آمنة جبران
أهم ما يجب معرفته
كشف ديدي ولد السالك، الباحث الموريتاني، عن تمسك موريتانيا بخيار الاتحاد المغاربي، مشيرًا إلى أهميته كخيار استراتيجي لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الاستقرار الإقليمي. كما تناول الوضع السياسي الداخلي، مؤكدًا على الاستقرار النسبي الذي تشهده البلاد في ظل رئاسة محمد ولد الشيخ الغزواني، رغم التحديات الأمنية المحيطة.
أفريقيا برس – موريتانيا. كشف ديدي ولد السالك، الباحث الموريتاني ورئيس المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية، في حوار خاص مع “أفريقيا برس”، أن “موريتانيا كانت ولا تزال من أكثر الدول تمسّكًا بخيار الاتحاد المغاربي، ليس فقط بوصفه مشروعًا سياسيًا، بل باعتباره خيارًا استراتيجيًا لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وخدمة مصالح شعوب المنطقة المغاربية.”
ولفت إلى أن “موريتانيا من أكثر الدول المغاربية حاجة إلى تفعيل هذا الاتحاد، نظرًا لكونها دولة ذات كثافة سكانية محدودة مقارنة ببقية دول المغرب العربي، وفي الوقت نفسه تمتلك ثروات طبيعية كبيرة ومتنوعة، خاصة في مجالات المعادن والصيد البحري والطاقة. غير أن استغلال هذه الثروات بشكل أمثل يتطلب إطارًا إقليميًا متكاملًا يسمح بتبادل الخبرات.”
وفيما يخص الوضع الداخلي، أشار إلى أن “المشهد السياسي الموريتاني عرف قدرًا من الاستقرار النسبي بعد وصول الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة، الذي أعلن منذ البداية عن تبنّي خيار الحوار الوطني الشامل كمدخل للتهدئة السياسية بالبلاد.”
ورأى أن “موريتانيا تعيش حالة من الاستقرار النسبي مقارنة ببقية دول منطقة الساحل، غير أن هذا الاستقرار يظل هشًّا بطبيعته، نظرًا لكون البلاد محاطة بحزام إقليمي ملتهب يتسم بدرجات عالية من عدم الاستقرار في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.”
ماهو تقييمك للمشهد السياسي الموريتاني خلال الولاية الثانية للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني؟
عرف المشهد السياسي الموريتاني قدرًا من الاستقرار النسبي بعد وصول الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة، حيث أعلن منذ البداية عن تبنّي خيار الحوار الوطني الشامل بوصفه مدخلًا لتهدئة الأوضاع السياسية والاجتماعية، ومعالجة جملة من الإشكالات البنيوية التي تواجه البلاد. وقد لقي هذا التوجه ترحيبًا واسعًا من مختلف الأطراف السياسية، التي ما تزال إلى اليوم تنتظر انطلاق هذا الحوار في صورته العملية، غير أنه لا يزال في مرحلة التحضير والإعداد، دون انتقال فعلي إلى مرحلة التنفيذ، الأمر الذي يثير تساؤلات حول آجاله ومضامينه وجدّيته.
كيف ترى توجهات السياسة الخارجية لموريتانيا خلال ولاية الرئيس الثانية، هل برأيك الوضع في الساحل أعاد رسم السياسة الخارجية للبلاد؟
على مستوى السياسة الخارجية، فإن موريتانيا تواصل السير على النهج التقليدي الذي دأبت عليه خلال العقود الماضية، والقائم على مبدأ التوازن والحياد الإيجابي، ومحاولة لعب أدوار دبلوماسية معتدلة في القضايا الإقليمية والدولية، مع التركيز على ما يخدم السلم والأمن والتعاون الدوليين، وتجنّب الانخراط في محاور أو صراعات قد تؤثر على استقرارها الداخلي أو علاقاتها الخارجية. وفيما يتعلق بالوضع الإقليمي، فإن دول منطقة الساحل تعيش أوضاعًا معقدة ومغلقة إلى حد كبير، نتيجة تراكم الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وتفاقم التهديدات المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية. وقد كانت موريتانيا فاعلًا أساسيًا في إطار مجموعة دول الساحل الخمس، غير أن تفكك هذه المجموعة أضعف بشكل ملحوظ قدرة نواكشوط على التأثير في مسارات التدخل الإقليمي والتنسيق الجماعي في قضايا الأمن والتنمية. ومع تصاعد التدهور الأمني في المنطقة، تبدو دول الساحل اليوم في حاجة ماسّة إلى دعم حقيقي وفعّال من المجتمع الدولي، ليس فقط على المستوى الأمني، بل كذلك على المستويات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية، لأن استمرار الأزمات دون حلول جذرية قد يدفع المنطقة برمتها نحو مزيد من الهشاشة وعدم الاستقرار، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الأمن الإقليمي والدولي.
