مصطفى واعراب
أفريقيا برس – موريتانيا. كان عمر “مباركة” 23 عاما عندما فهمت بأنها عبدة. لقد وُلدت “عبدة” في بيت سيدها لأن أمها كانت كذلك، فتعرضت للضرب ثم للاغتصاب في مراهقتها على يد “سيدها” وابنه، وأنجبت منهما بنتين تم إعطاؤهما لأسرة السيدة.
وتحكي مباركة في شهادتها المؤثرة لإحدى المنظمات الدولية المختصة في محاربة العبودية، بأنها إلى حين بلوغها سن الثالثة والعشرين، وعلى الرغم من الضرب والاغتصاب، كانت تعتقد ببراءة أن عائلة سيدها التي تقطن العاصمة الموريتانية نواكشوط هي عائلتها، فهي لم تر غيرها. لكن في اليوم الذي شاهدها سائق العائلة تنقل حملا ثقيلا جدا وسألها: “هل يدفعون لك في مقابل القيام بهذا؟”، استوعبت لأول مرة في حياتها حقيقتها المروعة وتحركت غريزة الحرية في نفسها. فساعدها السائق على الهرب من قبضة عائلة “سيدها” في العام 2011 وتزوجها، ليرزقا بعدها بسبعة أبناء وبنات. وهم يعيشون حاليا جميعا حياة بؤس شديد في كوخ من أربعة أمتار مربعة في حي فقير من هوامش العاصمة الموريتانية نواكشوط.
إن قصة حياة مباركة تختصر حال عشرات الآلاف من الموريتانيين، الذين ما زالوا يتجرعون مرارة العبودية بعد انصرام ربع قرن تقريبا من الألفية الثالثة.. وهو واقع مؤلم وعنيد لم تعد السلطات الموريتانية تنفيه، رغم أنه لا سبيل لها إلى تغييره بجد بسبب تجذر العبودية في المجتمع الموريتاني.
أظهر أحدث تقرير لـ “مؤشر الرق العالمي” للعام 2023، صدر قبل أيام عن منظمة “ووك فري Walk Free Foundation” التي تسعى إلى إنهاء العبودية الحديثة، أن موريتانيا تحتل المركز الثالث على مستويات العبودية في العالم، وراء كل من كوريا الشمالية وإريتريا. وأكد المؤشر تدهور وضع العبودية على الصعيد الدولي، منذ آخر دراسة أجرتها المنظمة قبل خمس سنوات.
وكشف التقرير بأن حوالى 50 مليون شخص “عاشوا أوضاعا تمثل عبودية حديثة عام 2021، بزيادة عشرة ملايين شخص عن 2016، وهي آخر مرة تم فيها قياس الظاهرة”. ويشمل الرقم نحو 28 مليون شخص يعانون من العمالة القسرية و22 مليونا من الزواج القسري عبر العالم.
ويُعرِّف المؤشر، العبودية الحديثة بكونها تشمل “العمل القسري، والزواج القسري أو الاستعباد، وعبودية الدين، والاستغلال الجنسي التجاري القسري، والاتجار بالبشر، والممارسات الشبيهة بالرق، وبيع الأطفال واستغلالهم”.
لكن العبودية في موريتانيا تختلف مع ذلك عن ما هو سائد في غيرها من دول المعمور، من حيث كونها تعتبر امتدادا لعبودية الزنوج الأفارقة التي كانت معروفة منذ قرون موغلة في ليل التاريخ. فهي ظاهرة متجذرة في بنية المجتمع الموريتاني، ولها ارتباط وثيق بطبيعة التركيبة العرقية للبلاد.

العبودية بين الإنكار والاعتراف
ترفض السلطات الموريتانية الاعتراف بوجود الرق كظاهرة ما زالت موجودة، لكنها تقر بأن ثمة “ممارسات” مرتبطة بالرق لا تزال معاشة في البلاد. ويصطدم هذا الموقف بإصرار مدافعين عن حقوق أبناء الرقيق السابقين يؤكد على وجود حالات من العبودية ما زالت تمارس ضد “الحراطين”، وتؤكد بأنها تتركز أساسا في المناطق القروية حيث يغيب نشاط الجمعيات والحركات الحقوقية.
