أفريقيا برس – موريتانيا. مع هلال شهر رمضان، خفتت في موريتانيا حدة التجاذبات السياسية التي طبعت الأسابيع الماضية، وتراجعت وتيرة السجالات التي كانت تملأ المنابر والتصريحات.
فقد ألقى الشهر بظلاله الروحانية على المشهد العام، فاختار كثير من الساسة أن يضعوا خلافاتهم جانباً، ولو مؤقتاً، وينخرطوا في أجواء التعبد والتقارب الاجتماعي التي تميز هذا الموسم.
وتحوّلت الأولويات من لغة الاصطفاف والاصطدام إلى خطاب أكثر هدوءاً، تتصدره الدعوات إلى التسامح ولمّ الشمل وتعزيز السلم الأهلي.
كما شهدت الساحة السياسية تراجعاً ملحوظاً في حدة الخطاب، مقابل حضور لافت للمبادرات الخيرية والأنشطة الاجتماعية التي يحرص الفاعلون السياسيون على المشاركة فيها خلال الشهر الكريم.
وبينما يرى مراقبون أن هذا الهدوء قد يكون ظرفياً ومرتبطاً بخصوصية رمضان، يعتبر آخرون أنه فرصة لإعادة بناء جسور الثقة وتهيئة مناخ أكثر إيجابية يمكن أن ينعكس لاحقاً على مسارات الحوار الوطني المرتقب والنقاشات السياسية الكبرى المنتظرة.
وكالعادة ومع إعلان ثبوت الهلال في موريتانيا، تدخل البلاد طوراً زمنياً مختلفاً تتغيّر فيه مواعيد الحركة، وتُعاد صياغة تفاصيل اليوم العادي بروح استثنائية. وليس رمضان هنا مجرد شهر في التقويم، بل حالة اجتماعية كاملة تعيد ترتيب الأولويات وتضبط الإيقاع العام على نغمة العبادة والسكينة.
في الأيام الأخيرة من شعبان، ظهرت موريتانيا وكأنها تستعد لحدث كب، فقد نشطت الأسواق وازدحمت الشوارع في العاصمة نواكشوط وغيرها من المدن، وارتفعت وتيرة التسوق، وتكاثرت القوائم المنزلية، وحرص الناس على اقتناء حاجيات الشهر من مواد غذائية ومستلزمات يومية.
لكن مع يوم الخميس أول أيام الصيام، انقلب المشهد، وخفّت الحركة صباحاً، وبدت الشوارع أكثر هدوءاً، فيما تحول النشاط إلى المساء والليل.
قبيل أذان المغرب، تتجدد الحيوية، بازدحام أمام المخابز، وحركة متسارعة في الأسواق، واستعدادات أخيرة على عجل.
وبعد الإفطار، تبدأ مرحلة جديدة من اليوم: صلاة التراويح، زيارات عائلية، ومجالس شاي تمتد حتى السحور.
تحوّل في الموائد
إذا كان المجتمع الموريتاني قد عرف تاريخياً بعادات بدوية قائمة على البساطة وقلة الوجبات، فإن المائدة الرمضانية اليوم تعكس تحوّلاً واضحاً؛ ففي الماضي، كانت الوجبات محدودة وتعتمد على اللبن والتمر وبعض الأطعمة البسيطة، في انسجام مع نمط الحياة الصحراوي. أما اليوم، فقد أصبحت مائدة الإفطار مساحة تنوع وثراء، حيث تتجاور الشوربات مع العصائر، والحلويات مع الأطباق التقليدية، في مشهد يجمع بين الموروث المحلي والتأثيرات الوافدة.
ويلاحظ تأثير المطبخ المغربي بوضوح، خصوصاً من خلال حضور «الحريرة» التي باتت طبقاً ثابتاً في كثير من البيوت، إلى جانب تنامي استخدام التوابل وطرق الطهي الحديثة.
ومع حلول شهر رمضان، برز حضور لافت للتمر الجزائري بكثافة في الأسواق الموريتانية، حيث تتصدر أصنافه المختلفة واجهات المحال التجارية ونقاط البيع في نواكشوط والولايات الداخلية.
ويقبل المستهلكون على اقتنائه لما يتمتع به من جودة وتنوع، إضافة إلى تناسب أسعاره مع القدرة الشرائية لشريحة واسعة من الأسر.
ويعزو تجار هذا الانتشار اللافت إلى سهولة التوريد عبر المعابر البرية، وتنامي المبادلات التجارية بين موريتانيا والجزائر، فضلاً عن الطلب المتزايد على التمور خلال الشهر الكريم باعتبارها مكوناً أساسياً على مائدة الإفطار.
ولا يعتبر هذا التحول مجرد تغيير في الذوق، بل إنه تحول معبر عن تطور اجتماعي واقتصادي، وعن انفتاح ثقافي جعل المائدة الرمضانية أكثر تنوعاً مما كانت عليه قبل عقود.
ومع ذلك، يبقى الشاي الموريتاني بطقوسه الخاصة حاضراً بقوة، بوصفه خاتمة شبه ثابتة لكل إفطار وسهرة.
موسم الاستغفار والتهاني
ويعتبر رمضان في موريتانيا أيضاً موسم تصالح ومراجعة للنفس، حيث يحرص كثيرون على طلب المسامحة، وتجديد صلات الرحم، وإعادة ترتيب العلاقات.
ومع التحول الرقمي، أصبحت التهاني تتدفق عبر تطبيقات التواصل، خصوصاً لـ «واتساب»، حيث تتناقل العبارات والدعوات مع صور الهلال والبطاقات الرمزية.
وفي رسالة رسمية بالمناسبة، وجّه الرئيس ولد الشيخ الغزواني، برقية تهنئة إلى الشعب هنأه فيها بحلول شهر رمضان المبارك، راجياً التوفيق لصيامه وقيامه، وأن يتقبل من الجميع صالح الأعمال.
برنامج ديني مكثف
وفي كل سنة يأخذ شهر رمضان في موريتانيا طابعاً علمياً وتعبّدياً واضحاً، إذ تُنظم محاضرات يومية يقدمها علماء وفقهاء في الجامع الكبير بالعاصمة، يتناولون فيها قضايا الصيام والفقه والسلوك.
ويتوافد المصلون على هذه الدروس، فيما يقضي كثيرون نهاراتهم في المساجد بين تلاوة القرآن وحلقات الذكر.
وعلى المستوى الإعلامي، يواكب التلفزيون الحكومي أجواء الشهر ببرامج خاصة، من بينها برنامج «محاضر وطبيب» ضمن سهرة رمضان، الذي يجمع بين الطابع الاجتماعي والتوعوي، ويستقطب جمهوراً واسعاً بعد الإفطار.
الثلاث «عشريات»
ويحتفظ الموريتانيون بتقسيم طريف للشهر إلى ثلاث مراحل؛ فالعشرة الأولى تُسمى «عشرية الخيل» لسرعة انقضائها، والثانية «عشرية الإبل» لاعتدال إيقاعها، أما الأخيرة فهي «عشرية الحمير» لبُطئها، إذ يشعر الناس بثقل الفراق واقتراب نهاية الموسم الروحي.
بهذا المعنى، يبدو رمضان في موريتانيا زمناً مختلفاً، تتغير فيه العادات اليومية، وتزدهر فيه المائدة كما تزدهر المساجد، وتعلو فيه قيمة الصفح والتواصل.
إنه شهر يعيد للمجتمع توازنه، ويمنحه فرصة سنوية للتأمل والتقارب، قبل أن تعود عقارب الساعة إلى إيقاعها المعتاد مع إعلان العيد.





