أفريقيا برس – موريتانيا. بعد سنوات من الرصد والتحليل أعلن فريق تعاون مسح الطاقة المظلمة (Dark Energy Survey Collaboration – DES)، وهو تحالف علمي دولي واسع يضم مئات العلماء والباحثين من أكثر من 25 مؤسسة بحثية وجامعة حول العالم، أنهم حصلوا على أوضح تصور حتى الآن لما يعرف بـ”الكون المظلم”.
ويعيد هذا الإنجاز إحياء الأسئلة الأساسية حول تمدد الكون وبدايته ومستقبله ومكان الإنسان داخله.
ما الطاقة المظلمة ولماذا تقلق العلماء؟
الطاقة المظلمة اسم أطلقه العلماء على قوة غير مرئية يعتقد أنها السبب الرئيسي في تسارع تمدد الكون. فبدلا من الاعتقاد الذي كان سائدا في الأوساط العلمية بأن تمدد الكون يتباطأ بفعل الجاذبية، اكتُشف في أواخر التسعينيات من القرن العشرين أنه يتمدد بسرعة متزايدة، وكأن هناك قوة خفية تدفع المجرات بعيدا عن بعضها.
ووفق الفهم العلمي الحالي، تشكل الطاقة المظلمة نحو 68% من محتوى الكون، مقابل نحو 27% للمادة المظلمة، وهي مادة غير مرئية أيضا لكنها تؤثر في الجاذبية وتساعد في تماسك المجرات، في حين لا تمثل المادة المرئية التي نعرفها -النجوم والكواكب والغازات وكل ما نراه- سوى نحو 5% من الكون، أي أن ما نراه ونلمسه لا يشكل إلا جزءا ضئيلا من كل شيء موجود.
مسح الطاقة المظلمة.. مشروع لرؤية ما لا يرى
الإنجاز الجديد جاء ثمرة لبرنامج مسح الطاقة المظلمة، وهو مشروع علمي دولي انطلق عام 2013 واستمر حتى 2019، بهدف رسم خريطة دقيقة لتوزيع المجرات في الكون.
وقد استخدم المشروع كاميرا متقدمة تعرف باسم “ديكام” (DECam)، أي كاميرا الطاقة المظلمة، وهي كاميرا رقمية فائقة الدقة قطرها أربعة أمتار ومثبتة على تلسكوب “فيكتور بلانكو” في تشيلي، التابع للمؤسسة الوطنية الأميركية للعلوم.
في ست سنوات رصد العلماء نحو 669 مليون مجرة تمتد عبر مليارات السنين الضوئية، مما أتاح لهم إعادة بناء صورة لكيفية توزيع المادة في الكون في آخر ستة مليارات سنة من تاريخه.
وهذا العدد من المجرات رقم مهول لا يمكن إحصاؤه إلا بتلك الخوارزميات المقعدة المعدة لمثل هذه الأرصاد، التي لا يمكن قراءتها إلا بالحواسيب فوق العملاقة.
هل تؤكد النتائج نظرية الطاقة المظلمة؟
ما يميز هذه الدراسة أنها جمعت لأول مرة أربع طرق علمية مختلفة لدراسة الكون في تحليل واحد، شملت رصد المستعرات العظمى البعيدة، والعدسات الجاذبية الضعيفة، وتجمع المجرات واهتزازات الباريونات الصوتية، وهي بصمات في بنية الكون تعود إلى مراحله الأولى بعد الانفجار العظيم.
وقد عززت النتائج مكانة النظرية السائدة التي تفترض أن الطاقة المظلمة ثابتة عبر الزمن، لكنها في الوقت نفسه كشفت اختلافا مقلقا بين ما تتنبأ به النماذج النظرية وبين الطريقة الفعلية التي تتجمع بها المجرات اليوم.
وهذا لا يعني أن نظرية الطاقة المظلمة خاطئة، بل إن هذه القياسات تضيف قيمة علمية جديدة عبر تضييق نطاق الاحتمالات، ودفع العلماء إلى تحسين نماذجهم بدل الاكتفاء بالمسلمات.
لماذا كل هذا الجهد؟ وما الذي يبحث عنه العلماء حقا؟
يسعى العلماء عبر هذه التلسكوبات والقياسات إلى فهم كيف نشأ الكون وكيف تطور وإلى أين يتجه. هذا الفهم يحدد القوانين الأساسية التي تحكم الوجود نفسه، ويمنح البشرية وعيا أعمق بمكانها في كون شاسع تحكمه قوى لا نراها.
في النهاية علم الكونيات ليس بحثا عن الإنسان فقط، بل عن القصة الكبرى للوجود، حيث تلتقي الفيزياء بالفلسفة، ويصبح السؤال العلمي مدخلا لفهم علاقتنا بهذا الكون المتسع بلا توقف.
وكلما ظن العلماء أنهم اقتربوا من الإجابة، كشف الكون عن لغز جديد، وربما لا تكمن أهمية هذه الاكتشافات في ما تجيب عنه، بل في الأسئلة التي تجبرنا على طرحها من جديد.





