أفريقيا برس – موريتانيا. وضعت موريتانيا قدمها على طريق إنتاج طاقة نظيفة تتجاوز فكرة «مشروع حكومي» نحو «تحول وطني واعد» وذلك بتنفيذ مشروع إنشاء عشر محطات للطاقة الشمسية مجهزة بوحدات تخزين ممول بقرض فرنسي ميسر بقيمة 39.2 مليون يورو.
وليست الاتفاقية، التي وقعها عن موريتانيا عبد الله سليمان الشيخ سيديا وزير الاقتصاد وعن فرنسا الوزير الفرنسي المكلّف بالتجارة الخارجية نيكولاس فوريسييه، مجرد قرض جديد يدخل في رصيد التعاون الثنائي، بل هي، وفق خبراء الطاقات المتجددة، محطة مفصلية في مسار الانتقال إلى منظومة كهربائية تعتمد الشمس كمحرك أساسي للنمو.
ومن الناحية العملية، ووفقا لخبراء في المجال، فإن مشروع إنشاء المحطات الجهوية العشر المجهزة بوحدات تخزين يعني شيئاً أكبر من توليد الكهرباء، فهو إعادة لتوزيع الضوء، فمن خلاله تسعى موريتانيا لتقليص الفجوة التاريخية بين الحواضر والمناطق الريفية التي ظلت لسنوات محرومة من الطاقة.
وأكد الوزير الموريتاني عبد الله سليمان في كلمة بمناسبة إمضاء الاتفاقية، أن التمويل الجديد سوف «يُسَرّعُ إيقاع التحول الطاقوي» ضمن خارطة طريق تستهدف توسيع العرض الكهربائي عبر مشاريع هيكلية تم رصد ميزانيات معتبرة لها؛ وهو ما يتقاطع، حسب تعبيره، مع رؤية حكومية تريد جعل الطاقة المتجددة أحد أعمدة النمو الاقتصادي ومصدراً أساسياً لتحسين جودة حياة المواطنين.
اللافت في خطاب وزير الاقتصاد الموريتاني، هو التأكيد على أن موريتانيا تمتلك موارد هائلة من الطاقة الشمسية والرياح، لكنها ما تزال غير مستغلة بالشكل الكافي، في وقت يتزايد فيه الطلب على الكهرباء، خصوصاً مع دخول صناعات جديدة ومشاريع كبرى في مجالات المعادن والهيدروجين الأخضر.
وتحدث الوزير الفرنسي عن كون توقيع هذه الاتفاقية يُصادف أول زيارة له لإفريقيا، مشدداً على دعم بلاده لموريتانيا وعلى قوة الشراكة التي أصبحت تشمل قطاعات متنوعة: من التعليم والتكوين المهني إلى الأمن الغذائي والصحة والطاقة.
ويجري النظر إلى الاتفاقية الجديدة باعتبارها استمراراً لشراكة طويلة بين موريتانيا وفرنسا في مجالات البنية التحتية والطاقة والتنمية، مع توجه مشترك نحو دعم الاقتصاد الأخضر.
وكشف القائمون على القطاع أن الاستثمارات الحالية في خطوط الجهد العالي والربط الإقليمي وتوسيع شبكات التوزيع، إضافة إلى فتح الباب تدريجياً أمام القطاع الخاص، ساهمت في إيصال التغطية الكهربائية إلى أكثر من 50 في المئة من مدن وقرى موريتانيا، وهي خطوة مهمة نحو تحقيق الهدف الأممي المتعلق بالطاقة النظيفة والمتاحة للجميع.
لكن يبدو في هذا المشروع تحديداً، أن باريس تراهن على شيء أكبر من مجرد تعاون مالي، بل أن تضع يدها في واحدة من أكثر الساحات الطاقوية الواعدة في المنطقة في مجال التحول الطاقي في الساحل، حيث تتحول الشمس من مجرد واقع مناخي قاسٍ إلى فرصة اقتصادية استراتيجية.
ويحمل هذا المشروع بين السطور، رسالة واضحة مفادها أن موريتانيا تريد أن تتحول من بلد يستهلك الكهرباء إلى بلد ينتج الطاقة النظيفة بكفاءة ويُصدّر الفائض مستقبلاً، خصوصاً مع مشاريع الهيدروجين الأخضر والربط القاري.
أما هذه المحطات العشر، فليست، حسب مسؤولي قطاع الاقتصاد الموريتاني، سوى البداية في مسيرة طويلة تستهدف تحويل الشمس إلى ركن من الأمن الوطني، لا مجرد ظاهرة فوق رؤوس الناس.
ويأتي هذا التمويل في لحظة تشهد فيها موريتانيا تسريعاً غير مسبوق لمشاريع الطاقة النظيفة، حيث تعمل الحكومة على تعزيز قدرة البلاد على إنتاج كهرباء مستقرة ومنخفضة التكلفة، بما يتلاءم مع الطلب المتزايد وتوسّع المدن وتطور الأنشطة الاقتصادية. ويتوقع أن تسهم المحطات الشمسية المزودة بأنظمة التخزين في تحسين أداء الشبكة الوطنية والحدّ من الانقطاعات، خصوصاً في الولايات الداخلية التي تعتمد حالياً على مصادر طاقة محدودة.
ويشير خبراء في مجال الطاقة المتجددة إلى أن موريتانيا تمتلك واحداً من أكبر المخزونات الطبيعية غير المستغلة من الطاقة الشمسية والريحية في المنطقة، وهو ما يجعلها مؤهلة لتكون مركزاً إقليمياً للطاقة الخضراء خلال السنوات المقبلة. ويؤكد المختصون أن آلاف الهكتارات المتاحة في الأراضي الموريتانية يمكن أن تستوعب مشاريع واسعة النطاق، قادرة على إنتاج كميات كبيرة من الكهرباء النظيفة وتلبية احتياجات التنمية الوطنية.
كما ينسجم هذا التمويل مع اهتمام متزايد من مؤسسات دولية بدعم مشاريع الطاقة المتجددة في موريتانيا، بما في ذلك المبادرات المرتبطة بالهيدروجين الأخضر ومزارع الرياح الساحلية.
ويرى متخصصون أن التوسع في إنتاج الكهرباء النظيفة يمثل خطوة تمهيدية مهمة للمشاريع العملاقة التي أعلنتها موريتانيا في مجال الهيدروجين الأخضر، إذ تحتاج هذه المشاريع إلى بنية تحتية قوية وطاقة متجددة بتكلفة تنافسية.
ومن شأن هذه التطورات أن تعزز موقع موريتانيا ضمن الدول المرشحة للعب دور محوري في سوق الطاقة الخالية من الانبعاثات خلال العقد القادم.





