أفريقيا برس – موريتانيا. في خضم موجة من الجدل التي أثارتها منشورات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن مزاعم استغلالٍ استرقاقي لقاصر في موريتانيا، سارعت الحكومة إلى التأكيد على متابعتها للموضوع ودعت إلى التثبت من المعطيات المتداولة وعدم الانسياق وراء الإشاعات.
وشددت المفوضة الحكومية لحقوق الإنسان في بيان لها، على أن «القضايا ذات الحساسية الاجتماعية والحقوقية يجب أن تُعالج عبر القنوات القانونية والمؤسسات المختصة، بعيداً عن التهويل أو التوظيف غير الدقيق للمعلومات».
وفي السياق ذاته، خرجت والدة القاصر المعنية لتنفي بشكل قاطع صحة ما يُروَّج عن تعرض ابنتها لأي شكل من أشكال الاستغلال، معتبرة «أن ما تم تداوله لا يعكس واقع الأسرة، ومعبّرة عن استغرابها من الزج باسمها واسم ابنتها في نقاشات عامة دون الرجوع إليها».
وبين نفي الأسرة ودعوة الحكومة إلى التحري، شهدت العاصمة تجمعاً لمتضامنين فرّقته الشرطة، في تطور زاد من حدة النقاش العام حول حدود التضامن، ومسؤولية التحقق، وطريقة التعاطي مع القضايا الحقوقية في الفضاء العام.
وأعاد هذه القضية المتعلقة بموضوع الاسترقاق بالغ الحساسية، فتح نقاش حاد حول قضايا الاستعباد وتشغيل القُصّر وحدود التعاطي الحقوقي والإعلامي مع الملفات الحساسة، خصوصاً حين تتقاطع روايات الأسرة، ومواقف المنظمات الحقوقية، وتدخلات السلطات الأمنية.
وتحولت القضية في أيام قليلة إلى موضوع رأي عام، انقسمت بشأنه المواقف بين من يرى فيها حالة استعباد واضحة، ومن يعتبرها تضخيما إعلاميا لقضية اجتماعية ملتبسة.
في قلب هذا الجدل، خرجت والدة الطفلة، أمينة تراوري، بتسجيل مصور نفت فيه بشكل قاطع كل ما قيل عن تعرض ابنتها للاستعباد لدى أسرة في نواكشوط. وأكدت أن انتقال ابنتها للعيش مع تلك الأسرة تم بموافقتها وطلب من الطفلة نفسها، مشيرة إلى أن العلاقة التي جمعتها بالأسرة تعود إلى فترة الجوار في مدينة لعيون شرق موريتانيا، حيث «كانوا يحسنون إلينا»، حسب تعبيرها.
وأضافت «أن الأسرة سجلت الطفلة في المدرسة، واستخرجت لها رقما وطنيا، ووفرت لها معاملة تماثل معاملة بناتهم»، معتبرة «أن وصف الوضع بالعبودية مجانب للحقيقة».
وجاء هذا النفي الصريح ردا على تصريحات سابقة لقيادات في «حركة إيرا» الناشطة في مجال الرق، تحدثت عن وجود حالة استعباد واستغلال لقاصر، وطالبت بتدخل عاجل للسلطات.
وقد وجدت هذه التصريحات صدى واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث استُحضرت من جديد ذاكرة موريتانيا الثقيلة مع ممارسات الرق ومخلفاته الاجتماعية، رغم الترسانة القانونية التي تجرّم هذه الظواهر.
وفي المقابل، اتسم موقف مفوضية حقوق الإنسان والعمل الإنساني والعلاقات مع المجتمع المدني بنبرة حذرة ومؤسساتية؛ إذ أعلنت المفوضية أنها أخذت علما بالقضية باعتبارها «موضوع تحقيق ابتدائي» لدى الجهات المختصة، مؤكدة احترامها لاستقلالية القضاء، ومشددة في الوقت نفسه على ضرورة التزام جميع الأطراف بمبدأ قرينة البراءة وعدم التهويل أو المزايدة».
كما أوضحت «أنها ستتقدم كطرف مدني في الملف في حال تم تكييف الوقائع قانونيا على أن الحالة حالة استرقاق، وستوفر عبر الهيئة الوطنية لمحاربة الاتجار بالأشخاص، الحماية والمساعدة اللازمتين للضحية المفترضة».
وعكس هذا الموقف الرسمي محاولة التوازن بين الالتزامات الدولية لموريتانيا في مجال حقوق الإنسان، وبين تجنب إصدار أحكام مسبقة قد تؤثر على مسار العدالة.
لكنه في الوقت نفسه، يسلط الضوء على إشكالية مزمنة تتعلق بتكييف الحالات الاجتماعية المعقدة في موريتانيا؛ فقد حاولت حركة «إيرا»، حسب ما يؤكده خصومها، من تحويل إقامة قاصر لدى أسرة أخرى ضمن حالات التضامن الاجتماعي التقليدي، إلى وضعية استغلال وممارسة شبيهة بالعبودية».
من زاوية أخرى، عبّر المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان عن قلق بالغ إزاء ما وصفه بـ»وضعية تشغيل غير قانونية» للطفلة، معتبرا أن القضية تدق ناقوس الخطر بشأن تفشي ظاهرة عمالة القُصّر في موريتانيا، وهي ظاهرة قد تندرج، في بعض أشكالها، ضمن الممارسات الشبيهة بالعبودية، حسب تصنيفات أممية. وطالب المرصد بفتح تحقيق جاد وشفاف، ومحاسبة جميع المتورطين وفق القانون.
غير أن تطورات القضية لم تقف عند حدود الجدل القانوني والحقوقي، بل امتدت إلى الشارع، حيث نظّم نشطاء من حركة «إيرا» تجمعا احتجاجيا أمام مفوضية الشرطة بولاية نواكشوط الشمالية، للمطالبة بإطلاق سراح الطفلة ومحاسبة من وصفوهم بالمتورطين في استعبادها.
وقد تدخلت الشرطة لتفريق التجمع غير المرخص بالقوة، ما أسفر عن إصابات في صفوف بعض المحتجين، وفق ما أفادت به منظمات حقوقية.
وأعاد هذا التدخل إلى الواجهة نقاشا موازيا حول الحق في التجمهر السلمي وحدود استخدام القوة من طرف الأجهزة الأمنية.
وفي المحصلة، فقد كشفت هذه القضية عن تعقيد بالغ في مقاربة ملفات الاستعباد وعمالة القُصّر في موريتانيا؛ فهي من جهة تبرز هشاشة الأطفال في سياقات الفقر والتفكك الأسري، ومن جهة أخرى تطرح أسئلة حول مسؤولية الفاعلين الحقوقيين في التثبت من المعطيات قبل إطلاق توصيفات ثقيلة الوطأة.
وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي هو إظهار الحقيقة كاملة عبر مسار قضائي نزيه، يضمن حقوق الطفلة أولا، ويحفظ كرامة جميع الأطراف، ويعزز ثقة المجتمع في دولة القانون، بعيدا عن التوظيف السياسي أو الإعلامي لقضايا إنسانية بالغة الحساسية.





