دعوة لمصالحة وطنية في اليوم العلمي عن الإرث الإنساني

2
دعوة لمصالحة وطنية في اليوم العلمي عن الإرث الإنساني
دعوة لمصالحة وطنية في اليوم العلمي عن الإرث الإنساني

أفريقيا برس – موريتانيا. أوصى باحثون وأكاديميون، إلى جانب فاعلين سياسيين وحقوقيين، من عدة أطياف سياسية ومجتمعية موريتانية، بإنشاء هيئة وطنية مستقلة للحقيقة والمصالحة، وفتح المجال أمام الضحايا وذويهم للتعبير الحر والمسؤول، والابتعاد عن التعميمات والثنائيات الاقصائية في تناول ملف «الإرث الإنساني»، وذلك خلال يوم علمي نظمه المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية بعنوان: «الإرث الإنساني في موريتانيا: الجذور والتحديات».

كما دعا المشاركون إلى «إطلاق حوار وطني شامل حول إشكالية الإرث الإنساني، وتخصيص أسبوع وطني تُنظم خلاله أنشطة علمية وثقافية وتوعوية، بهدف تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ ثقافة التعايش والمشترك الجامع بين مختلف مكونات المجتمع الموريتاني».

وأكد البيان الختامي لليوم العلمي على ضرورة التوثيق الرسمي لما جرى من انتهاكات خلال الفترة ما بين 1989 و1991، حمايةً للذاكرة الوطنية، وضمانًا لعدم تكرار ما حدث، مع اعتماد المرجعية الإسلامية إطارًا قيميًا جامعًا، يكفل الحقوق ويؤسس لجبر الضرر، ويجمع بين الاعتراف بما وقع دون تهويل أو إنكار.

وشدد المشاركون على أن الرهان على عامل الزمن غير مجدٍ في قضايا الذاكرة والدم، مؤكدين أن إرساء عدالة حقيقية يشكل مدخلًا أساسيًا لمصالحة وطنية صادقة، وأن المحاسبة وجبر الضرر يمثلان شرطين جوهريين للجدية وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

ويُقصد بملف «الإرث الإنساني» في موريتانيا، جملة الأحداث والانتهاكات التي عرفتها البلاد، خصوصًا خلال الفترة الممتدة بين عامي 1989 و1991، وما ارتبط بها من عمليات تهجير قسري، واعتقالات، وفصل من الوظائف، وانتهاكات طالت آلاف المواطنين، ولا تزال آثارها النفسية والاجتماعية والسياسية حاضرة في الذاكرة الجماعية.

ورغم مرور عقود على تلك الأحداث، يرى باحثون وفاعلون سياسيون أن الملف لم يُعالج معالجة شاملة ومؤسساتية، وظل حاضرًا في النقاش العمومي بوصفه أحد أبرز ملفات الذاكرة الوطنية العالقة، ما يستدعي، بحسبهم، مقاربة علمية وموضوعية تتجاوز منطق التوظيف السياسي أو الخطاب الانفعالي.

وانطلقت أشغال اليوم العلمي حول ملف الإرث الإنساني بكلمة لمدير المركز المنظم، قدّم خلالها رؤية المركز وموجهات مقاربته للموضوع، على المستويين المنهجي والعملي، محددًا الأهداف والنتائج المرجوة من هذا اللقاء العلمي.

وتوزعت أعمال اليوم إلى ثلاث جلسات علمية، أعقبتها جلسة ختامية، تناولت في مجملها إشكالية الهوية في موريتانيا، وسياقات أحداث الإرث الإنساني، وسبل المعالجة الممكنة، إضافة إلى استعراض التجارب الدولية في مجال العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

وشهدت مختلف الجلسات نقاشًا واسعًا وتفاعلًا لافتًا من طرف الحضور، حيث خلص المشاركون إلى أن إشكالية التعدد داخل الدولة الواحدة ليست خصوصية موريتانية، وأن جوهر الإشكال في الحالة الموريتانية سياسي واجتماعي واقتصادي بالدرجة الأولى، وليس ثقافيًا، وقد غذّته صراعات سياسية حادة، وضعف التنمية، واختلال العدالة الاجتماعية.

وأكد المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية أن تنظيم هذا اليوم العلمي يندرج ضمن سعيه إلى تعزيز التواصل وبناء الثقة وثقافة الاستماع المتبادل بين مختلف التيارات الفكرية والسياسية الوطنية، بمختلف مكونات المجتمع.

