أفريقيا برس – موريتانيا. تستعد وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) لإرسال رواد مهمة أرتميس-2 في رحلة تاريخية حول القمر، قد تجعلهم أول بشر يطلّون مباشرة على نحو 60% من الوجه البعيد للقمر، وهي مناطق لم تُرَ قط في الوقت الفعلي حتى أثناء بعثات “أبولّو”.
الانطلاق الذي كان مقررا يوم 8 فبراير/شباط 2026 تأجل مبدئيا إلى ما بين 4-11 مارس/آذار 2026 المقبل، ولن يشمل الهبوط على سطح القمر، لكن الرحلة ستمكّن الرواد الأربعة من مراقبة مناطق لم يسبق لأحد مشاهدتها عن قرب.
مراقبة جيولوجية مباشرة
تركز المهمة على “البحر الشرقي” (Mare Orientale)، وهو حوض ضخم بعرض 965 كيلومترا على حافة الوجه البعيد للقمر. موقعه جعل من الصعب جدا رؤيته من الأرض، رغم حجمه الضخم.
وبفضل مسار الرحلة وإضاءة الشمس المناسبة، قد يصل طاقم أرتميس-2 إلى أول نظرة واضحة لهذا المعلم الجيولوجي القديم والمعقد، بما في ذلك حلقاته المتعددة ومركزه المملوء بالحمم البركانية، والذي يشير إلى تأثير صدم قديم وعنيف.
وسيخصص الطاقم المكوّن من ريد وايزمان، فيكتور غلوفر، كريستينا هاموك كوش، وجيريمي هانسن، ثلاث ساعات من الرحلة للمراقبة المباشرة للقمر.
ويؤكد علماء ناسا أن العين البشرية يمكن أن تكشف عن فروق دقيقة في السطوع والملمس، ما قد يساعد في تحديد تركيبة الصخور وعمرها الجيولوجي، وهي تفاصيل قد تفوتها الأجهزة الآلية، خصوصا تحت ظروف الإضاءة المتغيرة.
وستجمع الرحلة بين المراقبة البصرية المباشرة والتصوير الفوتوغرافي والتواصل المستمر مع العلماء على الأرض لضمان الاستفادة القصوى من كل لحظة.
التدريب والتجهيز العلمي للرواد
على الرغم من أن المهمة لن تشمل الهبوط، فقد تلقى الرواد تدريبا مكثفا في الجيولوجيا القمرية، بما في ذلك تمارين محاكاة في أيسلندا لتعريفهم بالمعالم البركانية والصدمية المشابهة لتضاريس القمر.
وسيصطحبون معهم قوائم علمية وضعت من قبل الجيولوجيين، مع الحرية في استكشاف أي نقاط اهتمام يلاحظونها أثناء المرور فوق الوجه البعيد.
هذا النهج يعكس تحولا في طريقة “ناسا” لاستخدام البعثات البشرية، حيث تتيح المراقبة البشرية اكتشاف تفاصيل دقيقة قد تساعد في اختيار مواقع الهبوط والتجارب العلمية للرحلات المستقبلية.
الوجه البعيد.. سجل محفوظ لتاريخ القمر
يحتوي الوجه البعيد للقمر على سجلات جيولوجية لم تُفسدها البراكين الحديثة، بعكس الوجه القريب الذي يغطيه “الماريا” من الحمم البركانية، وهو ما محا الكثير من المعالم القديمة.
فمنذ مهمة “لونا 3” السوفياتية عام 1959 (أول مركبة صورت وجه القمر البعيد)، ظل هذا الوجه لغزا، ولم تمنح بعثات “أبولّو” سوى لمحات قصيرة غالبا في ظروف إضاءة ضعيفة.
أما رحلة “أرتميس-2” فستكسر هذا النمط، مستفيدة من مسار الطيران ونافذة الإطلاق المناسبة لرؤية أفضل للنصف المخفي، وقد تساعد في تصحيح المفاهيم العامة حول ما يُسمى (خطأً) بـ”الجانب المظلم من القمر”، الذي لا يفتقر في الواقع إلى ضوء الشمس.
ومع اقتراب موعد الرحلة، يأمل العلماء والجمهور في معاينة مباشرة لأكثر مناطق القمر غموضا، وربما إطلاق فصل جديد في فهمنا لتاريخ القمر وأصوله الجيولوجية.





