اكتشاف خارطة نجوم هيباركوس بعد ألفي عام

1
اكتشاف خارطة نجوم هيباركوس بعد ألفي عام
اكتشاف خارطة نجوم هيباركوس بعد ألفي عام

أفريقيا برس – موريتانيا. في اكتشاف أثار دهشة المجتمع العلمي، كشف فريق من الباحثين مؤخرا عن أطلس النجوم الأقدم في التاريخ، الذي يعود لعالم الفلك اليوناني القديم هيباركوس، مؤسس علم الفلك الذي عاش قبل أكثر من ألفي عام.

المخطوطة، المعروفة باسم “مخطوط كليماكي المعاد كتابته” (Codex Climaci Rescriptus)، كانت مختبئة تحت ست طبقات من الكتابات الدينية على الرق، مما جعلها غير قابلة للقراءة قرونا طويلة.

وباستخدام تقنيات الأشعة السينية فائقة الدقة في مختبر مركز ستانفورد للمسرع الخطي الوطني بجامعة ستانفورد، تمكن العلماء من التمييز بين الحبر الأصلي الغني بالكالسيوم الذي كتبه هيباركوس وبين الحبر اللاحق.

وظهرت النصوص الأصلية على شاشة الكمبيوتر بحروف واضحة، مما أعاد إلى الحياة مواقع النجوم التي دونها هيباركوس بعينيه قبل اختراع التلسكوب وحتى الأجهزة الفلكية الحديثة.

الأطلس القديم يكشف براعة الفلك القديم

لا تقتصر مخطوطة هيباركوس على كونها مجرد قائمة بأسماء النجوم، بل تمثل سجلا دقيقا لحركات الكواكب وتقديرات لمعان النجوم وتحديد مواقع الانقلابين الربيعي والخريفي.

يقول الباحث فيكتور غسطسبرغ من جامعة السوربون إن الهدف هو استعادة أكبر عدد ممكن من الإحداثيات، “وهو ما يساعدنا على الإجابة عن أسئلة مهمة حول نشأة العلم، لأن دقة هذه البيانات مذهلة بالنسبة لعين مجردة”.

المخطوطة متعددة الطبقات تحتوي على النص الأصلي اليوناني، الذي كُتبت عليه لاحقا نصوص دينية بالسريانية تعود إلى القديس جون كليماكوس.

هذه الطبقة السريانية كانت السبب في إخفاء نص هيباركوس قرونا. وباستخدام التصوير متعدد الأطياف والأشعة السينية، تمكن العلماء من فصل النص الأصلي عن هذه الطبقات ورؤية الإحداثيات والرموز الفلكية بوضوح.

وتعود الأوراق التي تحتوي على النصوص الفلكية جزئيا إلى القرن الخامس أو السادس، بينما الطبقة السريانية كتبت في القرن العاشر أو الحادي عشر.

بعض صفحات المخطوطة مثل “فوليو 53” (Folio 53v)، تظهر الكلمات اليونانية المحذوفة باللون الأحمر تحت النصوص السريانية، وتمثل خريطة نجمية يدوية تُظهر نقاطا ورموزا موصولة بخطوط تشير إلى النجوم والمجموعات النجمية، مما يجعلها أقدم نموذج معروف لرسم السماء الليلية بدقة بالعين المجردة.

لوحة النجوم.. نافذة إلى السماء القديمة

تكشف لوحات المخطوطة عن إحداثيات كوكبة “الإكليل الشمالي” (Corona Borealis)، مع تحديد أقصى النقاط الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية للنجوم.

فمن خلال هذه البيانات، تمكن الباحثون من تحديد زمن الرصد بحوالي 129 قبل الميلاد، وهو زمن نشاط هيباركوس، باستخدام ظاهرة الحركة الترنحية لمحور الأرض (Precession)، التي تجعل مواقع النجوم الثابتة تتحرك تدريجيا مع مرور الزمن.

إضافة إلى ذلك تشير الأدلة إلى أن هيباركوس كان أول من استخدم نظام إحداثيات “خط الاستواء السماوي” (celestial equator)، بينما اعتمد بطليموس في القرن الثاني الميلادي على مسار البروج (Ecliptic)، مما يجعل بيانات هيباركوس أكثر دقة من بيانات بطليموس، مع خطأ لا يتجاوز الدرجة الواحدة.

فباستخدام الأدوات المتقدمة في “مركز ستانفورد للمسرع الخطي الوطني -سلاك” (SLAC)، تمكن العلماء من كشف الحبر القديم المليء بالكالسيوم، وفصل النصوص المخفية عن الطبقات السريانية الحديثة الغنية بالحديد.

فالسنكروترون في “سلاك” يسرع الجسيمات المشحونة لتصدر أشعة سينية قوية، تمر عبر المخطوطة لتكشف تباين الحبر، وتسمح بمشاهدة النصوص القديمة بشكل واضح ودقيق.

هذا الاكتشاف لم يجعل النصوص مرئية فقط، بل أعاد إحياء أطلس هيباركوس ليكون المصدر الأكثر اكتمالا حتى الآن لملاحظاته الفلكية، ويوفر نافذة فريدة لفهم براعة الفلكيين القدماء والتقنيات التي استخدموها قبل ألفي عام.

ميلاد الفلك الحديث

ظل أطلس بطليموس “المجسطي” (Almagest)، إلى يومنا هذا، المصدر القديم الوحيد المعروف، لكنه جاء بعد ثلاثة قرون من هيباركوس.

ويُظهر الاكتشاف الجديد كيف انتقل الفلك من وصف السماء إلى قياسها والتنبؤ بحركتها، ويؤكد أن هيباركوس كان أول من حول الرصد الفلكي إلى علم تنبؤي، مستلهما تقنيات البابليين وموحدا إياها مع المنهج الهندسي اليوناني.

يأمل الباحثون أنه مع تحسين تقنيات التصوير، يمكن الكشف عن المزيد من الإحداثيات في المخطوطات الأخرى داخل مكتبة دير القديسة كاثرين، التي تحتوي على أكثر من 160 مخطوطة متعددة الطبقات، بما في ذلك نصوص طبية ووصفات ومخطوطات لم تُكتشف بعد.

بهذه الطريقة، يجمع الاكتشاف بين التاريخ والفلك والتكنولوجيا الحديثة، ويضع أمام أعيننا كيف كان الإنسان القديم يدرك السماء ويخطط لرصد النجوم بدقة مذهلة، ويثبت أن علم الفلك لم يكن مجرد مراقبة بسيطة، بل كان فنا ودقة ومعرفة متقدمة منذ أكثر من ألفي عام.