لم تعد الجهات الرسمية في موريتانيا وحدها تنبري للرد على التقارير الدولية، التي تتحدث عن العبودية في موريتانيا. فردا على “مؤشر الرق العالمي” للعام 2023، نبه نور الدين محمدو رئيس حزب”موريتانيا إلى الأمام”، قبل أيام، من “نسبية مصطلح الرق وتطور معانيه، بحسب طبيعة البنية المجتمعية وتوظيفه اليومي. إذ قد يرتبط بالوضع الاقتصادي القائم،كما قد يكون كناية عن التفاوت الطبقي الضارب في المجتمع الموريتاني”. ورغم إقراره بوجود العبودية في بلاده، إلا أن زعيم “موريتانيا إلى الأمام” يدفع بمحدودية انتشارها. يقول: “هناك حالات استرقاق تتركز في أدغال موريتانيا وفي شرقها الأقصى، عند سود البشرة خاصة. وهذا يفسر بعمق التفاوت الطبقي الحاصل داخل تلك المجتمعات، ما يضطر ضعيفها إلى الاستكانة بغنيها، ووضع نفسه تحت إمرته”. والمعنى أنه لا وجود للعبودية كظاهرة اجتماعية في موريتانية، بل الأمر مرتبط فقط بنظرية المؤامرة، إذ يعتبر المسؤول السياسي ذاته أن “هناك توجهات سياسية وجيوسياسية وإقليمية تريد النيل من سمعة موريتانيا، عبر إصدار تقارير غير موضوعية ولا تتوفر فيها شروط الدقة”. ويدلل على ذلك بـ “التقارير التي كانت تصدر في تسعينيات القرن الماضي وتوجه انتقادات لموريتانيا بشأن العبودية، لكنها اختفت تماما عقب تطبيع نواكشوط لعلاقاتها مع إسرائيل، بل وباتت البلاد محط ثناء وإطراء من لدن عدة جهات دولية”، وفق زعمه.
ولا تخفي المنظمات الحقوقية المحلية والدولية خيبتها بل وغضبها، في كل مرة ينبري فيها رئيس موريتاني أو حكومة بلاده لنفي أي وجود للعبودية في موريتانيا، متسترين خلف ادعاءات يقدمونها بأنه لا وجود في البلاد لا للعبودية وما يوجد يعدو أن يكون “مجرد مخلفات من زمن الرق البائدة، التي تعكف الحكومة الموريتانية على القضاء عليها بجدية”. فرسميا، ألغت موريتانيا العبودية منذ 1981، ورسميا باتت العبودية جريمة يُعاقب عليها بشدة. بيد أن وقائع كثيرة تؤكد استمرارها في التواجد في بلد المليون شاعر، بل واستفحالها بدل التراجع.

تركيبة عِرقية معقدة
يتشكل المجتمع الموريتاني من خليط من الأعراق بحيث يمكن تقسيمه إلى ثلاث مجموعات عرقية كبرى.
من جهة، هناك العرب الذين يُسمّون في موريتانيا بـ “المور” أو “البيضان”، وينحدرون من القبائل العربية التي قَدِمت إلى البلاد منذ القرن الثالث عشر ميلادي في شكل هجرات متتالية. ويشكلون غالبية السكان، ويتميزون بوحدة ثقافية أساسها اللغة العربية الحسانية والدين الإسلامي.
وإلى جانب “البِيضان” مجموعة ثالثة غير متجانسة من السودان أو الزنوج و تتكون من ثلاثة أعراق مختلفة هي: “التكرور” و”الوتنكي” و”الولوف”. ويمثلون حوالي 35% من مجموع السكان في موريتانيا.
ومن جهة ثالثة، هناك مجموعة إثنية أخرى هي قبائل بربرية (أمازيغية) لم تتعرب، وتمثل حوالي 15% من مجموع سكان موريتانيا.
