أثر دقيق يكشف نافذة جديدة على الكون

1
أثر دقيق يكشف نافذة جديدة على الكون
أثر دقيق يكشف نافذة جديدة على الكون

أفريقيا برس – موريتانيا. نجح علماء تجربة “مجس الميون المضغوط” في “مصادم الهادرونات الكبير” في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) في رصد إشارة دقيقة جدا تشبه أثرا مائيا يتكون خلف جسم يتحرك بسرعة داخل سائل.

لكن بدل السائل العادي، كان الوسط المعني هو بلازما شديدة السخونة تسمى “بلازما الكواركات والغلوونات”، وهي حالة من المادة يعتقد أنها كانت تملأ الكون في اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم.

الدراسة، المنشورة في دورية “فيزكس ليترز بي” (Physics Letters B) تقدم أول دليل واضح على أن إنتاج الجسيمات يقل قليلا خلف الكوارك عالي الطاقة أثناء عبوره هذه البلازما.

بمعنى آخر، الكوارك وهو يندفع داخل هذا “الحساء” البدائي يترك وراءه منطقة أشبه بظل أو أثر ضعيف، مما يشير إلى أنه يتفاعل مع الوسط ويؤثر فيه، تماما كما يترك قارب سريع أثرا خلفه على سطح الماء.

بلازما بدائية.. تتصرف مثل سائل

عندما تصطدم نوى ذرية ثقيلة بسرعات تقارب سرعة الضوء داخل المصادم، تنصهر مكوناتها لتتشكل قطيرة مجهرية من بلازما الكواركات-الغلوونات، بدرجات حرارة تصل إلى تريليونات الدرجات.

في هذه البيئة القصوى، لا تعود البروتونات والنيوترونات محافظة على بنيتها المعتادة، بل تتحرر الكواركات و(غلوونات) -حوامل القوة النووية الشديدة- وتتحرك بحرية نسبية.

ورغم أن حجم هذه القطيرة أصغر من الذرة بعشرة آلاف مرة، وتختفي في زمن بالغ القصر، فإن سلوك مكوناتها يشبه سائلا فائق السخونة أكثر من كونه غازا بسيطا من الجسيمات.

تنبأت النماذج النظرية بأن الكوارك السريع، أثناء عبوره هذا “الحساء الكوني” يجب أن يترك خلفه أثرا شبيها بالموجة التي يخلفها قارب في الماء، أي اندفاع أمامي يقابله انخفاض طفيف في الكثافة خلفه، غير أن عزل هذا الأثر تجريبيا كان تحديا كبيرا بسبب صِغر النظام وتعقيد الإشارات.

بوزون “زد”.. شاهد محايد على الحدث

للتغلب على هذا التحدي، استعان الفريق بجسيم مرافق هو بوزون “زد”، أحد حاملي القوة النوية الضعيفة. ففي بعض التصادمات، ينتج كواركا عالي الطاقة وبوزون “زد” في اتجاهين متعاكسين.

وبما أن بوزون “زد” بالكاد يتفاعل مع البلازما، فإنه يغادر منطقة التصادم دون أن يتأثر، ليعمل “مؤشرا معايرا” يحدد اتجاه وطاقة الكوارك بدقة.

بهذه الطريقة تمكن الباحثون من دراسة الجسيمات المركبة “الهادرونات” المنبعثة في الاتجاه المعاكس لحركة الكوارك، بحثا عن الانخفاض المتوقع.

كانت النتيجة دقيقة للغاية، وهي تغير بنسبة أقل من 1% في كثافة الجسيمات خلف مسار الكوارك -لكنه يحمل دلالة فيزيائية عميقة.

أثر صغير.. ودلالة كونية كبيرة

هذا “الانخفاض” الطفيف يؤكد أن الكوارك ينقل جزءا من طاقته وزخمه إلى البلازما، تاركا منطقة مستنزفة خلفه، ويقدم شكل هذا الأثر وعمقه معلومات عن خصائص البلازما نفسها مثل هل تتدفق بسهولة كالماء؟ أم تحتفظ بالاضطراب زمنا أطول؟

الأهمية لا تقتصر على فيزياء الجسيمات فحسب، بل تمتد إلى علم الكونيات. فالكون في لحظاته الأولى (لمدة 280 ألف سنة) كان معتما وغير قابل للرصد المباشر بالتلسكوبات. وتجارب التصادمات الثقيلة تفتح للعلماء نافذة فريدة على تلك المرحلة الغامضة، قبل أن تبرد البلازما وتتشكل البروتونات والنيوترونات ثم الذرات لاحقا.

ويؤكد الباحثون أن هذه النتيجة ليست سوى البداية، فمع تراكم المزيد من البيانات، سيكون بالإمكان قياس هذا الأثر بدقة أعلى، مما قد يكشف مزيدا من أسرار “الحساء الكوني”، الذي انبثق منه كل ما نراه اليوم في السماء.