من التعاون العسكري إلى الطاقة: نواكشوط وواشنطن توسعان مساحة الشراكة

2
من التعاون العسكري إلى الطاقة: نواكشوط وواشنطن توسعان مساحة الشراكة
من التعاون العسكري إلى الطاقة: نواكشوط وواشنطن توسعان مساحة الشراكة

عبد الله مولود

أفريقيا برس – موريتانيا. لم تعد مؤشرات التقارب بين نواكشوط وواشنطن محصورة في البيانات الدبلوماسية أو اللقاءات الرسمية، فخلال أشهر قليلة، تلاحقت خطوات عملية تمتد من التعاون العسكري وأمن المطارات والموانئ إلى الطاقة والتعدين والتدريب العسكري والتبادل التجاري، بما يوحي بأن العلاقات الموريتانية الأمريكية تدخل مرحلة أكثر نشاطًا وتنوعًا، تحكمها المصالح الأمنية والاقتصادية المتبادلة بقدر ما تحكمها الاعتبارات السياسية.

وتكتسب هذه الديناميكية أهمية خاصة في وقت تشهد فيه منطقة الساحل تحولات عميقة في خريطة التحالفات والشراكات الدولية، بينما تبدو موريتانيا حريصة على تثبيت موقعها كشريك مستقر للولايات المتحدة، مع المحافظة في الوقت نفسه على سياستها القائمة على تنويع علاقاتها الخارجية.

وكان أحدث مؤشرات هذا التقارب، ما أعلنت عنه القوات الجوية الأمريكية في أوروبا وإفريقيا، بخصوص استضافة نواكشوط الأسبوع الماضي، لقاءً هو الأول من نوعه خُصص لتبادل الخبرات وأفضل الممارسات المتعلقة بأمن وسلامة المطارات والعمليات الجوية.

وشارك في اللقاء خبراء من الولايات المتحدة وموريتانيا، إلى جانب ممثلين عن بنين والسنغال وتشاد وساحل العاج وليبيا والنيجر ونيجيريا والكاميرون وتونس.

وتناولت المناقشات أمن المطارات وإدارة المخاطر البيئية وسلامة مناطق تشغيل الطائرات والتحديات اليومية المرتبطة بالعمليات الجوية، مع التركيز على تبادل المعلومات وتحسين قابلية العمل المشترك ودعم سلامة الطيران في المنطقة.

وتتجاوز دلالة اختيار نواكشوط لاستضافة هذا العدد من الشركاء الأفارقة البعد الفني للقاء، إذ يعكس موقعًا متقدمًا لموريتانيا كحلقة وصل في التعاون الأمني الأمريكي مع دول غرب وشمال إفريقيا والساحل.

وقد عبّرت العقيد الأمريكية، جاسمين سايلنس، عن هذه النظرة بوضوح، معتبرة أن الشراكة مع موريتانيا «حيوية للأمن الجماعي في غرب إفريقيا»، وأن تطوير الخبرات المشتركة في سلامة المطارات يساعد على تعميق الشراكات ودعم الاستقرار الإقليمي وحماية المصالح الأمنية المشتركة.

ولا يأتي لقاء نواكشوط معزولًا عن مسار متصاعد من التعاون العسكري بين البلدين.

فقبل أسابيع، شهدت مدينة أطار نشاطًا تدريبيًا مشتركًا شاركت فيه القوات الموريتانية والأمريكية والتشيكية، بالتزامن مع تحليق قاذفتين أمريكيتين من طراز B-52H فوق المنطقة، في نشاط أوضحت القيادة الأمريكية في إفريقيا أنه استهدف تعزيز التنسيق وقابلية العمل المشترك بين القوات المشاركة.

كما خضعت وحدات من القوات المسلحة الموريتانية لتدريبات تحاكي عمليات ميدانية معقدة، بهدف تعزيز المهارات الأساسية للجنود ورفع جاهزيتهم للتعامل مع الظروف والمهام الصعبة.

ويمتد التعاون إلى جانب آخر لا يقل أهمية عن التدريب القتالي، يتعلق بقدرة المؤسسة العسكرية على العمل في البيئات المدنية المعقدة.

فقد اختتم أفراد من نخبة القوات المسلحة الموريتانية دورة استمرت أسبوعين في جامعة العمليات الخاصة المشتركة، تناولت العمليات المدنية العسكرية، وركز خلالها خبراء أمريكيون على التواصل بين الثقافات، وتخطيط جهود الاستقرار، وحماية حقوق الإنسان.

ويعكس الجمع بين هذه البرامج توجّهًا يتجاوز التدريب العسكري التقليدي نحو بناء قدرات متعددة، تشمل الجاهزية الميدانية والتخطيط والتعامل مع السكان وإدارة البيئات المعقدة.