إلى أي مدى نجحت موريتانيا في الحفاظ على استقرارها الأمني والسياسي وفي أن تنأى بنفسها عن صراعات النفوذ القائمة بين القوى الكبرى في منطقة الساحل والصحراء، وكيف تتعاطى مع التحديات الأمنية؟
بطبيعة الحال، تعيش موريتانيا حالة من الاستقرار النسبي مقارنة ببقية دول منطقة الساحل، غير أن هذا الاستقرار يظل هشًّا بطبيعته، نظرًا لكون البلاد محاطة بحزام إقليمي ملتهب يتسم بدرجات عالية من عدم الاستقرار في منطقة الساحل وغرب إفريقيا. فالتحديات الأمنية المتصاعدة في الدول المجاورة، وانتشار الجماعات المسلحة، وتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية، تجعل من البيئة الإقليمية المحيطة بموريتانيا بيئة ضاغطة ومقلقة على المدى المتوسط والبعيد.
ومع ذلك، تُعدّ موريتانيا من الناحية الأمنية في وضع أفضل نسبيًا من معظم دول الساحل، سواء من حيث السيطرة على المجال الترابي، أو مستوى حضور الدولة، أو قدرة الأجهزة الأمنية على احتواء التهديدات. وإذا ما تمكنت البلاد من تحقيق تحسن ملموس في أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز سياسات التنمية الشاملة، فإنها مرشّحة لأن تتحول إلى نموذج نسبي للاستقرار في منطقة الساحل، ونقطة توازن إقليمي في محيط مضطرب يتجه بشكل متزايد نحو الهشاشة وعدم اليقين.
كيف يمكن لموريتانيا صناعة استقرار إقليمي في ظل صراع النفوذ بين القوى الكبرى على ثروات إفريقيا؟
بطبيعة الحال، أصبح الحفاظ على قدر عالٍ من الاستقلالية في الظرف الدولي الراهن مسألة بالغة الصعوبة، في ظل التحولات العميقة والمتسارعة التي يشهدها النظام الدولي. فالعالم يعيش مرحلة إعادة تشكيل في موازين القوى، وصعود تنافس استراتيجي حاد بين القوى الكبرى، ما يجعل الدول المتوسطة والصغيرة، ومن بينها موريتانيا، أمام ضغوط متزايدة للانخراط في محاور أو اصطفافات دولية.
وتزداد هذه التحديات تعقيدًا بالنسبة لموريتانيا بالنظر إلى ما تمتلكه من ثروات طبيعية معتبرة، خاصة في مجال المعادن، بما في ذلك بعض المعادن النادرة التي أصبحت محل طلب عالمي متزايد في ظل التحول الطاقوي والصناعي الرقمي. كما أن موقعها الجغرافي الاستراتيجي، بوصفها حلقة وصل وجسرًا حضاريًا بين الفضاء العربي الإسلامي وإفريقيا جنوب الصحراء، يمنحها أهمية جيوسياسية متنامية في الحسابات الإقليمية والدولية.
ورغم هذه المعطيات، تحاول موريتانيا الحفاظ على نهج دبلوماسي قائم على التوازن وعدم الانحياز الصريح، وتجنّب الانجرار إلى صراعات المحاور الدولية، مستفيدة من تجربة تاريخية اتسمت بالحذر والبراغماتية في إدارة علاقاتها الخارجية. غير أن نجاح هذا الخيار يظل مشروطًا بقدرتها على بناء اقتصاد قوي ومتماسك، وتعزيز مناعتها الداخلية سياسيًا ومؤسساتيًا، بما يتيح لها تحويل ثرواتها وموقعها الجغرافي من عناصر جذب للضغوط الخارجية إلى مصادر قوة تفاوضية وسيادية.
