أفريقيا برس – موريتانيا. صدر كتاب “موريتاني في بلاد فارس.. معالم وحكايات” للكاتب الصحفي والمراسل الصحفي الدولي محمد عبد الله ممين في طبعتين، إحداهما في باريس والأخرى في القاهرة. النخبة الثقافية ستحتفي بتوقيعه في نواكشوط بعد أيام قليلة.
وقد قدم الكتاب الصحفي السوري المخضرم والمرجع الإعلامي المعروف الدكتور رياض معسعس، الذي شارك المؤلف بعض ملامح تجربتة في طهران.
والكاتب الصحفي محمد عبد الله ممين أحد أشهر الصحفيين الموريتانيين والعرب وعرف بعمله المهني في أبرز الفضائيات العالمية، وتميز بتغطيته لحروب وأحداث سياسية ساخنة في مختلف قارات العالم.
ويقع هذا الكتاب في 380 صفحة، وهو ثمرة إقامة مديدة وتجربة صحفية فريدة عاشها الصحفي الموريتاني محمد عبد الله ممين في إيران بين عامَي 2003 و2015، حين كان مقيمًا بها ومراسلًا متجولًا لقناة العالم. غير أن الكتاب يتجاوز الذاكرة المهنية محاولا الارتقاء إلى مصافّ أدب الرحلات، مستلهمًاروح أعلام هذا الجنس الأدبي من ابن بطوطة إلى ابن جبير، مُضيفًا إليه نَفَسًا عصريًا ومنظورًا إفريقيًا/موريتانيًا نادرالحضور في المكتبة العربية المعاصرة.
يأخذ الكتاب القارئ في رحلة عبر المدن الإيرانية الكبرى: طهران، ونيشابور، وهمدان، وشيراز، وأصفهان، وقم، وتبريز، وكاشان، لا كمسافر عابر يلتقط الصور، بل كشاهد عاش في قلب هذه الأمكنة وخالط ناسها، وشارك في أفراحها ومناسباتها الأهلية، وتردّد على أسواقها ومطاعمها ومساجدها، معرّفا بالعلماء والأدباء، وشخصيات التاريخ الإيراني، من ابن سينا والهمداني، والخيام، وحافظ الشيرازي وسعدي.. كاشفا عن التشابكات اللغوية والحضارية بين الثقافتين العربية والفارسية.
وهكذا يقدم الكتاب وصفا للكثير من محطات التاريخ و معالم الجغرافيا، معرجا على الأدب والفن، والسياسة والدين، المذهب والحزب..
– يتحدث الكاتب عن ثقافة الفرس وآدابهم، عن شعرائهم وأدبائهم، عن متصوفتهم وفلاسفتهم.
– يبين الكتاب موقف الكاتب من ثقافة أهل البلد، واصفا، لا معاديا لهم، ولا متعاطفا مع مذهبهم الديني.
– يحاور الكاتب مكونات المجتمع من رؤساء، ووزراء، من رجال دين وعلماء، من فلاسفة وشعراء، من متصوفة وفقهاء، من سائقي سيارات أجرة وعمال فنادق. كما كانت له وقفات مع زملائه الإعلامين الذين شاركوه مساره المهني، وواكبوا مسيرته عن كثب.
وقد يلاحظ في هذا العمل ارتباط الكاتب الوثيق بوطنه، حضارة وتاريخا، ثقافة وأدبا عادات وتقاليد، فولكلورا شعبيا وروايات شفهيةً، فموريتانيا أو بلاد شنقيط حاضرة في كل النص حنينا وشوقا، وذكرا، مقارنة واستحضارا، مع شيء من الاعتزاز بما تمثله ثقافته تجاه ثقافة الآخر.
التوثيق المقارن: إذ لا تنفكّ صفحاته تُقارن بين الموروث الحضاري الفارسي ونظيره الموريتاني والعربي، في مسعى من الكاتب لمنح كتابه عمقا أنثروبولوجيا، يضع الثقافتين في حوار متكافئ الأطراف.
قدم للكتاب الدكتور رياض معسعس، وهو خريج جامعة السربون والمدير السابق لتلفزيون يورونيوز، والذي تقاسم مع المؤلف الكثير من تجاربه في قاعات التحرير بطهران وبعض الرحلات والمغامرات فى مدن ايران. يقول في مقدمة الكتاب إن المؤلف “يبدع في الوصف، صحفي يحمل نكهة أدبية واضحة يتحلى بها كخريج آداب”.