ولم يقتصر التعاون على نقل الخبرات، فقد وقعت القائمة بالأعمال الأمريكية بالوكالة كورينا آر. ساندرز، وقائد الأركان العامة للجيوش الفريق محمد فال ولد الرايس، مؤخرًا اتفاقية لنقل معدات عسكرية أمريكية بقيمة 3.6 ملايين دولار إلى القوات المسلحة الموريتانية.

وساهمت المعدات في دعم الاستعدادات لتمرين «فلينتلوك»، أحد أبرز التدريبات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة مع شركائها الأفارقة، لتضيف بذلك بعدًا ماديًا إلى التعاون المتنامي في مجالات التدريب وبناء القدرات.

الموانئ تدخل دائرة الشراكة

والأهم أن التعاون الأمني أخذ يتجاوز المجال العسكري المباشر ليصل إلى البنية التحتية الاستراتيجية للبلاد.

فقد قام فريق من البرنامج الدولي لأمن الموانئ التابع لخفر السواحل الأمريكي قبل أيام بزيارة لموريتانيا لإجراء تقييمات ميدانية في ميناءي نواكشوط ونواذيبو، وهما بوابتان أساسيتان للتجارة الخارجية الموريتانية.

وأشاد الفريق بالتقدم الذي أحرزته وكالة الشؤون البحرية الموريتانية في تطبيق توصيات سابقة وتعزيز معايير السلامة والأمن البحري.

وهنا يلتقي البعد الأمني مباشرة بالبعد الاقتصادي؛ فرفع معايير أمن الموانئ لا يتعلق بحماية المنشآت فقط، وإنما يرتبط كذلك بسلامة سلاسل الإمداد وحركة السفن والبضائع والامتثال للمعايير الدولية، وهي عناصر ضرورية لتوسيع التجارة وجذب الاستثمارات.

وبذلك تمتد خريطة التعاون الأمريكي مع موريتانيا من المطارات إلى الموانئ، ومن القوات البرية إلى العمليات الجوية، في مؤشر على اتساع مفهوم الشراكة الأمنية بين البلدين.

من الأمن إلى الطاقة

لكن اللافت أن هذا الزخم لا يتوقف عند المجال الأمني؛ ففي موازاة الحراك العسكري، أعلنت شركة IHRDC الأمريكية، المتخصصة في التدريب وتطوير الكفاءات في قطاعي النفط والغاز، اختيار شركة IDM Industries الموريتانية ممثلًا لها في موريتانيا، في خطوة تستهدف توسيع خدماتها في قطاعي الطاقة والتعدين.

وبموجب الاتفاق، ستقدم الشركة الموريتانية برامج في إدارة الكفاءات والتعلم الإلكتروني والتدريب المباشر، بما يدعم تأهيل الموارد البشرية المحلية وفق معايير وشهادات دولية.

وتبدو الخطوة مرتبطة بالتحول الذي يشهده الاقتصاد الموريتاني مع دخول البلاد مرحلة إنتاج الغاز، وفي مقدمتها مشروع السلحفاة الكبرى آحميم، فضلًا عن توسع الآفاق المرتبطة بالمعادن والطاقة.

وكانت الشركة الأمريكية قد أجرت زيارات إلى موريتانيا خلال عامي 2025 و2026 قبل اتخاذ قرار إيجاد تمثيل محلي لها، وهو ما يمنح الاتفاق دلالة تتجاوز التمثيل التجاري، وتعكس قراءة لفرص سوق الطاقة الموريتانية على المدى المتوسط.

ووصف نائب رئيس تطوير الأعمال العالمية في IHRDC، روبرت دبليو. تايلور، موريتانيا بأنها سوق ناشئة ومهمة، معتبرًا أن الوجود المحلي سيساعد على تطوير قدرات القوى العاملة الموريتانية وفق المعايير الدولية.

التجارة تتحرك.. لكن في اتجاه واحد

وتدعم الأرقام الاقتصادية فكرة اتساع المصالح المشتركة، فوفق أحدث بيانات مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة، بلغت تجارة السلع بين البلدين نحو 170.6 مليون دولار خلال 2025، فيما بلغت الصادرات الأمريكية إلى موريتانيا 169.9 مليون دولار، بزيادة 19% مقارنة بعام 2024.

كما تتمتع موريتانيا بأهلية الاستفادة من قانون النمو والفرص في إفريقيا «أغوا».

غير أن الأرقام تكشف في الوقت نفسه مفارقة واضحة، فإذا كانت التجارة الثنائية تتوسع، فإنها لا تزال شديدة الاختلال لمصلحة الصادرات الأمريكية.