وبين هؤلاء وأولئك، توجد طبقة “الحراطين”. والمقصود بهم العبيد الذين وقع عتق رقابهم، وعادة ما يتم استخدامهم من قبل “البِيضان” كرعاة وخدم في المنازل وفي الحقول. ودون الدخول في تفاصيل التركيبة السكانية المعقدة لموريتانيا، وجب التوضيح أن “البِيضان” يُعتبرون سادة المجتمع، وهم المعنيون تحديدا بامتلاك العبيد الذين ينتمون في الغالب إلى المجموعات الزنجية. وهذا التقسيم العِرقي والطبقي لازم المجتمع حتى قبل أن تظهر موريتانيا إلى الوجود مطلع القرن العشرين.
إن التركيبة القبَلية والعرقية للمجتمع الموريتاني تجعل المسألة الديموغرافية محسومة، في الصراع على الثروة والسلطة. فمنذ القرن السابع عشر الميلادي أصبحت مجموعة البِيضان هي الإثنية الأقوى وصاحبة الهيمنة والنفوذ السياسي والمالي، وما تزال كذلك حتى الوقت الحاضر. وكونها أكبر مجموعة سكانية في موريتانيا بما يقارب نصف سكان البلاد، وهيمنتها تاريخيا على النشاط الاقتصادي الأهم الرعي والتجارة، مكناها من تعليم أبنائها بما يؤهلهم لاحتلال مناصب القيادة في الجيش والإدارة والمجتمع السياسي والتحكم في مفاصل الاقتصاد الموريتاني.
لقد سبق لتقرير أصدرته مؤسسة “ووك فري” الأسترالية نفسها عام 2014، في مناسبة اليوم العالمي لمكافحة الرق (23 غشت)، أن قَدّر عدد المستعبَدين في موريتانيا بنحو 155 ألفاً و600 شخص. وهو ما يعادل 4 % من مجموع سكان البلاد الذين يقاربون الـ 4 ملايين نسمة. ويذهب الناشط بيرام الداه ولد عبيد، من جهته، إلى أنها تمس في الحقيقة 600 ألف شخص، أي أكثر من خُمس الشعب الموريتاني. بينما تشير تقارير دولية أخرى إلى ارتفاع نسبة الحراطين (وهم العبيد القدامى) في المجتمع الموريتاني إلى ما يفوق 28 % من مجموع سكان البلاد، واتساع الهوة الاقتصادية بقوة بينهم وبين طبقة “البِيضان” التي كانت تستعبدهم، والتي ما زالت تحتكر كل شيء: الثروة والجاه والسلطة.

العبودية في القانون الموريتاني
في عام 1981، أصبحت موريتانيا آخر بلد في العالم يلغي الرق بعد إصدارها مرسوما رئاسيا يمنع هذه الممارسة المشينة. لكن ذلك الإجراء لم يُنْهِ معاناة العبيد ولا المناضلين ضد الرق في البلاد وخارجها. ففي غياب الترسانة القانونية التنفيذية، بقي ذلك المرسوم مجرد حبر على ورق. وفي عام 2007، بعد أزيد من ربع قرن وبفضل الضغط الدولي والمنظمات الحقوقية المحلية، أصدرت الحكومة الموريتانية قانونا يسمح أخيرا بمحاكمة المتاجرة بالعبيد.
وفي مواجهة تصاعد الانتقادات والضغوط الشديدة التي تتلقاها من هيئات دولية حكومية وغير حكومية وأممية، اضطرت السلطات الموريتانية في عام 2007 لأول مرة قانوناً يجرّم العبودية، ويسمح بمحاكمة المتاجرين بالعبيد. وفي الـ 13 من أغسطس/آب 2015، أقرت الجمعية الوطنية الموريتانية القانون رقم 049/15 يقضي بمعاقبة جرائم الاسترقاق والتعذيب بوصفها جرائم ضد الإنسانية. وهذا القانون الذي يتكون من 26 مادة، تنص مادته الثانية على أن”الاستعباد يشكل جريمة ضد الإنسانية غير قابلة للتقادم”. بينما تنص مادته الثالثة على الحالات التي توصف بأنها استعباد، وتقضي بمعاقبة كل إنتاج أو عمل ثقافي أو فني يمجد الاستعباد، بعقوبة ست سنوات سجنا ومصادرة ذلك العمل.