بعد انتخاب ولد محمد التاه رئيسًا للبنك الأفريقي للتنمية في مايو الماضي، كيف يمكن لموريتانيا المساهمة في تطوير والنهوض بالتنمية في إفريقيا؟
عدّ انتخاب سيدي ولد التاه رئيسًا لمجموعة البنك الأفريقي للتنمية إنجازًا مهمًا وانتصارًا واضحًا للدبلوماسية الموريتانية على المستويين الإقليمي والدولي، لما يحمله هذا المنصب من رمزية سياسية وثقل اقتصادي داخل القارة الإفريقية وخارجها. فهذا التتويج يعكس، في جوهره، المكانة المتنامية لموريتانيا في الفضاء الإفريقي، وقدرتها على فرض حضورها داخل المؤسسات القارية الكبرى. ويُعتقد أن سيدي ولد التاه يمتلك من الخبرة والكفاءة ما يؤهله للاضطلاع بمهمة قيادة مجموعة البنك الأفريقي للتنمية في مرحلة دقيقة تمر بها القارة، وذلك بحكم مساره المهني الغني، إذ شغل سابقًا منصب وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية في موريتانيا، كما راكم تجربة معتبرة في إدارة عدد من المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، وهو ما يمنحه فهمًا عميقًا لتعقيدات الاقتصاد الإفريقي، ومتطلبات التمويل التنموي، وإشكالات الحوكمة والاستثمار. كما أن هذا الاختيار يعكس، بشكل غير مباشر، عمق انتماء موريتانيا للفضاء الإفريقي، ليس فقط جغرافيًا، بل تاريخيًا وسياسيًا وثقافيًا، وهو انتماء تعزز منذ مرحلة الرئيس المختار ولد داداه، حيث لعبت موريتانيا أدوارًا وازنة في القضايا الإفريقية وفي دعم مسارات التعاون جنوب–جنوب.
ويأتي هذا التطور في سياق دولي يتجه فيه العالم بشكل متزايد نحو إفريقيا، باعتبارها خزانًا استراتيجيًا للموارد الطبيعية، ومجالًا واسعًا للاستثمار، وسوقًا واعدة للنمو الاقتصادي المستقبلي. فالقارة الإفريقية تمتلك إمكانات اقتصادية هائلة، لكنها ما تزال تعاني من اختلالات بنيوية تتعلق بضعف البنية التحتية، ومحدودية التصنيع، وهشاشة النظم التمويلية. ومن هذا المنطلق، يُنتظر من القيادة الجديدة لمجموعة البنك الأفريقي للتنمية أن تضطلع بدور محوري في إعادة توجيه سياسات التمويل نحو مشاريع تنموية أكثر نجاعة واستدامة، وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والتحول الرقمي، ودعم الاقتصادات الإفريقية على طريق الاندماج في الاقتصاد العالمي، بما يسهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لشعوب القارة، وتحقيق نقلة نوعية في مسار التنمية الإفريقية خلال المرحلة القادمة.
كيف يمكن إحياء فرص تشكيل اتحاد مغاربي من جديد وفق تقديرك؟
يُعدّ اتحاد المغرب العربي هدفًا استراتيجيًا ومصيريًا لشعوب المنطقة المغاربية كافة، إذ تمثّل إعادة إحيائه مصلحة مشتركة للدول المغاربية في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية المتزايدة التي تواجه الإقليم. فغياب هذا الإطار التكاملـي حرم المنطقة من فرص كبرى في مجالات التنمية، والتكامل الاقتصادي، وتعزيز القدرة التفاوضية الجماعية على المستوى الدولي. وتُعدّ موريتانيا من أكثر الدول المغاربية حاجة إلى تفعيل هذا الاتحاد، نظرًا لكونها دولة ذات كثافة سكانية محدودة مقارنة ببقية دول المغرب العربي، وفي الوقت نفسه تمتلك ثروات طبيعية كبيرة ومتنوعة، خاصة في مجالات المعادن والصيد البحري والطاقة. غير أن استغلال هذه الثروات بشكل أمثل يتطلب إطارًا إقليميًا متكاملًا يسمح بتبادل الخبرات، وتكامل الأسواق، وربط البنى التحتية، وتطوير سلاسل القيمة المشتركة.
كما أن الموقع الجغرافي لموريتانيا، الذي يجعلها حلقة وصل بين المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء، يمنحها دورًا محوريًا داخل أي مشروع مغاربي تكاملي، سواء على مستوى التجارة أو الأمن أو الهجرة أو التعاون الطاقوي. ومن هذا المنطلق، فإن موريتانيا كانت ولا تزال من أكثر الدول تمسّكًا بخيار الاتحاد المغاربي، ليس فقط بوصفه مشروعًا سياسيًا، بل باعتباره خيارًا استراتيجيًا لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وخدمة مصالح شعوب المنطقة المغاربية في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو التكتلات الكبرى.


