أفريقيا برس – موريتانيا. أعادت حادثة الاغتصاب الأخيرة التي تعرضت لها الشابة لالة في مقاطعة النعيم بالعاصمة الموريتانية انواكشوط، نقاشا قديما متجددا حول السبل الكفيلة بتوفير حماية قانوينة لضحايا الاغتصاب، والطريقة التقليدية التي يتم التعامل بها مع الظاهرة والحوادث المشابهة.
وحسب منظمات المجتمع المدني فإن عمليات الاغتصاب في الجتمع الموريتاني تتزايد بشكل كبير، ففي تقرير صدر في نوفمبر 2024 عن الجمعية الموريتانية لصحة الأم والطفل (AMSME)، ذكرت الجمعية أن 366 حالة اغتصاب سجلت خلال العام، إلى جانب عدد كبير من حالات الاغتصاب الجماعي، وتشير الأرقام الواردة في التقرير إلى أن: 274 حالة تتعلق بقُصَّر تم اغتصابهم بمعدل 225 حالة منها لفتيات قاصرات دون سن 18 عاما، و 49 حالة لأطفال ذكور، وأن 92 حالة تتعلق بنسوة بالغات؛ وتصل حالات الاغتصاب الجماعي 18 حالة من مجموع الحالات.
وفي تصريح لـ”أفريقيا برس”، قالت الناشطة في المجتمع المدني سهام حمادي بوبيط منسقة برنامج الحماية في الجمعية الموريتانية لصحة الأم والطفل “إن المشرع الموريتاني لم يضع تعريفا للاغتصاب كظاهرة، مما جعله – في وقائع كثيرة- يُكيف الاغتصاب بالزنى، ووفقا لهذا التعكييف تتعرض الضحية للسجن، بدلا من الانتصاف لها وأخذ الحق من الجاني، وأشارت سهام إلى الآثار النفسية التي يخلفها الاغتصاب لدى الضحايا وذويهم.
ما هي أسباب انتشار هذه الظاهرة؟
تعود أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، أبرزها غياب دور الأسرة في تربية الأبناء والتمسك بالقيم الحميدة التي كانت راسخة في المجتمع الموريتاني، لكنها بدأت تتلاشى تدريجيًا. ارتفاع نسب الطلاق ساهم أيضًا، حيث تُضطر بعض الأسر إلى الاعتماد على النساء في العمل لتأمين المعيشة بدلًا من القيام بدورهن في التربية، مما انعكس سلبًا على الأطفال وزاد من جنوحهم نحو الانحراف والجريمة.
إلى جانب ذلك، ضعف القوانين أحيانًا وانعدامها أحيانًا أخرى يلعب دورًا محوريًا. بالنسبة للأطفال، توجد مدونة الطفل والمسطرة الجنائية التي تُعد شبه مكتملة مقارنة بدول الجوار، لكنها تفتقر إلى التنفيذ الفعّال. أما بالنسبة للبالغين، فالوضع أكثر تعقيدًا، حيث لا توجد قوانين تُعرّف الاغتصاب أو تُجرم التحرش بشكل واضح. القانون الحالي ينص على عقوبة بالسجن لمدة 20 عامًا في حالة الاغتصاب، لكنه لا يوضح تعريفًا دقيقًا لهذه الجريمة، مما يؤدي إلى تحريف القضايا، حيث تُتهم النساء الضحايا بالزنا بدلًا من إنصافهن، وينتهي الأمر بسجنهن.
كما أشار التصريح إلى أن التدخلات القبلية والتسويات خارج القضاء تُضعف هيبة الدولة وتعرقل تطبيق القانون. لذلك، من الضروري سن قوانين تُعرّف الاغتصاب وتجرمه، مع مراعاة خصوصيات هذه الجرائم. شدد المتحدث على أهمية دور المشرعين والبرلمانيين، بالشراكة مع الهيئات والمنظمات المعنية، في وضع قوانين تحمي المرأة وتعزز الأمن والاستقرار في البلاد.
وأخيرًا، أكد أن معالجة هذه الظاهرة بشكل جدي يُعد ضرورة وطنية لتجنب الفوضى الأمنية، مطالبًا المنظمات بأن تكون مؤهلة قانونيًا وقادرة على متابعة هذه القضايا بعيدًا عن الانتهاكات المتداولة في شبكات التواصل الاجتماعي.
هل هناك قانون يعاقب على التكتم على الظاهرة؟
القانون الموريتاني يُعاقب بالفعل على التكتم على ظاهرة الاغتصاب، لكن المشكلة تكمن في تطبيقه. من سيقوم بمقاضاة من يتكتم على هذه الظاهرة؟ وأين الجهات التي تعتبرها خطرًا يستحق المتابعة؟
التكتم يُعد المشكلة الأكبر التي تغذي هذه الظاهرة. ما نشهده اليوم من حديث علني عن الظاهرة وخروج عن إطار التحفظ والتكتم يعود إلى مستوى من الوعي الذي وصل إليه المجتمع بفعل تراكم جهود منظمات المجتمع المدني وأدوارها الكبيرة على مدى السنوات الماضية.