وهنا يظهر أحد أهم التحديات أمام نواكشوط: كيف تتحول العلاقة من سوق للمنتجات والخدمات والخبرات الأمريكية إلى شراكة تجذب رأس المال والتكنولوجيا الأمريكية، وتزيد في المقابل قدرة المنتجات الموريتانية على الوصول إلى السوق الأمريكية؟

علاقة تجاوزت انتكاسة «تحدي الألفية»

ولا تعني هذه المؤشرات أن العلاقات تتحرك دائمًا في خط تصاعدي، فقد أنهى مجلس إدارة مؤسسة تحدي الألفية الأمريكية في آب/ أغسطس 2025 برنامج العتبة الخاص بموريتانيا.

لكن ذلك لم يتحول إلى قطيعة أو تجميد للعلاقات الأوسع، بل عادت موريتانيا ضمن قائمة الدول المرشحة لمساعدات المؤسسة للسنة المالية 2026، وإن كانت صفة الدولة المرشحة لا تعني اختيارها تلقائيًا للحصول على تمويل جديد.

وتكشف هذه المحطة عن ملمح مهم في إدارة واشنطن لعلاقتها مع نواكشوط، يتمثل في إمكانية استمرار التعاون الأمني والاقتصادي حتى مع وجود ملاحظات أمريكية في ملفات أخرى مرتبطة بمعايير الحوكمة.

لماذا موريتانيا الآن؟

يمكن تفسير الاهتمام الأمريكي المتزايد بموريتانيا بثلاثة عوامل متداخلة.

أولها الجغرافيا والأمن؛ فموريتانيا تطل على الأطلسي وتشكل نقطة التقاء بين المغرب العربي وغرب إفريقيا والساحل، في منطقة أعادت فيها الانقلابات والأزمات الأمنية والتحولات السياسية رسم خريطة النفوذ الدولي.

وثانيها الاستقرار، ففي محيط إقليمي مضطرب، حافظت موريتانيا على مؤسساتها واستقرارها، وقدمت نفسها شريكًا قادرًا على التعامل مع أطراف دولية وإقليمية متعددة.

أما العامل الثالث فهو الاقتصاد، فانتقال موريتانيا إلى نادي الدول المنتجة للغاز، إلى جانب ثرواتها المعدنية وموقعها الأطلسي، أضاف إلى أهميتها الأمنية قيمة اقتصادية متنامية، وفتح فرصًا للشركات الأمريكية في مجالات الطاقة والتعدين والخدمات والتكوين والتكنولوجيا.

ومن الجانب الموريتاني، توفر العلاقة مع واشنطن فرصًا للاستفادة من الخبرة والتكنولوجيا والتكوين العسكري والمهني، إلى جانب جذب الشركات والاستثمارات وفتح آفاق أكبر أمام الموارد البشرية الوطنية.

شراكة تتغير طبيعتها

عند وضع هذه التطورات جنبًا إلى جنب، تتضح صورة أوسع للشراكة الأمريكية الموريتانية في حلقات يصعب النظر إليها باعتبارها أحداثًا منفصلة تمامًا: فهناك مناورات وتدريبات عسكرية، ومعدات أمريكية، وتعاون في العمليات المدنية العسكرية، وأمن للمطارات، وتقييم للموانئ، وتكوين في قطاع الطاقة، إلى جانب نمو التبادل التجاري.

فالمسار العام يرسم ملامح انتقال تدريجي من علاقة دبلوماسية وأمنية تقليدية إلى شراكة متعددة المسارات، تلتقي فيها اعتبارات أمن الساحل مع أمن المجال الأطلسي، وتتقاطع فيها الجاهزية العسكرية مع سلامة المطارات والموانئ، ثم تمتد إلى الطاقة والتجارة وتكوين الموارد البشرية.

وبالنسبة لواشنطن، توفر موريتانيا شريكًا مستقرًا في موقع جغرافي بالغ الحساسية، في وقت تعيد فيه الولايات المتحدة ترتيب علاقاتها في منطقة الساحل.

أما بالنسبة لنواكشوط، فالتحدي أكبر من مجرد توسيع التعاون العسكري، إذ يتمثل في تحويل قيمتها الجيوسياسية المتصاعدة إلى قيمة اقتصادية مضافة تجمع بين استثمارات، ونقل للتكنولوجيا، وتكوين للكوادر، وفرص عمل، وزيادة للصادرات.

ويظل السؤال الأهم هو: هل تستطيع موريتانيا تحويل موقعها كشريك أمني مهم للولايات المتحدة إلى شراكة استراتيجية أوسع وأكثر توازنًا، يصبح فيها الاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والتجارة بمستوى الزخم الذي بلغه التعاون الأمني والدفاعي؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد إن كان التقارب الحالي مجرد مرحلة نشطة في العلاقات، أم بداية فصل جديد فيها.