الصحافة الإلكترونية في موريتانيا تخضع لاختبار الجودة

8
الصحافة الإلكترونية في موريتانيا تخضع لاختبار الجودة
الصحافة الإلكترونية في موريتانيا تخضع لاختبار الجودة

أفريقيا برس – موريتانيا. لم تعد مشكلة الصحافة الإلكترونية في موريتانيا مرتبطة بعدد المنابر أو بقدرتها على الوصول إلى الجمهور؛ فالمشهد الرقمي يبدو، من هذه الزاوية، واسعًا ومتناميًا؛ لكن خلف هذا الانتشار كشفت أرقام السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية «الهابا» عن مفارقة أكثر عمقًا: المنصات تتكاثر أسرع من نمو المحتوى المهني الذي يفترض أن يبرر وجودها.

ففي بلد أحصت فيه السلطة نحو 293 موقعًا إلكترونيًا إخباريًا، خلص تقريرها السنوي إلى أن نحو 70 في المئة من المواقع لا تنتج محتوى ذاتيًا ومهنيًا، وأن القسم الأكبر منها يعتمد على إعادة نشر ما تنتجه مصادر محلية أو خارجية.

وإذا كانت هذه الأرقام ترسم صورة كمية للمشهد، فإن دلالتها تتجاوز مسألة «النسخ واللصق» إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل نموذج اقتصادي وإعلامي تضخم عدديًا خلال السنوات الماضية، من دون أن يتطور بالوتيرة نفسها على مستوى غرف التحرير والتحقيق الميداني والتخصص والجودة.

وكشف تصنيف سلطة «الهابا» للمواقع النشطة عن تفاوت حاد داخل المشهد الإلكتروني: ففي قمته توجد شريحة محدودة لا تتجاوز 10 في المئة، تنشر بمعدل يصل إلى عشرين مادة يوميًا، ويشكل الإنتاج الذاتي جزءًا أساسيًا من نشاطها، إلى جانب إعادة معالجة المواد المنشورة في وسائل إعلام أخرى. وتليها فئة تمثل قرابة 20 في المئة، تمتلك مستوى من الإنتاج، لكنه أقل انتظامًا وأضعف من حيث أصالة المحتوى والالتزام بالتنوع الموضوعي والقوالب الصحفية المهنية.

أما الكتلة الأكبر، فهي المواقع التي تكاد تقتصر وظيفتها على إعادة تدوير ما ينشره الآخرون.

وهكذا يصبح المشهد أقرب إلى هرم مقلوب: عدد محدود من المؤسسات ينتج المادة التي يعاد توزيعها عبر عدد كبير من المنصات، بما يعني أن التعدد الكمي للمواقع لا يعكس بالضرورة تعددًا مماثلًا في مصادر المعلومة أو زوايا المعالجة.

وقد تكون عشرات العناوين المختلفة، في نهاية المطاف، واجهات للمادة الخبرية نفسها.

غير أن تحميل الصحافيين والمواقع وحدهم مسؤولية هذه الظاهرة قد يحجب جانبًا أساسيًا من المشكلة.

فإنتاج الصحافة مكلف بطبيعته؛ والخبر الأصلي يحتاج إلى صحافي يتابع مصادره، والتقرير يتطلب انتقالًا ومقابلات وتحققًا، والتحقيق يحتاج إلى وقت وموارد، بينما يمكن إعادة نشر مادة جاهزة خلال دقائق وبكلفة شبه معدومة.

وهنا تظهر الحلقة الأصعب في أزمة الإعلام الإلكتروني: كيف يمكن لمؤسسة ضعيفة الموارد أن تمول صحافة أصلية بصورة يومية؟

فكلما ضعفت الموارد، تقلصت القدرة على تشغيل محررين ومراسلين متخصصين؛ وكلما تقلصت غرف الأخبار، ازداد الاعتماد على المحتوى الجاهز؛ ومع تراجع التميز يصبح بناء جمهور وفيّ وعلامة إعلامية قوية أكثر صعوبة، فتزداد هشاشة المؤسسة اقتصاديًا.