وأضاف البيان أن المركز يهدف كذلك إلى الوقوف على تشخيصات ومقاربات القوى السياسية والفكرية المتعددة لإشكالية الإرث الإنساني، بما يبرز نقاط الالتقاء والاختلاف، ويسهم في بلورة رؤية وطنية جامعة لمعالجة هذا الملف الحساس.

كما يسعى المركز، بحسب البيان، إلى الإسهام في خدمة ملف الإرث الإنساني من خلال جمع المعطيات الدقيقة، وتحليل الأسباب المباشرة وغير المباشرة للأحداث، وتقديم إجابة علمية وموضوعية عن السؤالين المركزيين: ماذا جرى؟ ولماذا؟ بما يمهّد لمعالجة شاملة تقوم على الحقيقة والعدالة والمصالحة.

ويأتي تنظيم هذا اليوم العلمي في توقيت بالغ الدلالة، إذ يتوازى مع التحضيرات الجارية للحوار الوطني الشامل الذي دعا إليه الرئيس محمد ولد الغزواني، وهو حوار يُنتظر أن يتناول القضايا الكبرى ذات الصلة بتماسك المجتمع ومستقبل الدولة.

ويُعدّ ملف الإرث الإنساني في مقدمة هذه القضايا، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، وأشدها ارتباطًا بقضية المصالحة الوطنية وترميم الوحدة الوطنية التي تأثرت بالأحداث التي عرفتها البلاد.

فقد ارتبط هذا الملف، في أحد أبرز تجلياته، بما تعرض له ضباط وجنود من المكون العرقي الزنجي، في سياق أحداث أعقبت اكتشاف محاولة انقلاب عسكري ضد نظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع عام 1987، وهي أحداث خلّفت جراحًا عميقة في الذاكرة الجماعية، ولا تزال انعكاساتها حاضرة في النقاش العمومي.

ومن هنا، يؤكد المشاركون أن معالجة هذا الإرث معالجة عادلة ومسؤولة، قائمة على الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، تشكل شرطًا لا غنى عنه لإنجاح أي مسار حواري جاد، ولإرساء مصالحة وطنية صادقة تُعيد الاعتبار للضحايا، وتُحصّن الوحدة الوطنية، وتؤسس لمستقبل مشترك يقوم على الثقة والإنصاف وعدم التكرار.

ويعاد إلى الأذهان أن البرلمان الموريتاني سبق أن أقر سنة 1993 قانون عفو شامل شمل ضباطًا وعسكريين وأفرادًا من الأجهزة الأمنية، على خلفية الأحداث التي شهدتها البلاد خلال الفترة ما بين 1989 و1991.

وجاء هذا القانون في سياق سياسي وأمني أعقب محاولة انقلاب عسكري ضد نظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع، وما رافقها من إجراءات أمنية واسعة.

وينص قانون العفو على وقف جميع المتابعات القضائية وإغلاق أي تحقيقات أو دعاوى تتعلق بالانتهاكات التي وقعت خلال تلك الفترة، بما في ذلك القضايا المرتبطة بالقتل خارج نطاق القضاء، والاعتقال، والتعذيب، والاختفاء، والفصل من الوظائف.

وشمل العفو مختلف الفاعلين الذين وُجهت إليهم اتهامات في تلك الأحداث، من عسكريين وأمنيين.

وأثار إقرار هذا القانون، منذ صدوره، نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والحقوقية الموريتانية، حيث اعتبرت منظمات مجتمع مدني أن العفو حال دون لجوء الضحايا وذويهم إلى القضاء الوطني للمطالبة بالتحقيق والمساءلة.

وفي المقابل، رأت السلطات آنذاك أن القانون يندرج في إطار السعي إلى تهدئة الأوضاع وطي صفحة الماضي.

وعلى الرغم من اتخاذ إجراءات لاحقة ذات طابع تصالحي، شملت تعويضات وإعادة اعتبار لبعض المتضررين، ظل ملف الأحداث المرتبطة بتلك الفترة حاضرًا في النقاش العمومي، بوصفه أحد ملفات الذاكرة الوطنية غير المحسومة.

ولا يزال قانون العفو الصادر عام 1993 يُستحضر في النقاشات المرتبطة بملف الإرث الإنساني، خصوصًا مع الدعوات المتجددة إلى الحوار الوطني الشامل، حيث يُتوقع أن يكون هذا الملف من بين القضايا المطروحة للنقاش خلال جلسات الحوار المنتظر.