حوار سياسي بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي حول الأمن

2
حوار سياسي بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي حول الأمن
حوار سياسي بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي حول الأمن

أفريقيا برس – موريتانيا. أكدت موريتانيا والاتحاد الأوروبي «أن لقاءهما السياسي السنوي الذي انعقد يومي الخميس والجمعة بنواكشوط، كان محطة جديدة في مسار علاقة تتطور بهدوء منذ سنوات، وتزداد تشعبًا كلما تعقدت البيئة الإقليمية والدولية».

وجمعت جلسة الحوار السياسي وفدا حكوميا موريتانيا برئاسة الوزير الأول الموريتاني المختار ولد اجاي بوفد أوروبي تقوده المسؤولة الأوروبية المكلفة بإفريقيا في جهاز العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي، باتريسيا لومبارت كوساك، حيث جرى تقييم الشراكة في ظل رهانات عدة بينها السياق الإقليمي المضطرب، والتحولات في منطقة الساحل، وتزايد الضغوط الاقتصادية عالميًا.

وأكد الوزير الأول، المختار ولد اجاي، في مداخلة افتتاحية للقاء «أن حوار الشراكة بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي يشكل محطة مهمة لتعزيز التعاون وتطوير المسار المشترك بين الجانبين، معربًا عن ثقته في أن يجري التبادل في أجواء بنّاءة ومثمرة تفضي إلى نتائج عملية تعزز الشراكة الاستراتيجية القائمة.

وشدد الوزير الأول «على أن موريتانيا تظل طرفًا فاعلًا ومخلصًا لقضايا السلم والاستقرار في منطقة الساحل وما بعدها، رغم ما يطبع البيئة الإقليمية من تحديات أمنية متواصلة».

وأوضح «أن التعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجالات الأمن، والوقاية من التطرف العنيف، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، يجسد البعد الاستراتيجي للعلاقات بين الطرفين».

وفيما يتعلق بملف الهجرة، أشار الوزير الأول الموريتاني «إلى أن بلاده تواجه تحديات جسيمة مرتبطة بتدفق المهاجرين، بما في ذلك الأعداد الكبيرة من اللاجئين المقيمين في مناطق تتطلب تعبئة خاصة للموارد لضمان الوصول إلى الخدمات الأساسية».

وجدد التأكيد على التزام بلاده بإدارة منسقة ومسؤولة وإنسانية لهذا التدفق، تقوم على احترام حقوق المهاجرين وتقاسم عادل للمسؤوليات.

وأضاف أن التحديات المطروحة، خصوصًا في المناطق ذات الاحتياجات الكبيرة، تستدعي عملاً منسقًا قائمًا على المسؤولية والاحترام المتبادل، إلى جانب اعتماد مقاربة شاملة تعالج الأسباب الجذرية لهذه الإشكالات، وتدعم حلولًا مستدامة ومتوازنة تحفظ استقرار الدول والمناطق القادرة على الصمود في ظل السياق الإقليمي المتقلب.

وأوضح أن المواضيع المدرجة على جدول أعمال الحوار تتماشى مع أولويات المرحلة الراهنة، في ظل مواصلة الحكومة تنفيذ سياستها التنموية الرامية إلى تحقيق نمو مستدام، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز رأس المال البشري، وتقليص الفوارق الاجتماعية. وأكد أن دعم الشركاء في التنمية، وخاصة الاتحاد الأوروبي، يحظى بأهمية خاصة لمواكبة هذه الأولويات، لا سيما في مجالات الاستثمار، وتطوير القطاع الخاص، والانتقال الطاقوي، وتعزيز القدرة على مواجهة التغيرات المناخية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، بيّن الوزير الأول أن التنفيذ الأمثل للبرامج الحكومية يتطلب انتهاج سياسة صارمة لإدارة الميزانية، ترتكز على الشفافية، وتعزيز الحوكمة الشاملة، وتحسين فعالية العمل العمومي، ومواءمة الموارد المالية مع الأولويات الوطنية في مجال التنمية. كما لفت إلى أن محاور النقاش تنسجم مع البرنامج الاستراتيجي لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وخطته التنفيذية الممتدة حتى عام 2029، والتي تعمل الحكومة على تجسيدها على أرض الواقع.

وختم الوزير الأول بالتأكيد على أن هذا اللقاء الدوري، بما يتسم به من انتظام وعمق، يظل ركيزة محورية في مسار التعاون بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي، إذ يجسد صلابة العلاقات واستمراريتها، ويعكس تمسك الطرفين بالتشاور المنظم القائم على الثقة المتبادلة، وإرادتهما المشتركة في بناء شراكة متوازنة وموجهة نحو تحقيق نتائج ملموسة تخدم الاستقرار والتنمية المستدامة.