كما فرض القانون غرامات مالية على كل من شتم علنا شخصا ووصفه بأنه عبد أو ينتسب إلى العبيد. وقد تصل العقوبة بهذا الصدد إلى عشر سنوات سجنا نافذة مع غرامة المالية خمسة ملايين أوقية (حوالي 14 ألف دولار). كما نص القانون الجديد على استحداث محاكم متخصصة في مواجهة الرق بقضاة متخصصين، ألزمهم بالمحافظة على حقوق الضحايا في التعويض، وتنفيذ السهر على تنفيذ الأحكام القضائية التي تتضمن تعويضا لضحايا العبودية، دون انتظار الاستئناف.
هكذا شكل عام 2015 نقطة تحول فاصلة في تاريخ مواجهة ظاهرة العبودية في موريتانيا. فخلال العام نفسه، أطلقت السلطات حملة للتوعية بخطورة الممارسات العبودية، من خلال تخصيص خطب الجمعة في المساجد لموضوع محاربة العبودية، وإنشاء مدارس خاصة بأبناء العبيد السابقين الذين لم ينالوا حظهم من التعليم. كما حثت أجهزة الدولة الموريتانية عددا من كبار رجال الدين في البلد، على إصدار فتاوى دينية تُحرم العبودية، وتفتي بتحريم العمل بصكوك ملكية العبيد من الناحية الشرعية. وتتويجا لذلك كله، تم استكمال الإطار القانوني لمحاربة الرق، بإنشاء ثلاث محاكم جنائية متخصصة في محاربة الرق في شرق موريتانيا وشمالها وجنوبها.
رسميا، ألغت موريتانيا نظام العبودية منذ العام 1981. لكنّ تشبث القبائل العربية (البيضان) به من جهة وغياب إرادة حقيقية لدى الدولة، وكذا ضعف قوة تنفيذ الترسانة القانونية، وغيرها من العوامل، جعلت قوانين منع وتجريم العبودية تبقى حبرا على ورق حتى إشعار آخر، على الرغم من أنها ساهمت مع مرور الزمن في وقف العمل بصكوك ملكية العبيد.
وبحسب أحد قادة “مبادرة إحياء حركة إلغاء الرق” في موريتانيا، فإن “جميع هذه القوانين لم يسبق لها أن طبقت في الواقع، حيث يتم استعراضها في المنتديات الدولية من باب ذر الرماد في العيون فقط. فالقانون الذي يجرم العبودية ويحكم على مرتكبها بـ 30 عاما سجنا لم يسبق له أن طبق، على الرغم من مئات حالات الاستعباد التي قدمناها إلى المحاكم. والحال أننا نحن المناهضون للعبودية من ندخل إلى السجن وليس الممارسون لها!”.
العبودية في الواقع الموريتاني
في سياق ذلك، تقول المنظمات المناهضة للعبودية إن المُستعبِد له في الواقع كامل الحق في خصي عبده (بتر أعضائه التناسلية) إذا شاء، في الوقت الذي تم ترويض المناخ العام بشكل يسمح بمواصلة استعباد مئات الألوف من الموريتانيين. يوجد بينهم العبيد الحاليون، وأولئك المنحدرون من عبيد سابقين، وبشكل أكثر إجمالا جميع السود في البلاد يوضعون في نفس المرتبة الدنيا. فالعبيد ما زالوا يولدون في موريتانيا وهم في ملكية جهة ما، بلا أوراق ثبوتية بحيث ليس لهم الحق في التعليم، ويفرض عليهم العمل بلا راحة، وبلا أجر، وبدون حق في العلاج. وفوق ذلك كله يتعرضون للعقاب البدني، من دون الحديث عن اغتصاب الطفلات العبدات في سن مبكرة وبشكل متكرر من طرف المالك أو أحد أبنائه، وهو ما ينتج عنه حمل كثير منهن والوضع في سن 12 أو 13.
