أفريقيا برس – موريتانيا. خلال رحلة ممتدة مع العمل البحثي، كان الدكتور محمد سلامة، الأستاذ بقسم هندسة الميكاترونكس بكلية الهندسة وعلوم المواد بالجامعة الألمانية بالقاهرة، مشغولا بسؤال منطقي، ألح على ذهنه مع تعدد الأبحاث التي يجريها في مجالات مختلفة، وهو أن كل شيء يتحرك في الطبيعة بسبب فرق بين مكانين، فلماذا يوجد لكل نوع من أنواع الحركة القانون الخاص به؟
ويصف “قانون فورييه” انتقال الحرارة من المكان الساخن إلى البارد، بينما يتعلق “قانون فيك” بانتقال الكتلة من الأماكن ذات التركيز العالي إلى المنخفض، أما “قانون نيوتن” فيهتم بحركة السائل من ضغط عال إلى منخفض، ويصف “قانون أوم” انتقال الكهرباء من جهد عال إلى منخفض، وأخيرا، “قانون فاراداي” للمجالات المغناطيسية الذي يصف انتقال خطوط المجال المغناطيسي من منطقة ذات “جهد أعلى” إلى “جهد أقل”.
ورغم تباين نوع الوسط الذي تنتقل خلاله الظواهر في القوانين الخمسة، إلا أن المبدأ العام المشترك بينها واحد، وهو أن أي شيء “يتدفق” في الطبيعة بسبب فرق أو تدرج في كمية معينة، وتعتمد السرعة أو كمية التدفق على سهولة الحركة داخل الوسط، وهي الحقيقة التي أدركها الدكتور محمد، وحولها إلى قانون موحد يتعامل مع وسائط الانتقال الخمسة، وتم الإعلان عنه مؤخرا في دورية “إنترناشونال كوميونيكيشنز إن هيت آند ماس ترانسفير” (International Communications in Heat and Mass Transfer).
فما هي قصة هذا الاكتشاف؟ وكيف استقبله مجتمع البحث العلمي؟ وما هي أبرز تطبيقاته العملية؟ هذه الأسئلة وغيرها سيجيب عليها الباحث في مقابلة خاصة مع “الجزيرة نت”.
بداية سنتوقف عند عنوان الدراسة وهو “نهج جديد لصياغة ظواهر الانتقال”، إذ بدا كعنوان صادم، ربما يجعل أي دورية تفكر أكثر من مرة قبل أن توافق على قبول الدراسة للنشر؟
كنت أدرك ذلك قبل إرسال الدراسة، وكنت أعلم أنها إن قبلت للنشر، فلن تسير الأمور بسلاسة، وهذا ما حدث بالفعل، لكن في النهاية قبلت ونشرت.
ولماذا لم تسهل الأمور على نفسك، باختيار عنوان متوازن؟
نحن مثلكم كصحفيين، نحاول ونحن نضع عنوانا للدراسة، أن يكون به لمسة تشويقية جذابة، شريطة ألا يكون ذلك على حساب الدقة العلمية، وأعتقد أن عنواني حقق هذا الشرط، فأنا لم أقل فيه مبالغة لا يوجد لها دليل في الدراسة.
سيقول قائل: ومن هذا العالم من دول العالم النامي، الذي يريد إلغاء قوانين ثابتة وراسخة في العلم؟
بعيدا عن القول أني أعمل في دول العالم النامي، وهذا مردود عليه بأن جامعتي الألمانية بالقاهرة توفر لي تجهيزات لا تقل عن أي معمل في العالم، فإن السؤال المهم هو من قال أني ألغيت هذه القوانين، فهذه القوانين كما قلت في سؤالك هي قوانين ثابتة وراسخة، لكن ما فعلته في دراستي هو التوفيق بينها في قانون واحد.
هل يمكن أن تشرح لي فكرة هذا القانون؟
فكرته باختصار شديد هي أن كل شيء في الطبيعة ينتقل بسبب فرق بين نقطتين، وسرعة هذا الانتقال تحددها خصائص الوسط، سواء كانت حرارة، مادة، سائل، شحنة، أو مجال مغناطيسي، وهذا القانون باختصار هو أن ” الانتقال= معامل الانتشار× تدرج الكثافة “، والتدرج، هو الفرق بين مكانين (سواء كانت حرارة، تركيز، ضغط، جهد)، ومعامل الانتشار، هو مدى سهولة انتقال التدفق في الوسط، ووحدته (م2/ث)، ويمكن تطبيق هذه الصيغة الجديدة لنماذج النقل على أي ظاهرة نقل، مثل تدفق الحرارة، وتدفق الشحنة الكهربائية، والتدفق المغناطيسي، وانتشار الكتلة، وانتقال السوائل.
خطرت لي فكرة ذا القانون قبل سنوات طويلة، فتخصصي الرئيسي والذي كان موضوع رسالتي للماجستير والدكتوراه من جامعة “أيندهوفن للتقنية” بهولندا، هو انتقال الحرارة، ومنذ تعمقت في هذا التخصص بدأت ألاحظ، كما لاحظ آخرون غيري، أن قانون “فيك” للكتلة هو نسخة “متماثلة إلى حد ما” من قانون “فورييه”، فالأول فرق تركيز يولد تدفقا، والثاني فرق حرارة يولد تدفقا، ثم تعمقت لاحقا أثناء تدريسي لمادة “القياسات الميكانيكية” في “قانون أوم” لانتقال الكهرباء، لأن أي قياس ميكانيكي يتحول لكهرباء، وبالتالي يجب الإلمام بتفاصيل هذا القانون وتطبيقاته، لاكتشف مثل آخرين وجود درجة من التقارب بينه وبين قانوني “فيك” و”فورييه”، لكنها لا تصل للتماثل، وهنا يأتي بداية الجهد الخاص بي، حيث عملت على إعادة صياغة لقانون “أوم” لأصل لدرجة تطابق بنسبة مئة في المئة بينه وبين قانوني “فورييه” و”فيك”، وكانت هذه أول خطوة على الطريق.
