أفريقيا برس – موريتانيا. ينتقل سباق الاتصال العالمي إلى بُعد جديد كليا، بعيدا عن الفضاء المفتوح وأقمار “ستارلينك” التي ظن الجميع أنها ستهيمن على مشهد الاتصال لعقود مقبلة.
ويتتبع برنامج “حياة ذكية” تقنية ثورية تنمو بصمت في طبقة الستراتوسفير، تلك المنطقة الواقعة على ارتفاع يتراوح بين 18 و25 كيلومترا فوق سطح الأرض، أي فوق مسارات الطيران التجاري ودون المدار الفضائي.
وفي هذا الفراغ البارد يجري تطوير أنظمة المنصات عالية الارتفاع، وهي طائرات دون طيار تعمل بالطاقة الشمسية أو مناطيد ضخمة قادرة على البقاء لأشهر في الجو لتؤدي دور أبراج اتصالات عائمة.
ويخفض هذا القرب الشديد من الأرض زمن الاستجابة إلى مستويات لا تستطيع الأقمار حتى منخفضة المدار تحقيقها، ويُعدّ هذا الفارق حاسما في تطبيقات كالألعاب التفاعلية والعمليات الجراحية عن بُعد والخدمات السحابية الفورية التي تتطلب تفاعلا لحظيا.
يُضاف إلى ذلك أن إطلاق هذه المنصات لا يتطلب صواريخ معقدة، ويمكن تعديل موقعها أو صيانتها متى دعت الحاجة، وهو ما يمنحها مرونة تشغيلية لا تضاهيها فيها الأقمار الصناعية.
كما تبرز لهذه المنصات ميزة إضافية بالغة الأهمية، وهي قدرتها على سد الفجوة الرقمية في المناطق الأكثر عزلة حيث تفشل الأبراج الأرضية وتعجز الأقمار عن تقديم خدمة مستقرة.
شبكة إنقاذ فورية
وتقدم منصات الستراتوسفير في هذه البيئات حلا وسطا ذهبيا يجمع بين التغطية الواسعة وجودة الاتصال العالية، وتشكل هذه المناطيد في حالات الكوارث الطبيعية شبكة إنقاذ فورية تعيد ربط المنكوبين بالعالم في غضون ساعات، وهو دور لا يستطيع أي نظام اتصال آخر أداءه بالسرعة ذاتها.
ولكن هذه التقنية الواعدة تواجه تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها، حيث يفرض الاعتماد على الطاقة الشمسية كمصدر رئيسي قيودا تشغيلية صارمة خلال الليل أو في ظروف الطقس القاسية.
ويتطلب تحقيق تغطية عالمية نشر أساطيل ضخمة من هذه الوحدات، وهو ما يفتح نقاشا معقدا حول الكلفة الاقتصادية والاستدامة التشغيلية على المدى البعيد.
ويرى خبراء أن هذه الأنظمة لن تنافس “ستارلينك” بل ستكملها ضمن نموذج اتصال هجين متعدد الطبقات، تكمل فيه الشبكات الأرضية المناطق الحضرية الكثيفة، وتوفر منصات الستراتوسفير تغطية إقليمية عالية الجودة، بينما تضمن الأقمار الصناعية الاتصال في أقاصي الأرض النائية.
ومع التسارع الهائل في الطلب على الخدمات السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، يتحول الغلاف الجوي بأكمله إلى ساحة تنافس تقني واقتصادي، والسؤال لم يعد فقط كيف نصل إلى الإنترنت، بل مَن يسيطر على الطبقة التي تنقله إلينا.