جدير بالذكر أن المجتمع الموريتاني كان ينظر إلى القضايا المتعلقة بالجنس كأمور محظورة ينبغي دفنها وعدم التحدث عنها، لكن هذا التغير يُظهر تطورًا إيجابيًا في معالجة مثل هذه القضايا.
هل تصل كل الحالات إلى القضاء وهل تلقى الاعتبار المناسب؟
في الغالب، لا تصل جميع الحالات إلى القضاء، حيث يتم أحيانًا سحب الشكوى أثناء وجودها لدى الشرطة. صحيح أن هناك شرطة متخصصة في قضايا العنف المبني على النوع لا تقبل سحب الشكاوى المتعلقة بالاغتصاب، لكن الشرطة غير المختصة قد تسمح بذلك.
المشكلة تكمن في غياب قانون يلزم بوجود منظمات المجتمع المدني كطرف مدني لمساندة النساء أمام المفوضيات. يرى المتحدث أنه من الضروري وجود نص قانوني يمنح الجمعيات والمنظمات حق الحضور لمؤازرة الضحايا والدفاع عن حقوقهن.
أشار المتحدث إلى أن الكثير من القضايا يتم التستر عليها أو إغلاقها بسبب ضغوط مالية تُمارس على الأسر الضعيفة، أو نتيجة تدخل القبيلة أو السياسيين، مما يؤدي إلى طمس القضايا دون تحقيق العدالة للضحايا.
ما هي التأثيرات النفسية للاغتصاب؟ وهل تتعامل السلطات معها أو تراعيها؟
التأثيرات النفسية للاغتصاب عديدة ولا يمكن حصرها، ومن أبرزها أن المرأة المغتصبة قد تعاني من نفور دائم من الرجال أو تمتنع عن الزواج في المستقبل. قد يدفعها الضغط النفسي إلى ترك الدراسة أو العمل، وفي بعض الحالات قد تصل إلى محاولة الانتحار. هناك بالفعل نماذج لضحايا أقدمن على الانتحار نتيجة الأثر النفسي للاغتصاب.
من الواجب الإسراع في تقديم العلاج النفسي للضحايا، وعدم الاستماع للأصوات التي تقلل من أهميته. الضحية تحتاج إلى دعم نفسي عاجل، وكذلك الأسرة تحتاج إلى مراجعة نفسية لتخفيف وطأة الحادث. الأثر النفسي قد لا يظهر فورًا وقد يتأخر لفترة، وعملية استعادة التوازن النفسي للضحايا ودمجهن في المجتمع قد تستغرق فترات طويلة تصل إلى سنتين.
للأسف، في موريتانيا، يعاني القطاع الحكومي من غياب شبه كامل للخدمات النفسية. لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين في البلاد أربعة فقط، ومعاناة مناطق الداخل تفاقم المشكلة، حيث لا يتوفر الدعم النفسي إلا في العاصمة. هذا النقص يترك العديد من الضحايا دون مساعدة، وهو تحدٍ يجب معالجته بشكل عاجل.
ما تعليقكم على الحالة الأخيرة وماذا تتوقعون؟
الحالة الأخيرة تكشف عن خطورة الوضع، حيث تبيّن أن المجرمين كانوا يترصدون المسجد ويراقبون غياب بقية أفراد الأسرة. المأساة تتضاعف عندما ندرك أن الضحية تعرضت للاغتصاب أمام والدها المشلول، الذي كان عاجزًا عن تقديم أي مساعدة. المؤسف أن الدولة، المسؤولة عن حماية المواطن الموريتاني، لم تتمكن من تأمينه حتى داخل منزله.
للأسف، هناك حالات أخرى أشد فظاعة من هذه الحالة الأخيرة، ولم نشهد من القطاعات المعنية بحماية المرأة والطفل الدور المطلوب في مواجهة هذه القضايا.
أدعو المواطنين إلى التحلي بالوعي الأمني، فالعيش في المدن يختلف عن الأرياف ويتطلب حسًا أمنيًا عاليًا لمواجهة هذه التحديات.
من جانب منظمات المجتمع المدني، ما الذي تطالبون به لتطويق هذه الظاهرة؟
نطالب بتعزيز القيم الأخلاقية والدينية من خلال المناهج التعليمية ووسائل الإعلام، إلى جانب فرض قوانين صارمة ورادعة ضد مرتكبي هذه الجرائم. كما ندعو إلى تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للفئات المهمشة التي تعد الأكثر عرضة لهذه الظاهرة.
بالإضافة إلى ذلك، نؤكد على أهمية تقديم الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني لضحايا الاغتصاب، والعمل على رفع مستوى التوعية المجتمعية حول خطورة هذه الظاهرة وآثارها السلبية على الأفراد والمجتمع.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن موريتانيا عبر موقع أفريقيا برس