وحتى اليوم ما زالت العائلات الكبيرة تغدق المال على عبيدها للاحتفاظ بهم. ونتيجة لسيادة العبودية الاجتماعية والإقصاء، يعيش اليوم داخل الأحياء الفقيرة والعشوائية على هوامش المدن، أبناء العبيد السابقين (الحراطين) ظروفاً صعبة بسبب الفقر والحرمان والإهمال والإقصاء من الحياة العملية، على أسس عرقية وعنصرية. والزنوج في موريتانيا ينقسمون إلى ثلاث شرائح هي “البولار” و”السونيكي” و”الولوف”. لكلّ واحدة منها لهجتها الخاصة. ورغم أن الدين الإسلامي يفترض فيه أن يوحد بين العرب والأفارقة، إلا أن الوئام الاجتماعي ما زال في الواقع طموحا بعيد المنال. فالمدن الموريتانية تنقسم إلى أحياء خاصة بالزنوج وأخرى خاصة بالعرب. وفي المدارس كذلك هناك أقسام خاصة بأبناء الزنوج وأخرى لأبناء العرب (البيضان). كما أن النظام التعليمي نفسه مقسم إلى عربي (للعرب والأمازيغ)، وآخر فرنسي للسود. ويجري هذا التقسيم العرقي نفسه على الأسواق والقرى، التي إما تكون ذات أغلبية زنجية، أو لا يسكنها سوى العرب.
وإلى جانب العبيد، يؤكد واقع الحال أنّ قرى فقيرة في موريتانيا العميقة، تضم عشرات الآلاف من الحراطين الذين يعانون من الفقر المدقع والأمية والتهميش شبه المتعمّد من السلطات.. في وقت يعمل أبناء هذه الشريحة الاجتماعية المنبوذة إما كخدم في المنازل، أو رعاة للإبل في مناطق مختلفة من البلاد. وهذا الوضع تطلق عليه المنظمات الحقوقية “نظام العبودية تحت الستار”. والحراطين يواجهون بسببه ظروفاً حياتية صعبة.

بِيرام الدّاه وَلْد عْبيد.. صوت العبيد و”الوعي الشقي” لموريتانيا
في سن الـ 58، يبدو “بيرام عبيد” شابا بملامح سمراء جميلة سكنها التعب. فهذا المناضل الصلب الذي لا تلين له إرادة، لا يكاد يغادر السجن منذ سنوات طويلة إلا لكي يعود إليه. وهو حتى هذه اللحظة، يوجد رهن التوقيف في موريتانيا لأسباب سياسية، تتعلق بالتزوير الكبير الذي طال الانتخابات الأخيرة.
“بِيرام” هو بالنسبة إلى السلطات في بلاده صوت مزعج. لكنه يعرف مع ذلك كيف يعبر عن قضيته بكلام مقنع ولذلك ينبغي إخراسه، لأنه يحرك في النفوس “وعيا شقيا” بظلم مبرره الوحيد هو سواد اللون أو سمرته الشديدة. أما بالنسبة إلى المعذبين في الأرض الموريتانية من عبيد اليوم وأحفاد عبيد الأمس، فإن بيرام هو رمز للرقيق المحكومين بالصمت فهو صوتهم الذي يرفض الإخراس.
في 2008، أسس هذا المناضل سليل أسرة من العبيد منظمة “مبادرة إحياء حركة إلغاء الرقIRA ” المحظورة حتى الساعة، والتي ما زال يرأسها ويؤدي ضرائب الانتماء إليها. وفي 2010، سجن بِيرام لأول مرة ثم حظي بعفو رئاسي بعد 3 شهور أمضاها خلف القضبان. وخلال مظاهرة قادها في 2012 بنواكشوط، اعتقل من جديد، ووجهت إليه تهمة “المس بسلامة الدولة” إلى جانب آخرين. فاضطر إلى البقاء في السجن شهورا طويلة قبل أن تطلق غرفة الجنايات بنواكشوط سراحه، بسبب “عيب شكلي في المسطرة”.
