الزراعة في موريتانيا.. هل تنهي “الأرض” كابوس البطالة بين الشباب؟

1
الزراعة في موريتانيا.. هل تنهي “الأرض” كابوس البطالة بين الشباب؟
الزراعة في موريتانيا.. هل تنهي “الأرض” كابوس البطالة بين الشباب؟

محمد الهادي

أفريقيا برس – موريتانيا. تواجه فئة الشباب في موريتانيا خيارات متباينة بين واقع البطالة في المدن الكبرى وضغوط غلاء المعيشة، وبين التوجه نحو قطاع الزراعة كأحد الحلول المقترحة لتوفير فرص العمل. وفي ظل البرامج المتزايدة، برز قطاع الزراعة مؤخراً كوجهة بديلة لآلاف الخريجين، في محاولة لربط “جيل الشهادات” بالإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الوظائف المكتبية المحدودة.

مبادرات لدمج الشباب

أطلقت الحكومة الموريتانية خلال عام 2024 مشروعاً نموذجياً يسعى لخلق 200 فرصة عمل دائمة في قطاع الزراعة، منها 87 فرصة مخصصة لحملة الشهادات الباحثين عن عمل، عبر استغلال 650 هكتاراً لإنتاج الأرز في مناطق “اركيز” و”امبخجك”. هذا التوجه الرسمي تعزز بفتح آفاق “الهجرة الشرعية” المنظمة؛ حيث أطلقت السلطات بالتعاون مع إسبانيا برنامجاً لاكتتاب عمال زراعيين للعمل في المزارع الإسبانية وفق معايير دقيقة، وهي خطوة تهدف إلى إكساب الشباب خبرات دولية في التقنيات الزراعية الحديثة قبل نقلها للداخل الموريتاني، بالتوازي مع جهود الحد من الهجرة غير الشرعية التي سجلت مستويات قياسية هذا العام.

وفي إطار تعاون منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) مع وزارة الزراعة الموريتانية، استفاد 200 شاب من النساء والرجال في المنطقة من فرص توظيف قصير الأجل عبر اتفاق مع “مركز تدريب المنتجين في الريف”، وهي برامج تهدف لمعالجة واقع صعب؛ حيث يُقدّر أن نحو 40% من السكان تتراوح أعمارهم بين 15 و35 سنة، ونسبة كبيرة منهم خارج دوائر العمل والدراسة، مما يجعل من هذه المبادرات إحدى وسائل البقاء في البيئة الأصلية وتقليل ضغط الهجرة نحو الخارج.

تجارب ميدانية من “اترارزة”

على ضفاف النهر، تبرز ملامح تحول فكري يقوده الشباب؛ حيث يروي محمد، وهو خريج جامعي في الاقتصاد واللغة الإنجليزية بات يمتلك ويدير مزرعته الخاصة، أن دخول أصحاب الشهادات أحدث “طفرة” في الإنتاج، وساهم في تحويل الزراعة من “مهنة محتقرة” إلى وجهة محترمة ذات دخل مجزٍ. ويؤكد محمد أن تجربة ملكية الأرض والعمل الحر مكنت الخريجين من الاحتكاك بالمزارعين التقليديين واكتساب خبراتهم الميدانية، مشيراً إلى أن رؤية الشباب لزملائهم في الحقول والملكيات الخاصة باتت تشكل أكبر حافز للالتحاق بالقطاع.

ويضيف محمد أن الفوائد الاقتصادية لمزرعته والمزارع المجاورة امتدت لتشمل الفئات الهشة والساكنة المحلية؛ إذ يرتاد أصحاب العربات والنساء المعيلات لأسرهن المزارع لجمع “الأعشاب الطفيلية” المصاحبة للأرز واستخدامها كأعلاف أو بيعها في أسواق المدينة، مما خلق مصادر دخل إضافية لهؤلاء.

وفي تصريح لـ “صحراء ميديا”، أكد سيد أحمد ولد محمد، رئيس مكتب حملة الشهادات المزارعين في مزرعة “امبورية”، أن الحكومة انتهجت في السنوات الأخيرة سياسة دمج حملة الشهادات في القطاع الزراعي، واصفاً إياها بـ “التجربة الرائدة التي خلقت فرص عمل كثيرة للشباب”.

من جهته، ينقل مراسل “صحراء ميديا” في مدينة روصو ملامح أخرى من هذا الحراك، مشيراً إلى أن الاستصلاحات الزراعية لم تقتصر على حملة الشهادات، بل شملت فئة “المؤجرين” من المزارعين التقليديين الذين منحتهم الحكومة مساحات أرضية تشجيعاً لهم على الإنتاج. ويضيف المراسل أن الانتعاش الزراعي وفر فرص عمل موازية في مصانع تقشير الأرز، التي بدأت تستقطب أعداداً متزايدة من اليد العاملة الشابة في المنطقة.

معوقات هيكلية

رغم هذا الزخم، يواجه المزارعون تحديات جسيمة تضع استدامة هذه المشاريع على المحك؛ حيث أجمع المزارعون الذين تحدثوا لـ “صحراء ميديا” على أن “إشكالية التسويق” تظل العائق الأكبر، إذ يجد المنتجون الشباب صعوبة بالغة في تصريف محاصيلهم بأسعار تنافسية تضمن لهم الاستمرار وتغطية التكاليف.

وينضاف إلى أزمة التسويق عوائق فنية وهيكلية أخرى، وصفها البعض بـ “المستعصية” وفي مقدمتها مشكلة جودة وتوفر البذور، فضلاً عن محدودية الوصول إلى التمويل البنكي وتعقيد أنظمة ملكية الأراضي التي تجعل من الصعب على الشباب الحصول على قروض لاعتبارهم “فئة عالية المخاطر”.

الدرس السنغالي.. بصيص أمل من قلب “الغبار”

هذا التحول في موريتانيا يتقاطع مع سياق إقليمي في الجارة السنغال؛ ففي حديثه لوكالة “أسوشيتد برس” (AP)، يروي المزارع السنغالي فيلي مانغاسا (33 عاماً)، الحاصل على ماجستير في علم الجريمة، كيف غادر العاصمة داكار عائداً إلى قريته لاستغلال خبرة أجداده في كسب رزقه من الأرض.

ويحقق مانغاسا الآن ربحاً يقارب 3500 دولار سنوياً، وهو دخل يفوق متوسط الرواتب في المدن السنغالية التي تستنزفها تكاليف السكن المرتفعة، مما يجعل من الأرض بديلاً واقعياً للهجرة. وتؤكد هذه التجارب، العابرة للحدود على ضفتي النهر، قناعة متزايدة لدى دول المنطقة بأن “الأرض” قد تشكل ملاذاً للشباب، شريطة تجاوز العقبات الهيكلية وتوفير الدعم المستمر لضمان تحويل هذا الخيار إلى استثمار مهني مستدام.