وأثناء إشرافي على رسالة ماجستير لأحد الطلاب، ظهرت في تجاربنا العملية بالصدفة ظاهرة غريبة لم يكن لها من تفسير منطقي سوى أن هناك تطابقا في طريقة انتقال الشحنات الكهربائية والحرارة، ومن هنا استدعيت القانون الذي أعدت صياغته سابقا، والذي وحد قوانين الحرارة والكتلة والكهرباء، واستخدمته لتفسير الظاهرة، ونشرنا دراسة وثقنا خلالها لتلك الفكرة بدورية “ديسكفر أبلايد ساينس”، ثم شجعني ذلك على المضي قدما في هذا الطريق الذي صارت معالمه واضحة إلى حد كبير، لاسيما أن نسبة الاختلاف بين القانونين المتبقيين والقانون الذي توصلت له لتوحيد الحرارة والكهرباء والكتلة ليست كبيرة، ووفقت في النهاية لذلك، فكان هذا الإنجاز الذي تم الإعلان عنه في دورية “إنترناشونال كوميونيكيشنز إن هيت آند ماس ترانسفير”.
ولماذا اخترت هذه الدورية للإعلان عن هذا الإنجاز؟
هذه الدورية من مجلات التصنيف الأول “كيو 1” في فيزياء المواد الصلبة والميكانيكا وانتقال الحرارة، ومعامل التأثير الخاص بها يصل إلى 6.4، وهو معامل كبير بالنسبة لمجلة متخصصة في انتقال الحرارة والكتلة، ويقوم على تلك المجلة كبار علماء التخصص، ومن ثم فإن اعتمادهم لنشر الدراسة هو بمثابة انطلاقة قوية في مجتمع البحث العلمي للقانون الذي يوحد قوانين انتقال الطاقة.
وما هي التعليقات التي وصلتك من مراجعي الدورية قبل النشر؟
من الجيد طرح هذا السؤال، لأتحدث عن مفارقة لا تتكرر كثيرا، وهي أن من المعتاد عرض الدراسات قبل نشرها على 4 مراجعين كحد أقصى، لكن دراستي تم عرضها على تسعة مراجعين لمزيد من الاطمئنان لدقة ما توصلت له.
وما هي التعليقات التي وصلتك منهم؟
(يدخل إلى بريده الإلكتروني طالبا مني مراجعة ما وصله من تعليقات)، يقول وهو يشير للشاشة: باستثناء هذا المراجع، كانت كل التعليقات إيجابية وتصب في اتجاه أننا أمام اختراق في مجال التخصص مثل قول أحدهم “تقدم الدراسة مفهوما موحدا قيما لظواهر النقل”، وقول آخر “هذه الدراسة المكتوبة بأسلوب جيد تقدم تحليلا مبتكرا يوضح كيف أن أي تدفق في وسط ما يتأثر بتدرج الكثافة الحجمية لهذا التدفق، وأن ثابت التناسب هو ثابت الانتشار، ووحدته “م2/ث”، ويمكن تطبيق هذه الصيغة الجديدة لنماذج النقل على أي ظاهرة نقل، مثل تدفق الحرارة، وتدفق الشحنة، والتدفق المغناطيسي، انتشار الكتلة، مما يشير بالتالي إلى وجود تشابه كبير بين نماذج النقل المختلفة.
وأخيرا.. ما هي التطبيقات المحتملة التي يعد بها هذا الكشف؟
القانون الموحد الذي توصلت له سيساعدنا على وضع معادلة للانتقال الكهربائي على غرار معادلة انتشار الحرارة، وحتى أبسط لك الأمر، فإن “معادلة انتشار الحرارة”، والتي كانت اختراقا مهما في الخمسينيات تستطيع أن تحسب زمن انتقال الحرارة من مكان لآخر ومتى تصل الحرارة لنقطة الاتزان، لكننا لا نستطيع فعل الشيء نفسه مع الكهرباء، لأنه لا توجد معادلة تحسب لنا ذلك، لكن هذا الأمر أصبح سهلا بعد الوصول لقانون موحد لقوانين الانتقال، وهذا ستكون له تطبيقات عديدة، فعلى سبيل المثال عندما يتم توصيل سلك بسخان كهربائي، أستطيع تحديد المدة التي ستستغرقها عملية انتقال الكهرباء من السلك للسخان، وهذا سيساعد على تحسين كفاءة الأجهزة الكهربائية، وعلى مستوى أكبر نستطيع تنفيذ حسابات النقل الكهربائي بدقة عالية، فنستطيع مثلا في مصر أن نعرف بدقة شديدة مقدار الوقت المطلوب لانتقال الكهرباء من السد العالي في أسوان إلى القاهرة.
واسمح لي أن أختم في النهاية بلمسة إيمانية، بما أننا نعيش أجواء شهر رمضان الكريم، وهي أن توحيد قوانين الحركة في قانون واحد له بعد إيماني، فهو دليل علمي على وحدانية الله، لأنه يثبت أن الذي خلق هذه القوانين واحد.