وفي 2013، منحته الأمم المتحدة جائزتها لحقوق الإنسان، عرفانا منها بنضاله من أجل إلغاء العبودية في بلاده. فعضد ذلك نضاله وشجعه على ركوب التحدي لخوض غمار الانتخابات الرئاسية لصيف 2014، منافسا فيها للرئيس السابق ولد عبد العزيز. كان بيرام يعلم بأن حظوظه في الفوز منعدمة، لكنه دخلها لأنه لم يكن يسعى إلى تحدي الرئيس، بقدر بحثه عن خلخلة العقلية المتجذرة، التي لا تقبل برئيس أسود للبلاد. ومع ذلك حصد بيرام عبيد 9 % من الأصوات.
لكن الجائزة المرموقة ومعها المواقف القوية التي صنعت شهرته عالميا، لم تمنع من اعتقاله من جديد في 2015 لمدة عام ونصف، في ظروف مزرية ومن دون محاكمة. ولم يطلق سراحه في مايو 2016 إلا تحت ضغط حملة دولية كبيرة للتضامن معه ومع رفاقه. وفي هذه المرة خرج “بيرام عبيد” من السجن غاضبا جدا من الأفارقة. وفي ذلك يوضح بخيبة أنه تلقى في السجن زيارات واتصالات من العالم كله، عدا من أفريقيا التي ينتمي إليها ويحمل لونها. ولسبب ذلك لم يعد يتورع عن انتقاد قادة القارة السمراء جميعهم، ومن دون أن يستثني منظماتهم: الإتحاد الأفريقي، واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان… لصمتهم على ما يجري في موريتانيا.

«لم يعد مقبولا أن يصمت الأفارقة الذين ناضلوا طويلا ضد الميز العنصري في جنوب إفريقيا، على ما يجري في موريتانيا من عبودية بدائية، ومن عنصرية، ومن إبادة في حق السود. وأيضا من قمع بشكل عام لكل الأشخاص ذوي الأصول الأفريقية، على يد سلطة دولة أفريقية [يقصد موريتانيا]، ممثلة في جميع المحافل الأفريقية». هكذا يلخص المناضل ضد العبودية بيرام الداه ولد عبيد، الذي يلقبه البعض ب”مانديلا موريتانيا”، الوضع في بلاده.
وفي شهاداته التي أدلى بها في كل العواصم المؤثرة عالميا، يعتبر بيرام أن “عنصرية الدولة” السائدة في بلده أسوأ من نظام الفصل العنصري الذي كان قائما في جنوب إفريقيا. ولذلك يسعى بإصرار إلى استصدار قرارات إدانة للنظام الحاكم في نواكشوط. وجعل منه هذا الأخير بالمقابل هدفا مطلوبا بأي ثمن، من خلال توظيف كل الأسلحة، بما فيها القذرة القائمة على التحريض الإعلامي ضد بيرام وجمعيته “مبادرة إحياء حركة إلغاء الرق”. فالإعلام الموجه يتهمهما باستمرار بكونهما يشكلان “خطرا كبيرا على البيضان (البيض) في موريتانيا”، بل وفي سعي السلطات إلى شيطنته، تم اتهامه سابقا بأنه يريد “حرق القرآن”!
غير أن هذا السلاح الجديد الشديد الخطورة وغير المضمون العواقب، لا يبدو كفيلا بإخراس “ولد عبيد”. فهذا المناضل العنيد ضد العبودية وضد الظلم حل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة (صيف 2019) ثانيا، بحصوله على %18,58. وبعد التزوير الواسع الذي شهدته انتخابات الـ 13 مايو/أيار لفائدة حزب الرئيس، على ذمة تصريحات غاضبة جدا هدد فيها بأنه “إذا لم تتلاف ما جرى من تزوير، ستؤدي إلى أن يلجأ الموريتانيون إلى حمل السلاح لحماية أصواتهم الانتخابية!”.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن موريتانيا اليوم عبر موقع أفريقيا برس