وبذلك لا يعود «النسخ واللصق» مجرد خلل تحريري، بل يصبح في جزء منه عرضًا لنموذج اقتصادي لم يستقر بعد.

ويطرح رقم 293 موقعًا إخباريًا بدوره سؤالًا عن معنى المؤسسة الصحافية في البيئة الرقمية الجديدة.

فالقدرة التقنية على إنشاء موقع أصبحت متاحة بكلفة محدودة، بينما يظل إنشاء مؤسسة إعلامية فعلية أمرًا مختلفًا تمامًا: إدارة تحرير، وصحافيون، ومراسلون، وسياسة تحريرية، وآليات للتحقق، وأرشيف، وقدرة على الاستمرار والتغطية اليومية.

ولهذا فإن أحد التحديات المقبلة قد لا يكون زيادة عدد المنابر، وإنما تحويل أكبر عدد ممكن منها من مواقع للنشر إلى مؤسسات لإنتاج الصحافة.

والفارق بين الاثنين كبير؛ فالأول يستطيع ملء صفحاته بما ينتجه الآخرون، أما الثاني فيضيف معلومة جديدة إلى المجال العام.

وبالتوازي مع هشاشة جانب واسع من الصحافة الإلكترونية، تتواصل أزمة الصحافة الورقية الخاصة؛ ويؤكد تقرير «الهابا» استمرار تراجعها لصالح المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو تحول لم يعد مجرد تغير في وسيلة الوصول إلى الأخبار، بل أصبح انتقالًا تدريجيًا لمركز الثقل الإعلامي نفسه.

وتقدمت 33 دورية إعلامية خلال 2025 بطلبات للاستفادة من صندوق دعم الصحافة، حصلت 31 منها على الدعم بعد استيفاء الحد الأدنى المطلوب، ومن بين شروطه انتظام الصدور لخمس سنوات.

لكن استمرار بعض الدوريات لا يلغي الاتجاه العام: الورق يتراجع بينما ينتقل الجمهور والإعلان وسرعة تداول الخبر إلى الفضاء الرقمي.

والمفارقة أن البديل الإلكتروني الذي ورث جزءًا كبيرًا من جمهور الصحافة التقليدية لم يرث بالضرورة جميع تقاليدها المهنية؛ فالتحول كان أسرع في الجانب التقني منه إلى الجانب المؤسسي.

وتزداد أهمية هذه التحولات مع استمرار نمو قاعدة مستخدمي الإنترنت.

فخلال 2025 وحده، زاد عدد مستخدمي الإنترنت في موريتانيا بما يتراوح بين 54 و55 ألف مستخدم، فيما بلغ عدد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي 1.87 مليون شخص مع نهاية السنة.

وهذا يعني أن المعركة المقبلة للإعلام لن تكون فقط على امتلاك موقع إلكتروني، بل على جذب جمهور بات يعيش جزءًا متزايدًا من يومه داخل المنصات الاجتماعية.

والمنافس هنا ليس موقعًا إخباريًا آخر فقط، وإنما الفيديو القصير، والمؤثر، والصفحة الشخصية، والمحتوى العابر للحدود، وكل ما يمكن أن يظهر على شاشة الهاتف في اللحظة نفسها.

ومن هنا تتضاعف الضغوط على المؤسسات الصحافية: عليها أن تكون أسرع من الصحافة التقليدية، وأكثر دقة من شبكات التواصل، وإلا فقدت المبرر المهني لوجودها.

خطر «الخبر الدائري»

ومن أبرز نتائج هيمنة إعادة النشر ظهور ما يمكن وصفه بـ «الخبر الدائري»؛ إذ تنتج جهة واحدة المعلومة، ثم تتناقلها عشرات المواقع، قبل أن تعود المعلومة نفسها إلى الجمهور وقد اكتسبت مظهرًا يوحي بأنها مؤكدة من مصادر متعددة.

وتجعل هذه البيئة الخطأ أكثر قابلية للتضخم؛ فإذا كانت المادة الأصلية غير دقيقة، فإن النسخ المتتابع قد يحول خطئا واحدا إلى معلومة واسعة الانتشار.