الموضوعية والتوازن: حاول الكتاب أن لا يقتصر على إبراز جماليات الحضارة الفارسية، بل كذلك أن لا يخفي نقائص هذا المجتمع و التنبيه الدقيق لمواطن الخلاف، و علامات التوتر الحضاري بين الفرس والعرب، بما يجعل الكتاب شهادة تتوخى الأمانة، بعيدا عن الدعاية أو مجاملة.
جدوى هذا العمل وأهميته البحثية:
تكتسب هذه المادة أهميتها من جهتين: أما الأولى فهي أن الحضارة الفارسية كثيرا ما تُقرأ من خلال المنظور السياسي أوالنزاع المذهبي، وهذا الكتاب يُقدّم -أولا، شهادة معاصرة ناطقة بالعربية تُعيد الاعتبار إلى الثراء الحضاري والإنساني لبلاد فارس التاريخية بعيدا عن الصور النمطية التى رسمها الإعلام الغربي.
– وأما الثانية فهي أن الصوت الموريتاني-الإفريقي الذي يحمله المؤلف يُضيف أبعادا أخرى بملمح مقارنة غير مسبوقة في أدب الرحلات الإيرانية، إذ يضع القارئَ أمام مرآة مزدوجة يكتشف فيها الفارسيَّ من خلال البدوي الصحراوي، والتقاطعَ الإنساني بين حضارتين متاباعدتين جغرافيًا، متقاربتين في جوهر روحهما.
– كما يأتي الكتاب في سياق عالمي يتزايد فيه الاهتمام بايران؛ وبأدب الرحلات الجامع بين التوثيق الثقافي والسرد الأدبي، وهو جنس يحظى بالمزيد من اهتمام القراء و المتابعين ويسدّ ثغرة في المكتبة العربية المعاصرة التي تفتقر إلى الصوت الموريتاني الذي يتأمّل العالم ويكتب عنه. مع محاولة توخي مستوى مقبول من التعمق والشمول.
يستعرض الفصل الأول، «الطريق إلى بلاد فارس»، رحلة الكاتب إلى إيران، فيما يخصص الفصل الثاني للحياة والعمل وعثرات البدايات. ويتناول الفصل الثالث التغطيات الإخبارية، بأسلوب سردي كذلك وبأسلوب أدبي كذلك يعرّف الرابع القارئ بمعالم العاصمة طهران ويومياتها. ويُفرد الفصل الخامس للعادات والأعياد الإيرانية.
أما الفصل السادس فيأخذ القارئ في جولة عبر المدن السياحية والتاريخية، من رشت إلى تبريز، مرورًا بنيشابور وهمدان وشيراز وأصفهان. ويقدّم الفصل السابع لمحة عن الأدب والصحافة والسينما.
وفي الفصل الثامن، «وجوه طهران الخفية»، يرصد الكاتب بأسلوب سردي التفاوت الطبقي كما عايشه في العاصمة. ويختتم الفصل التاسع بعرض الدروس والخبرات التي اكتسبها خلال رحلته.
ويعتمد الكتاب منهجًا متعدد المستويات يجمع بين:
الاعتماد على المشاهدة المباشرة والتوثيق الميداني: إذ ارتكز المؤلف على ملاحظاته الشخصية التي دوّنها أثناء إقامته في المجال، مؤمنًا بأن “الكتابة الصادقة لا تستغني عن المعايشة المباشرة”، فلم يكتب إلا عما عاشه بنفسه ورآه بعينيه.
وكان المنهج الوصفي ممزوجا بمنهج تأريخي للثقافة بمعناها الشامل، مع عدم إهمال كل من الاستقراء والاستنباط، هي الضابط لمنهج الكتاب.
أما في ما يتعلق بتاريخ الأعلام والمعالم، وغير ذلك من التاريخ الإيراني فقد اعتمد الكتاب في إحالته التي يزيد عددها على المائة على أكثر من ثلاثين من المصادر الأكاديمية الرصينة التي قدمت قراءة متكاملة لهذا التاريخ وتحولاته السياسية والاجتماعية والثقافية،
وفي المحصلة، يقدّم هذا العمل شهادة حيّة تجمع بين المعايشة و المقارنة، وقد يكتسب قيمته من زاويته الموريتانية التي تضيف بعدًا جديدًا لأدب الرحلات، وإسهامًا في فهم الآخر بعيدًا عن الصور النمطية.





