكنّ القلق الأكبر يكمن في النفايات عالية الإشعاع، وتشمل هذه الفئة الوقود النووي المستهلك من المفاعلات والنفايات الناتجة عن إعادة معالجة هذا الوقود، وتتميز بإشعاعها الشديد وتوليدها كميات كبيرة من الحرارة.

تمتد فترات نصف العمر الخطيرة لهذه النظائر لآلاف، بل مئات الآلاف من السنين، وتتطلب إدارتها عزلها عن الغلاف الحيوي لعصور جيولوجية، وهي مهمة غير مسبوقة في تاريخ البشرية.

ويتناقص النشاط الإشعاعي بمرور الوقت من خلال عملية تُعرف بالتحلل الإشعاعي، فلكل نظير مشع عمر نصف مميز، وهو الوقت اللازم لتحلل نصف ذرات العينة إلى شكل أكثر استقرارا.

وبالنسبة للعديد من مكونات النفايات عالية الإشعاع، تكون أعمار النصف هذه طويلة للغاية، على سبيل المثال، يبلغ عمر النصف للبلوتونيوم-239، وهو أحد مكونات الوقود النووي المستهلك، أكثر من 24 ألف عام، ويشكل تهديدا للأراضي الزراعية ومصائد الأسماك ومصادر المياه العذبة والبشر، لذلك من الضروري التخلص منه بشكل دقيق ودائم.

كيف تتعامل الدول مع النفايات النووية؟

منذ خمسينيات القرن الماضي، حين بدأت محطات الطاقة النووية التجارية الأولى بالعمل، تراكم عالميا أكثر من 400 ألف طن من الوقود النووي المستهلك، وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتشير بيانات الوكالة إلى أن ما يزيد على 250 ألف طن من هذا الوقود لا يزال قيد التخزين المؤقت في مواقع المفاعلات أو في منشآت تخزين مخصصة، بانتظار المعالجة أو التخلص النهائي.

يعدّ الدفن في مستودعات جيولوجية عميقة اليوم الحلّ التقني الأكثر اعتمادا دوليا لإدارة النفايات النووية عالية النشاط والوقود المستهلك، بعزلها مئات الأمتار تحت الأرض داخل تكوينات صخرية مستقرة، مدعومة بأنظمة حواجز هندسية متعددة تمنع تسرّب المواد المشعة لآلاف السنين.

وبينما حصلت السويد على موافقة حكومية لبناء عمق مستودع على عمق 900 متر في صخور بلورية عمرها 1.9 مليار سنة، يمكنه استيعاب 12 ألف طن متري من المعدن الثقيل عند امتلائه المتوقع في ثمانينيات القرن الحالي، تواصل فرنسا تطوير مشروع المستودع الجيولوجي المعروف باسم سيجيو في إقليم المارن، كما تعمل سويسرا وألمانيا وكندا على مسارات اختيار مواقع لمستودعات مستقبلية.

وطرحت وزارة الطاقة الأمريكية مؤخرا مقترحا لاستضافة مستودع جيولوجي دائم في إحدى الولايات الأمريكية مقابل حزمة حوافز ضخمة لصالح الولاية المتطوعة، وتشمل هذه الحوافز بناء مفاعلات نووية جديدة، ومراكز بيانات متطورة، ومنشآت تخصيب اليورانيوم ومحطات لإعادة معالجة النفايات.

وتمتلك فنلندا مرفقا رائدا للتخلص الآمن من الوقود النووي المستهلك، ويعد واحدا من أكثر المشاريع تقدّما لإدارة النفايات النووية عالية النشاط عبر الدفن الجيولوجي العميق، وهو أول موقع مخطط له في العالم لحجز النفايات النووية في مستودع دائم داخل صخور متينة تحت الأرض، بعد عقود من الدراسة والتقييم العلمي.

يقع هذا المستودع الذي يطلق عليه اسم “أونكالو” في جزيرة أولكيلوتو على الساحل الغربي لفنلندا، وصمم المستودع النهائي بعمق حوالي 400 إلى 450 مترا داخل صخور الغرانيت القوية.

أخطار بيئية وصحية محتملة

رغم اعتماد أنظمة “الحواجز المتعددة” في المستودعات الجيولوجية العميقة، لحصر التسريبات الإشعاعية بشكل وثيق، فإن التحدي الحقيقي يكمن في عامل الزمن، فالمخاطر لا تُقاس بعقود، بل بآلاف وربما مئات آلاف السنين، وقد يؤدي أي خلل تراكمي، سواء نتيجة تآكل بطيء للحاويات، أو تغيّرات جيولوجية غير متوقعة، أو نشاط زلزالي، إلى تحرر تدريجي للنويدات المشعة من مواقعها المعزولة.

ويمثل الماء العامل الأكثر حساسية في معادلة السلامة طويلة الأمد، إذ يمكن للمياه الجوفية إذا وصلت إلى الحاويات، أن تسرّع عمليات التآكل الكيميائي، ثم تعمل وسيطا لنقل العناصر المشعة عبر الشقوق الصخرية إلى طبقات المياه الجوفية، ومنها إلى الأنهار أو الأراضي الزراعية، وقد تدخل بعض النظائر المشعة إلى السلسلة الغذائية عبر النباتات أو الأسماك أو الحيوانات، مما يفتح الباب أمام مخاطر صحية محتملة مثل زيادة احتمالات الإصابة بالسرطان أو اضطرابات بيولوجية مزمنة عند التعرض طويل الأمد لجرعات منخفضة.

يتم تقييم هذه المخاطر عبر نماذج محاكاة تمتد إلى مئات آلاف السنين، مع احتساب سيناريوهات متحفظة للغاية تشمل تغيّرات مناخية مستقبلية أو دورات جليدية أو ارتفاعا في منسوب المياه، كما تضع هيئات تنظيمية حدودا صارمة للجرعات الإشعاعية المسموح بها لحماية الإنسان والبيئة، ويُصمَّم أي مستودع جيولوجي بحيث تبقى الجرعات المتوقعة، حتى في أسوأ السيناريوهات المعقولة، دون هذه الحدود بكثير.

تؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية في وثيقة إرشادات التخلص من النفايات المشعة، أن الحلول الجيولوجية العميقة يجب أن تستند إلى مبدأ عدم تحميل الأجيال القادمة عبئا غير مبرر، كما يتقاطع هذا النهج مع إطار أهداف التنمية المستدامة الذي أقرّته الأمم المتحدة، فيما يتعلق بالطاقة النظيفة والعمل المناخي وحماية الحياة على اليابسة والمياه، فبينما تساهم الطاقة النووية في خفض انبعاثات الكربون ودعم التحول الطاقي، يصبح وجود إستراتيجية مسؤولة لإدارة نفاياتها شرطا أساسيا لاعتبارها خيارا مستداما فعليا، لا مجرد حلول منخفضة الانبعاثات.