أفريقيا برس – موريتانيا. في سياق إقليمي متوتر تتصاعد فيه تداعيات الحرب على غزة ويلعب فيه الرئيس الأمريكي على مسرحية «مجلس السلام في غزة»، أعلنت موريتانيا في بيان لوزارة الخارجية عن موقف رسمي رافض لتصريحات أدلى بها السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مؤكدة «أن هذه التصريحات مسيئة ومتناقضة مع ثوابت الشعب الموريتاني تجاه القضية الفلسطينية».
وجاء الرد الموريتاني ليعكس تمسك نواكشوط بخطابها الدائم الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، متناغما مع تنظيم المبادرة الطلابية الموريتانية لمقاومة الاختراق الصهيوني لتظاهرات أمام السفارة الأمريكية في نواكشوط رافعة سقف الاحتجاجات ومجددة التأكيد على أولوية تضامن الشعب الموريتاني مع غزة.
وبين الموقف الدبلوماسي والتحركات الميدانية، تتقاطع الرسائل السياسية والشعبية الموريتانية في مشهد يعكس حساسية المرحلة، ويؤكد أن القضية الفلسطينية ما تزال حاضرة بقوة في الوجدان الجمعي الموريتاني، الرسمي منه والشعبي على حد سواء.
وأعلن بيان وزارة الشؤون الخارجية الموريتانية «رفض نواكشوط القاطع لتصريحات نُسبت إلى سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل حول إمكانية القبول بفرض سيطرة إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط، واعتبرها البيان «مخالِفةً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».
ولم يكتف البيان بالرفض، بل أعاد تثبيت الإحداثيات السياسية للموقف الموريتاني: «الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أراضٍ فلسطينية محتلة وفق قرارات الشرعية الدولية، وأي محاولة لتكريس واقع مخالف لذلك «مرفوضة وباطلة».
كما جدّد التأكيد على «دعم موريتانيا الذي لا يتزحزح لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ضمن حل عادل وشامل يفضي إلى سلام دائم».
وحسب محللين علقوا لـ «القدس العربي» على هذا الموقف، فإن بيان وزارة الخارجية الموريتانية يكتسب دلالته من توقيته. ففي وقتٍ تتسم فيه الساحة الدولية -يضيف هؤلاء المحللون- بحساسية عالية تجاه مواقف الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، وتميل فيه بعض العواصم إلى التحفّظ أو الصمت تفادياً لأي توتر سياسي، اختارت نواكشوط أن تعبّر عن موقفها بوضوح ومن دون مواربة.
ولا يُقرأ هذا الوضوح فقط، حسب المحللين، بوصفه موقفاً سياسياً، بل باعتباره تأكيداً على استقلالية القرار الوطني؛ فموريتانيا، وهي تنسج علاقات تعاون في ملفات أمنية واستراتيجية مع شركاء دوليين، تُظهر أن تلك الشراكات لا تُقيد مواقفها في القضايا التي تعدّها من ثوابتها القومية والدينية والحضارية.
وقرأ الدبلوماسي الدولي محمد سالم ولد الصوفي الموريتاني بيان الخارجية الموريتانية الرافض لتصريحات سفير ترامب في إسرائيل من زاويتين الأولى، أكد أنها ناحية سيادية، تستند إلى إجماع وطني تاريخي حول القضية الفلسطينية، والثانية ناحية مرتبطة بإدارة التصعيد، مبرزا «أن الاستناد الصريح إلى الشرعية الدولية ومواثيق الأمم المتحدة ليس مجرد إحالة قانونية، بل رسالة تهدئة محسوبة تُظهر حرص موريتانيا على التوازن، دون التراجع عن جوهر موقفها».
وأضاف الصوفي «أن اللهجة الدبلوماسية التي طبعت البيان، تعكس المرحلة الراهنة من العلاقات الدولية وتوازن المصالح الاستراتيجية الموريتانية».
وأشار الصوفي «إلى أن البيان يؤكد قدرة موريتانيا على اتباع نهج سيادي يتجاوز الملفات التقليدية التي يركز عليها بعض الشركاء مثل الهجرة ومكافحة الإرهاب، ما يمنح البلاد هامشًا أوسع لاتخاذ مواقف جريئة وواضحة خاصة بشأن الثوابت الوطنية التي توجد على رأسها القضية الفلسطينية».
وأوضح ولد الصوفي «أن الموقف الموريتاني يرسل إشارات إلى واشنطن بأن التعاون العسكري لا يعني بالضرورة التماهي مع جميع الملفات الحساسة»، مؤكدًا بروزا واضحا لاستقلالية القرار الوطني الموريتاني في القضايا القومية والدينية والحضارية».
واختتم الصوفي تعليقه مؤكدا «أن استقلالية الخطاب الموريتاني يمكن تدعيمه من خلال الاستفادة من التجارب الدبلوماسية السابقة، مع الحرص على أن يعكس الرؤية الوطنية بعيدًا عن أي تأثير خارجي، بما يعزز مكانة موريتانيا على الصعيد الإقليمي».
هذا في الأروقة الدبلوماسية، أما على الأرض فقد تزامن بيان الخارجية الموريتانية الرافض للطرح الأمريكي، مع حراك متواصل تقوده المبادرة الطلابية الموريتانية لمقاومة الاختراق الصهيوني، التي نظمت وقفات احتجاجية أمام السفارة الأمريكية في نواكشوط، رفعت خلالها شعارات تندد بالانتهاكات الجارية في الأراضي الفلسطينية، وتعبّر عن تضامنها مع سكان غزة.
وأعلنت المبادرة في السياق ذاته، عن إطلاق النسخة الثالثة من حملتها الطلابية الكبرى لجمع التبرعات لصالح أهالي غزة، داعية طلاب مؤسسات التعليم العالي إلى المشاركة الواسعة، خاصة مع حلول شهر رمضان، ومؤكدة «أن الظرف الإنساني يتطلب مضاعفة الجهود».
وخلال الفعالية، شدد رئيس المبادرة الطلابية على «أن الدعم الإنساني جزء من مسؤولية أخلاقية ووطنية».
وحضر النشاط ممثل عن مؤسسة الرباط الوطني لمؤازرة الشعب الفلسطيني، التي تتولى إيصال التبرعات وتوثيق توزيعها داخل القطاع.
وتضمن برنامج الفعالية عرض مواد توثيقية حول الأوضاع الإنسانية في غزة وجهود الإغاثة السابقة.
وبهذا التوازي بين موقف رسمي واضح وحراك مجتمعي نشط، تبدو موريتانيا وكأنها تعيد تثبيت معادلتها الخاصة: شراكات دولية قائمة، لكن دون تنازل عن الثوابت، وهو خطاب دبلوماسي متزن، لكنه حسب المحللين، غير قابل للمساومة على ما في الجوهر.





