أفريقيا برس – موريتانيا. بعد أكثر من قرن على غرق سفينة تايتانيك، لا يزال حلم بناء سفن غير قابلة للغرق يراود المهندسين حول العالم؛ واليوم، كشف باحثون في جامعة روتشستر الأمريكية عن خطوة علمية قد تقرب هذا الهدف، عبر تطوير طريقة تجعل أنابيب معدنية عادية قادرة على الطفو بشكل دائم، حتى لو تعرضت للثقوب أو بقيت تحت الماء لفترات طويلة.
حسب الدراسة التي نشرت يوم 27 يناير/كانون الثاني في مجلة “أدفانسد فانكشنال ماتيريالز” (Advanced Functional Materials)، ابتكر الفريق البحثي تقنية لتحويل أنابيب الألمنيوم إلى أجسام غير قابلة للغرق، بفضل تعديل سطحها الداخلي.
كيف يمكن لأنبوب معدني أن يظل طافيا؟
يوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، تشونلي غو، أستاذ البصريات والفيزياء في معهد البصريات بجامعة روتشستر، أنه في الظروف العادية، يغرق المعدن سريعا عندما يتشبع بالماء أو يتعرض للتلف؛ لكن الفريق نجح في تغيير هذه القاعدة عبر معالجة سطح الأنابيب بطريقة تجعلها شديدة الكراهية للماء، أي أن الماء لا يلتصق بها بل ينزلق عنها فورا.
ولتحقيق ذلك، قام الفريق بحفر ثقوب دقيقة جدا على المستوى المجهري والنانوي داخل سطح الأنبوب، يمكن لها تغيير طبيعة السطح وتجعله طاردا للماء بشكل كبير. يقول غو في تصريحات للجزيرة نت: “عندما يدخل الأنبوب إلى الماء، لا يسمح السطح الطارد بتسلل الماء إلى داخله بسهولة، بل يحبس فقاعة هواء مستقرة داخل الأنبوب. تعمل هذه الفقاعة كدرع يمنع الأنبوب من أن يصبح مشبعا بالماء، وبالتالي يبقى طافيا بدلا من الغرق”.
ويشبه الباحثون هذه الآلية بما تفعله بعض الكائنات في الطبيعة؛ فهناك عناكب مائية تعرف بـ”عناكب جرس الغوص” تحتفظ بفقاعة هواء حول أجسامها لتبقى تحت الماء؛ كما أن النمل الناري يستطيع تشكيل طوافات عائمة في أثناء الفيضانات بفضل طبيعة جسمه الطاردة للماء.
ميزة إضافية تمنع فقدان الطفو
ولجعل التصميم أكثر استقرارا، أضاف الباحثون حاجزا صغيرا داخل منتصف الأنبوب، لضمان بقاء فقاعة الهواء محبوسة حتى إذا دفع الأنبوب عموديا إلى الماء، وهي وضعية قد تؤدي عادة إلى خروج الهواء وفقدان الطفو. يقول غو: “أضفنا قساما داخل الأنبوب بحيث تبقى الفقاعة محصورة، وحتى في الظروف الصعبة يحتفظ الأنبوب بقدرته على الطفو”. ويلفت الباحث إلى أن الفريق كان قد عرض نموذجا أوليا لأجسام طاردة للماء عام 2019، باستخدام قرصين مغلقين معا لتشكيل جسم طاف، لكن التصميم الجديد، المعتمد على الأنابيب، أكثر بساطة وصلابة.
ويشير إلى أن الأنظمة السابقة كانت قد تفقد قدرتها على الطفو إذا تعرضت للانقلاب أو لزوايا حادة، في حين أثبتت الأنابيب الجديدة أنها تتحمل ظروفا أكثر عنفا، مثل اضطرابات البحر والأمواج الشديدة. ويقول المؤلف الرئيسي للدراسة إن فريقه اختبر الأنابيب لأسابيع في بيئات قاسية دون أن تتراجع قدرتها على الطفو؛ لكن الأكثر إثارة، أن الفريق أحدث ثقوبا كبيرة ومتعددة في الأنابيب، ومع ذلك استمرت في الطفو. وأضاف أنه يمكن ثقب الأنابيب عدة مرات، ومع ذلك تظل طافية.
يرى الباحثون أن هذه التقنية لا تقتصر على المختبر، بل يمكن توسيعها بسهولة، إذ جرى اختبار أنابيب بأطوال مختلفة وصلت إلى نحو نصف متر، لكن العلماء يقولون إن التصميم قابل للتطوير إلى أحجام أكبر يمكن أن تتحمل أوزانا كبيرة. كما يمكن ربط عدة أنابيب معا لتكوين طوافات أو منصات عائمة، يمكن أن تشكل أساسا لسفن أكثر أمانا أو عوامات بحرية أو منشآت طافية تستخدم في مجالات متعددة.
ولم تتوقف التطبيقات المحتملة عند السلامة البحرية فقط، إذ أظهر الباحثون أيضا أن الطوافات المصنوعة من هذه الأنابيب يمكن استخدامها في التقاط حركة الأمواج وتحويلها إلى كهرباء، ما يفتح بابا لتطبيقات في مجال الطاقة المتجددة.





