جدل حول رفع دعم المحروقات في موريتانيا وتحذيرات من التضخم

1
جدل حول رفع دعم المحروقات في موريتانيا وتحذيرات من التضخم
جدل حول رفع دعم المحروقات في موريتانيا وتحذيرات من التضخم

أفريقيا برس – موريتانيا. في خضم جدل متصاعد حول تداعيات القرار الذي اتخذته الحكومة الموريتانية مؤخراً بخصوص إلغاء الدعم العمومي للمحروقات، حذّر المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية في ورقة بحثية قوبلت باهتمام كبير في أوساط الرأي العام الموريتاني، من تداعيات اجتماعية واقتصادية واسعة قد تترتب على هذا التوجه، في وقت تتباين فيه المواقف بين الحكومة والمعارضة بشأن جدوى القرار وتوقيته وآليات تنفيذه.

وأوضحت الورقة البحثية التي أعدّها خبراء وحدة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بالمركز تحت عنوان «تحرير أسعار المحروقات: المعالم والأثر ومتطلبات النجاح»، أن رفع دعم المحروقات يطلق «متوالية تضخمية» تبدأ بارتفاع كلفة النقل، قبل أن تنعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، وهو ما يجعل العبء الحقيقي، في نهاية المطاف، واقعًا على المستهلك النهائي، خصوصًا الفئات ذات الدخل المحدود.

ونبّهت الدراسة إلى أن الارتفاع المحتمل في أسعار الطاقة لا يقتصر أثره على تدهور القدرة الشرائية للفئات الفقيرة أصلًا، بل يمتد إلى دفع شرائح اجتماعية جديدة إلى دائرة الهشاشة والاحتياج، بما يعني زيادة معدلات الفقر واتساع رقعته.

واعتبر معدو الدراسة أن هذا البعد الاجتماعي يمثل «الأكثر حساسية وخطورة» ضمن مسار إصلاح منظومة التسعير، نظرًا للتشابك العميق بين كلفة الطاقة وأسعار مجمل السلع والخدمات، ولا سيما الأساسية منها. وفي هذا السياق، شددت الورقة على أن الدولة، بحكم دورها الاجتماعي، تتحمّل مسؤولية حماية المواطنين من الانزلاق إلى الفقر، معتبرة أن هذا الدور يُعدّ أحد المصارف الأساسية للموارد العمومية وأحد المبررات الجوهرية لتدخل الدولة في السوق.

لكن معدي الورقة البحثية أقروا في الوقت ذاته، بأن نظام دعم المحروقات في صيغته الحالية غير قابل للاستدامة، خاصة في بلد يعاني عجزًا مزمنًا في الموارد الميزانية، ويواجه أولويات إنفاق ملحّة في قطاعات حيوية، مثل: التعليم والصحة والبنية التحتية.

وبيّنت الدراسة أن استمرار توجيه موارد عمومية معتبرة لدعم أسعار الطاقة يحدّ من قدرة الدولة على الاستجابة لتلك الاحتياجات الأساسية، ما يجعل الإصلاح، رغم وجاهته من الزاوية الميزانوية، إصلاحًا عالي الكلفة على المستويات الاجتماعية وحتى الاقتصادية، خصوصًا في ظل تشوّهات بنيوية أفقدت منظومة الدعم أهدافها الأصلية.

وربطت الورقة نجاح أي تحول في هذا المجال بجملة شروط، من بينها جاهزية السوق المحلية، وفعالية سلطة التنظيم، وتعزيز البنية التحتية التخزينية، وضمان شفافية مكوّنات السعر، مشيرة إلى أن الظرف السعري الدولي قد يبدو مؤاتيًا تقنيًا، لكنه لا يكفي وحده لضمان انتقال سلس وآمن إلى مرحلة إلغاء الدعم.

وفي سياق متصل، عبّر حمادي ولد سيد المختار، رئيس حزب التجمع الوطني المعارض، (محسوب على الإخوان) عن مخاوف حزبه من أن يكون قرار رفع الدعم قد اتُّخذ دون دراسة كافية، أو فُرض على موريتانيا من قبل هيئات دولية.

واعتبر أن ما وُصف بدعاية رسمية حول مطالبة المعارضة بتحرير الأسعار «مغالطة»، موضحًا أن المبدأ المعمول به عالميًا يقوم على دعم الدولة للمحروقات في حالة ارتفاع أسعارها، وتركها لقوى السوق في حالة الانخفاض.

واتهم ولد سيد المختار الحكومة، خلال السنوات الماضية، باستخدام ملف المحروقات وسيلة للتربح، إذ لم تُخفض الأسعار عندما كانت منخفضة عالميًا، ما أدى – بحسب تعبيره – إلى تحميل المواطنين أعباء إضافية، قبل أن يُتركوا اليوم وحدهم لمواجهة تقلبات السوق.

وشدّد ولد سيدي المختار على أن مسؤولية الدولة هي حماية المواطنين، معتبرًا أن بقاء الدعم ضروري في حالة الارتفاع، مع تمكين المواطن من الاستفادة من الانخفاضات عندما تحدث.

وتساءل رئيس الحزب عن وجاهة الرهان على انخفاض أسعار الطاقة في عام 2026، في ظل ما وصفه بعالم شديد التقلب، يشهد أزمات دولية حادة وصراعات غير قابلة للتنبؤ، مؤكدًا أن الدولة إذا أرادت خدمة المواطن فعليها أن تحافظ على دعم المحروقات عند ارتفاع أسعارها.

وكانت الحكومة قد أجازت، في السابع من يناير الجاري، مرسومًا يُلغي الدعم العمومي في مجال المحروقات، ويُدخل إصلاحات جديدة على آلية تحديد الأسعار. ويقضي المرسوم بإلغاء وحلول مرسوم 2014-067 الصادر في 27 أيار / مايو 2014، الذي كان يحدد عناصر هيكل أسعار المواد النفطية السائلة.

ووفق بيان صادر عن مجلس الوزراء، فإن الآلية السابقة كانت تقوم على التحديد المسبق لسعر المحروقات عند المضخة، مع تحمّل الدولة أو استفادتها من الفارق مقارنة بسعر التكلفة.

ومع الارتفاع الذي شهدته أسعار الطاقة في السنوات الأخيرة، تحملت الدولة مبالغ معتبرة للحفاظ على الأسعار عند مستويات ثابتة (500 أوقية قديمة للتر الديزل أي 1.28 دولار، و566 أوقية قديمة حوالي 1.45 دولار للتر البنزين).

وأضاف البيان أن توقعات أسعار الطاقة لسنة 2026 تشير إلى انخفاض عام، وهو ما دفع الحكومة إلى اعتماد آلية جديدة تسمح باستفادة المواطن من هذا الانخفاض، بدل بقاء الفارق الإيجابي لصالح الخزينة العامة، كما ينص الإصلاح على استحداث آلية تدخل في حال ارتفاع الأسعار مستقبلًا.

وفيما يتعلق بالغاز المنزلي، أكدت الحكومة أن آلية تسعيره ستبقى دون تغيير، نظرًا لعدم توقع تقلبات قد تجعل فارق السعر إيجابيًا، مشيرة إلى أن كلفة دعم هذه المادة بلغت 1.4 مليار أوقية جديدة سنة 2024، و1.3 مليار أوقية جديدة خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025.

وبين تحذيرات الباحثين، واعتراضات المعارضة، وتأكيدات الحكومة، يبقى ملف تحرير أسعار المحروقات اليوم أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد الاقتصادي والاجتماعي الموريتاني، لما يحمله من رهانات مالية واجتماعية وسياسية متداخلة.