كما أن التشابه الكبير بين المواقع يضعف القيمة المضافة للمؤسسات نفسها: فإذا كان القارئ سيجد العنوان والمعلومة والصياغة ذاتها في عشرات المواقع، فما الذي سيدفعه إلى الارتباط بوسيلة بعينها؟

وتضع المؤشرات التي تقدمها «الهابا» الصحافة الموريتانية أمام تحول ربما يكون أكثر أهمية من الانتقال السابق من الورق إلى الإنترنت، ألا وهو: الانتقال من صحافة الوفرة إلى صحافة القيمة.

فالمرحلة الأولى من الثورة الرقمية جعلت امتلاك وسيلة إعلام أكثر سهولة، أما المرحلة الجديدة فتجعل بناء الثقة أكثر صعوبة.

ومع تشبع الفضاء الرقمي بالأخبار والمنشورات، لن تكون الندرة في المعلومات، وإنما في المعلومة الموثوقة، والتحليل الجيد، والتحقيق الأصلي، والتخصص الذي يساعد القارئ على فهم ما وراء الحدث.

ومن هنا يمكن أن تتحول الأزمة الحالية نفسها إلى فرصة للمنابر الجادة؛ فكلما ازداد المحتوى المتشابه ارتفعت قيمة المادة المختلفة، وكلما انتشر النقل ازدادت أهمية السبق الحقيقي، وكلما ازدحم الفضاء الرقمي أصبحت الهوية التحريرية الواضحة أصلًا مهنيًا واقتصاديًا.

فإذا كان أحد أكبر اختلالات القطاع يتمثل في ضعف الإنتاج الأصلي، فإن التحدي لا يتعلق فقط باستمرار المؤسسات، بل بكيفية جعل الدعم أداة لتحسين المحتوى والتكوين والتخصص والتحول الرقمي.

ويصبح السؤال هنا: هل ينبغي قياس قوة المؤسسة بعدد ما تنشره، أم بمقدار ما تنتجه بنفسها؟ وهل يمكن مستقبلاً جعل التحقيقات والتقارير الميدانية والتخصص والتشغيل المهني والتكوين والاستثمار في غرف الأخبار عناصر أكثر حضورًا في تقييم المؤسسات؟

إن الانتقال من دعم الوجود إلى دعم الجودة يمكن أن يشكل أحد مفاتيح إصلاح القطاع، خصوصًا إذا رافقته معايير شفافة لا تمس استقلال المؤسسات أو تعددية المشهد.

وربما تكون أكثر دلالات تقرير «الهابا» إثارة للانتباه إلى أن الشريحة الأكثر نشاطًا وإنتاجًا ذاتيًا لا تتجاوز عُشر المواقع النشطة.

وهذا يعني أن المشكلة ليست في غياب نموذج ناجح تمامًا؛ فهناك بالفعل مؤسسات تثبت إمكانية الإنتاج المنتظم؛ فالمشكلة تكمن في اتساع المسافة بينها وبين الكتلة الأكبر من المواقع.

ويحتاج تقليص هذه المسافة إلى أكثر من الرقابة القانونية: يحتاج إلى اقتصاد إعلام قابل للحياة، وتكوين مستمر، وتعزيز ثقافة حقوق الملكية الفكرية، وتطوير الصحافة المتخصصة، ورفع قيمة التقرير والتحقيق والمقابلة، وتشجيع المؤسسات على الاستثمار في الصحفي قبل الاستثمار في المنصة.

والخلاصة أن مستقبل الإعلام الموريتاني لن تحسمه كثرة المواقع ولا سرعة النشر وحدهما؛ فستكون المرحلة المقبلة، على الأرجح، مرحلة فرز بين من يملك مجرد منصة للنشر، ومن يمتلك القدرة على إنتاج المعلومة وصناعة الثقة؛ وعندها لن يكون السؤال من نشر الخبر أولًا فقط، بل من أضاف إلى الخبر ما يشد القارئ إليه غدًا.