من جانبها، أكدت المديرة العامة لإفريقيا في هيئة العمل الخارجي الأوروبي، السيدة باتريسيا لومبارت كوساك، أن الاتحاد الأوروبي وموريتانيا يمتلكان، انطلاقًا من القيم المشتركة التي تجمعهما، القدرة على العمل سويًا للدفاع عن النظام متعدد الأطراف والمساهمة في إصلاحه، بما يجعله أكثر استجابة لمصالح أغلبية الدول، وأكثر تعزيزًا للتعاون والتشاور والعمل المشترك، في إطار يضمن إشراك جميع الأطراف وصون حقها في التعبير والتصويت.

وهنأت المسؤولة الأوروبية موريتانيا على انضمامها إلى اللجنة التوجيهية لمركز التنمية التابع لـمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، معتبرة أن هذه الخطوة من شأنها تعزيز حضور نواكشوط في الأطر متعددة الأطراف، وتمكينها من تقاسم خبرتها في مجال السياسات العمومية بصفتها فاعلًا إقليميًا محوريًا، إلى جانب الاستفادة من تبادل الخبرات والتجارب مع شركاء دوليين.

هذا وقد تطور التعاون بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي عبر السنوات الماضية، ليشمل بعدًا اقتصاديًا واستراتيجيًا أوسع من مجرد الحوار السنوي، فقد استثمر الاتحاد في مشاريع تنموية كبرى في البلد تعكس التزامه بدعم التنمية المستدامة والاستقرار في المنطقة.

ورغم عدم صدور أرقام دقيقة عن كل المشاريع، فإن شراكته مع موريتانيا تمتد إلى مجالات مثل الطاقة المتجددة، والبنى التحتية، وتحسين الحوكمة، وإدارة الهجرة بطريقة منتظمة وآمنة، في ما يعرف بـ استراتيجية «البوابة العالمية» التي يسعى الاتحاد الأوروبي من خلالها إلى تمويل مشاريع تنموية في البلدان الشريكة. وخلال الدورات السابقة، ظل هذا الحوار منصة لتقييم المسار الديمقراطي في موريتانيا، وتعزيز دولة القانون، ومناقشة ملفات الحوكمة وحقوق الإنسان، إلى جانب قضايا الأمن الإقليمي في منطقة الساحل.

ومع تصاعد التحديات الأمنية في الجوار الإقليمي، اكتسبت المباحثات بعدًا أكثر تركيزًا على مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار، في وقت سعت فيه نواكشوط إلى تثبيت موقعها كشريك موثوق في محيط مضطرب.

وتطورت الشراكة خلال السنوات الأخيرة لتتجاوز الإطار السياسي إلى تعاون عملي في مجالات الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، ودعم الإصلاحات الاقتصادية. وفي هذا السياق، برزت مبادرة «البوابة العالمية» الأوروبية كإطار تمويلي واستثماري يسعى إلى تعزيز الربط الإقليمي ودعم المشاريع الاستراتيجية في الدول الشريكة، ومن بينها موريتانيا.

وتُظهر مقارنة محاور الدورات السابقة مع الاجتماع الأخير أن جدول الأعمال حافظ على ثوابته الأساسية، مع توسيع النقاش ليشمل الإصلاحات الهيكلية وتعزيز الشفافية في إدارة المالية العامة، وربط التعاون الخارجي بالأولويات الوطنية التي يقودها الرئيس محمد ولد الغزواني ضمن برنامجه الممتد حتى عام 2029.

تعزيز الحضور الأوروبي

وبهذا المعنى، فإن الحوار السياسي بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي قد تحول إلى آلية استراتيجية لإعادة مواءمة المصالح المشتركة، في لحظة إقليمية تتسم بإعادة تشكيل التحالفات وتراجع بعض القوى الدولية عن حضورها التقليدي في الساحل، مقابل سعي أوروبي لتعزيز حضوره عبر مقاربة تمزج بين الأمن والتنمية والاستثمار طويل الأمد.

ويأتي هذا الاجتماع في وقت تتزايد فيه أهمية موريتانيا كشريك أوروبي في منطقة الساحل، في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، وانسحاب قوى دولية من بعض دولها.

ويُنظر إلى نواكشوط باعتبارها نقطة ارتكاز في مقاربة أوروبية جديدة تقوم على دعم الاستقرار عبر التنمية وتعزيز المؤسسات.

ومن المنتظر أن تفضي مخرجات الحوار إلى بلورة أولويات مشتركة للفترة المقبلة، تعزز التعاون الثنائي وتمنح الشراكة بعدًا أكثر تركيزًا على النتائج الملموسة، في ظل تقاطع المصالح بين الطرفين في مجالات الأمن والاقتصاد والطاقة والهجرة.