حشرة جليدية تكشف أزمة البلاستيك في الكوكب

1
حشرة جليدية تكشف أزمة البلاستيك في الكوكب
حشرة جليدية تكشف أزمة البلاستيك في الكوكب

أفريقيا برس – موريتانيا. لطالما بدت أنتاركتيكا آخر حصون الطبيعة النقية، فهي قارة جليدية بعيدة عن المدن والمصانع وضجيج الصناعة. غير أن هذه الصورة الرومانسية لم تعد كاملة، فقد كشف فريق دولي من الباحثين أن أصغر الحشرات المقيمة في القطب الجنوبي بدأت تبتلع جزيئات بلاستيكية دقيقة في بيئتها الطبيعية، في واحدة من أبعد بقاع الأرض عن مصادر التلوث البشري.

بطلة القصة “بيلجيكا أنتاركتيكا” أو ذبابة القطب الجنوبي (Belgica antarctica)، وهي بحجم حبة أرز، وأبعد الحشرات انتشارا جنوبا على وجه الأرض، وهي كذلك الحشرة الوحيدة المقيمة الدائمة المعروفة في القارة القطبية الجنوبية.

كائن صغير ودور بيئي كبير

بحسب تقرير حديث نشره موقع “ساينس ديلي” (Science Daily)، تعيش يرقات هذه الحشرة بين الطحالب والأشنات في بقع رطبة على امتداد شبه الجزيرة القطبية الجنوبية، وقد تبلغ كثافتها نحو 40 ألف يرقة في المتر المربع الواحد.

وبرغم ضآلة حجمها، فإن هذه اليرقات القطبية تعمل “مهندسا بيئيا” لتدوير المواد العضوية في تربة القارة المتجمدة، إذ تتغذى على بقايا النباتات المتحللة وتعيد إدخال المغذيات إلى التربة.

علميا تصنف هذه الحشرة ضمن الكائنات “متعددة التحمّل” (poly-extremophiles)، فهي قادرة على الصمود في وجه:

التجمد الشديد.

الجفاف الطويل.

الملوحة المرتفعة.

التقلبات الحرارية الحادة.

الإشعاع فوق البنفسجي.

لكن هل تحميها هذه القدرة الاستثنائية من ملوث حديث لم تعرفه بيئتها من قبل؟

كيف يصل البلاستيك إلى أقصى الجنوب؟

لم تعد العزلة الجغرافية ضمانا للنقاء البيئي، فقد رُصدت جزيئات بلاستيكية دقيقة في الثلوج ومياه البحر المحيطة بالقارة القطبية، وإن كانت التركيزات أقل من تلك المسجلة في مناطق مأهولة. وتصل هذه الجسيمات عبر:

التيارات البحرية العابرة للمحيطات.

الرياح القادرة على حمل دقائق البلاستيك آلاف الكيلومترات.

الأنشطة البشرية المحلية مثل محطات الأبحاث والسفن والسياحة.

النقل غير المباشر عبر الطيور والكائنات البحرية.

بمعنى آخر، القطب الجنوبي دخل بالفعل ضمن خريطة التلوث البلاستيكي العالمي.

بلاستيك في الأمعاء

في الدراسة التي قادها باحثون من جامعة كنتاكي الأمريكية ونُشرت بمجلة “علوم البيئة الكلية” (Science of the Total Environment)، جُمعت يرقات من 20 موقعا في 13 جزيرة على طول شبه الجزيرة القطبية الجنوبية أثناء بعثة ميدانية عام 2023.

وباستخدام تقنيات تحليل طيفي متقدمة قادرة على رصد جسيمات يقل قطرها عن 4 ميكرومترات، شُرّحت 40 يرقة. وكانت النتيجة العثور على قطعتين من الميكروبلاستيك داخل أمعاء اثنتين منها، أي في نحو 5% من العينات المفحوصة.

قد يبدو الرقم محدودا، لكنه يحمل دلالة علمية واضحة وهي أن التلوث لم يغمر التربة بعد، لكنه وصل بالفعل إلى كائن أساسي في قلب هذا النظام البيئي البسيط.

صمود ظاهري وكلفة خفية

لم يكتفِ الباحثون بالرصد الحقلي، بل أجروا تجارب مخبرية محكمة، إذ عُرّضت اليرقات لتركيزات مختلفة من الميكروبلاستيك داخل تربة تحاكي بيئتها الطبيعية لمدة عشرة أيام، ثم قيست معدلات البقاء على قيد الحياة والنشاط الأيضي ومخزون الطاقة -الدهون والكربوهيدرات والبروتينات- وكمية الجزيئات المبتلعة.

النتائج بدت مطمئنة ظاهريا، إذ لم تتأثر معدلات البقاء بوضوح حتى عند أعلى التركيزات، ولم يظهر تغير كبير في التمثيل الغذائي الأساسي.

لكن التحليل كشف أثرا أدق، فقد انخفض مخزون الدهون لدى اليرقات عند أعلى مستويات التعرض، بينما بقيت المؤشرات الأخرى مستقرة نسبيا.

وفي بيئة قاسية مثل أنتاركتيكا، ليست الدهون ترفا بيولوجيا، بل هي مخزون الطاقة الذي يمكّن اليرقة من تحمل الشتاء الطويل وإكمال دورة حياتها التي قد تمتد عامين، وأي استنزاف في هذا المخزون قد لا يؤدي إلى موت مباشر، لكنه قد يقلل قدرتها على مقاومة ضغوط أخرى مثل الجفاف أو ارتفاع الحرارة المرتبط بتغير المناخ.

البلاستيك إذن لا يقتل فورا لكنه يغيّر معادلة الطاقة في كائن يعيش أصلا على حافة الاحتمال.

هل ينتقل البلاستيك عبر السلسلة الغذائية؟

يعتقد أن انتقال الميكروبلاستيك عبر السلسلة الغذائية الأرضية في أنتاركتيكا محدود، نظرا لعدم وجود مفترسات برية معروفة لهذه الحشرة، غير أن القلق الأكبر لا يتعلق بالانتقال الحيوي، بل بالتعرّض طويل الأمد وتأثيراته التراكمية على كائن يعد حجر أساس في دورة المغذيات.

وفي أنظمة بيئية بسيطة كهذه، قد تؤدي تغيّرات طفيفة في كائن واحد إلى انعكاسات أوسع على توازن التربة والمجتمع الميكروبي المحيط بها.

ما الذي تخبرنا به هذه الحشرة عن كوكب كامل؟

تكمن أهمية هذا الاكتشاف في رمزيته بقدر ما تكمن في نتائجه المباشرة، إذ لم يعد البلاستيك مشكلة محلية تخص المدن والسواحل. لا تعنيه الحدود الجغرافية ولا تحمي منه العزلة. حتى في مكان يخلو تقريبا من الأشجار والطرق والتجمعات السكانية، وجد العلماء أثره داخل أمعاء كائن صغير بحجم حبة أرز.

إنها إشارة إلى أن التلوث البلاستيكي أصبح ظاهرة كوكبية شاملة، وأن التأثيرات غير القاتلة -مثل استنزاف الطاقة أو الاضطرابات الأيضية الدقيقة- قد تكون على المدى الطويل أكثر أهمية من السمية الحادة. حين تجد البلاستيك في أقسى بيئة على الأرض، تدرك أن القصة لم تعد عن أطراف الكوكب، بل عن قلبه كله.