أفريقيا برس – موريتانيا. يتواصل في موريتانيا الجدل القديم المتجدد حول ملف الرق، الذي لا يكاد يخفت حتى يعود للاشتعال من جديد، وهو الجدل المشتعل بين اتجاهين متباينين: أحدهما يرى أن الرق كممارسة قانونية لم يعد موجوداً، وأن ما يُرصد اليوم لا يتجاوز كونه آثاراً اجتماعية واقتصادية لتاريخ طويل من الاستعباد، واتجاه آخر يعتبر أن الممارسة ما تزال كامنة في بعض البُنى الاجتماعية، وإن اتخذت أشكالاً أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً.
في هذا السياق المشحون، تؤكد الحكومة أنها استوفت ما يلزم قانونياً ومؤسسياً لمكافحة الظاهرة، بدءاً من تجريم العبودية بنصوص قانونية مشددة، مروراً بإنشاء محاكم متخصصة في جرائم الرق والاتجار بالأشخاص، وصولاً إلى إطلاق برامج اجتماعية واسعة عبر وكالة تآزر الحكومية، التي تقول السلطات إنها تعمل على دمج الأرقاء السابقين وتحسين ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، من خلال مشاريع دعم وتمويل وتمكين موجهة للفئات الهشة.
غير أن هذا السجال عاد بقوة إلى الواجهة مؤخراً، عقب إعلان حركة «إيرا» غير الحكومية الناشطة في مجال محاربة الرق، عما وصفته برصد حالة استغلال استرقاقي لقاصر في نواكشوط، وهي المزاعم التي انتشرت سريعاً على وسائل التواصل الاجتماعي وأثارت موجة تفاعل واسعة.
وسارعت النيابة العامة، في بيان نشرته وزارة العدل الموريتانية، إلى توضيح ملابسات القضية، مؤكدة فتح تحقيق ابتدائي فور تلقي الإشعار، والاستماع إلى الأطراف المعنية والشهود، قبل أن تعلن، استناداً إلى نتائج البحث، انتفاء أركان الجريمة وحفظ المسطرة.
وشدد البيان الرسمي في الوقت ذاته على أن جرائم الاستعباد من أخطر الجرائم الماسة بكرامة الإنسان، وأنها ستظل محل عناية وحزم متى توفرت بشأنها دلائل جدية، محذراً من خطورة اختلاق الوقائع أو التلاعب بالمعلومات لأغراض خاصة.
وبين تأكيد رسمي على استكمال الإطار القانوني والمؤسسي لمكافحة الرق، وتحركات حقوقية ترى أن بعض الحالات ما تزال تُكيَّف اجتماعياً بغير مسمياتها القانونية، يتجدد النقاش في موريتانيا حول الفاصل الدقيق بين الإرث التاريخي للرق، وصوره المحتملة في الحاضر، وحول دور الدولة والمجتمع المدني في مقاربة ملف بالغ الحساسية يمس الذاكرة الجماعية والعدالة الاجتماعية في آن واحد.
وشددت المفوضية الحكومية لحقوق الإنسان، في بيان رسمي، على أن «القضايا ذات الحساسية الاجتماعية والحقوقية يجب أن تُعالج عبر القنوات القانونية والمؤسسات المختصة، بعيداً عن التهويل أو التوظيف غير الدقيق للمعلومات»، مؤكدة احترامها لمسار التحقيقات واستقلالية القضاء.
في قلب هذا الجدل، خرجت والدة الطفلة، أمينة تراوري، في تسجيل مصور نفت فيه بشكل قاطع صحة ما تم تداوله عن تعرض ابنتها لأي شكل من أشكال الاستغلال أو الاستعباد.
وأكدت أن انتقال ابنتها للعيش مع أسرة في نواكشوط تم بموافقتها، بل بطلب من الطفلة نفسها، مشيرة إلى أن العلاقة التي تجمعها بتلك الأسرة تعود إلى فترة الجوار في مدينة لعيون شرق البلاد.
وأضافت أن الأسرة تكفلت بتسجيل الطفلة في المدرسة، واستخرجت لها رقماً وطنياً، ووفرت لها – بحسب تعبيرها – معاملة مماثلة لبناتها، معتبرة أن وصف الوضع بالعبودية «مجانب للحقيقة ولا يعكس واقع الأسرة».
وجاء هذا النفي رداً على تصريحات سابقة لقيادات في حركة «إيرا»، التي تحدثت عن وجود حالة استعباد واستغلال لقاصر، وطالبت بتدخل عاجل للسلطات وفتح تحقيق شفاف.
وفي المقابل، اتسم موقف المفوضية الحكومية بنبرة حذرة ومؤسساتية، إذ أعلنت أنها أخذت علماً بالقضية باعتبارها موضوع تحقيق ابتدائي لدى الجهات المختصة، مؤكدة التزامها بمبدأ قرينة البراءة، ومشددة على ضرورة تجنب إصدار أحكام مسبقة قد تؤثر على مسار العدالة.
كما أوضحت أنها ستتقدم كطرف مدني في الملف في حال تم تكييف الوقائع قانونياً على أنها حالة استرقاق، وستوفر -عبر الهيئة الوطنية لمحاربة الاتجار بالأشخاص- الحماية والمساعدة اللازمتين للضحية المفترضة.
من زاوية أخرى، عبّر المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان عن قلقه مما وصفه بـ»وضعية تشغيل غير قانونية» للطفلة، معتبراً أن القضية تدق ناقوس الخطر بشأن ظاهرة عمالة القُصّر في موريتانيا، وهي ظاهرة قد تندرج في بعض أشكالها ضمن الممارسات الشبيهة بالعبودية وفق تصنيفات أممية.
وطالب المرصد بفتح تحقيق جاد وشفاف، ومحاسبة جميع المتورطين -إن ثبتت الوقائع- وفق القانون، مع ضمان حماية الطفلة وصون كرامتها.
وتعكس هذه القضية تعقيداً بالغاً في مقاربة ملفات الاستعباد وعمالة القُصّر في موريتانيا؛ فهي من جهة تبرز هشاشة الأطفال في سياقات الفقر والتفكك الأسري، ومن جهة أخرى تطرح أسئلة دقيقة حول التكييف القانوني للحالات الاجتماعية المركبة، وحدود الخطاب الحقوقي والإعلامي عند التعامل مع ملفات حساسة.
ويرى متابعون لهذا الشأن أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في كشف الحقيقة، بل في ضمان أن يتم ذلك عبر مسار قضائي نزيه وشفاف، يحمي حقوق القاصر أولاً، ويحفظ كرامة جميع الأطراف، ويعزز ثقة المجتمع في مؤسسات العدالة، بعيداً عن أي توظيف سياسي أو إعلامي لقضايا إنسانية بالغة الحساسية.
وبين رواية الأسرة، وتحرك المنظمات، وموقف السلطات، يبقى الرهان معقوداً على نتائج التحقيقات الرسمية باعتبارها الفيصل الوحيد في حسم الجدل المتصاعد حول واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية في البلاد.





