احتجاجات في موريتانيا على توقيف نشطاء استرقاق قاصر

2
احتجاجات في موريتانيا على توقيف نشطاء استرقاق قاصر
احتجاجات في موريتانيا على توقيف نشطاء استرقاق قاصر

أفريقيا برس – موريتانيا. شهد ملف ما يُعرف بقضية «استرقاق قاصر» في موريتانيا تطورات متسارعة أعادت الجدل حول ملف العبودية في موريتانيا إلى واجهة المشهدين الحقوقي والسياسي.

وحدث ذلك إثر قرار قاضي التحقيق توقيف عدد من النشطاء الذين كانوا قد بلغوا عن القضية، وسط احتجاجات رافضة للقرار ومطالبة بإطلاق سراحهم.

وأكدت النيابة العامة أن التحقيقات كشفت عن «تلفيق أدلة» في الملف، معتبرة «أن المعطيات المتداولة لا تستند إلى وقائع ثابتة»، فيما ترى الجهات المبلِّغة أن التوقيف يمثل تضييقًا على العمل الحقوقي.

وسرعان ما تحولت قضية استرقاق القاصر التي أُثيرت بداية من طرف حركة «إيرا» إلى محور سجال وطني واسع، أعاد طرح الأسئلة القديمة الجديدة حول واقع العبودية في البلاد: هل يتعلق الأمر بممارسات قائمة فعلاً، أم بآثار اجتماعية واقتصادية موروثة تعمل الدولة على معالجتها ضمن سياسات الإدماج ومحاربة الهشاشة؟

وفي خضم هذا الجدل، تنقسم الساحة الموريتانية إلى اتجاهين رئيسيين، أحدهما يرى أن الرق كممارسة اجتماعية لم يعد موجودًا، وأن الجهود الحكومية خلال السنوات الأخيرة مثلت، بما اشتملت عليه من تجريم العبودية وإنشاء محاكم مختصة في قضايا الرق وتعزيز برامج إدماج ضحايا الاسترقاق، مسارًا عمليًا لإنهاء آثار الرق الاجتماعية.

وفي المقابل، يؤكد اتجاه آخر تقوده حركة «إيرا» بزعامة النائب المعارض بيرام اعبيد، أن ظاهرة العبودية ما تزال قائمة بأشكال مختلفة، ويتهم السلطات بالتقليل من حجمها، ويطرح الملف في المنابر الحقوقية الدولية ويجعله جزءًا من خطابه السياسي المعارض.

وبين الرواية الرسمية وتحركات النشطاء، تظل قضية القاصر وتداعياتها القضائية عنوانًا جديدًا في سجل ملف بالغ الحساسية، يتقاطع فيه القانوني بالحقوقي، والاجتماعي بالسياسي، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات والمسار القضائي.

وشهدت العاصمة نواكشوط، أمس وقفة احتجاجية نظمتها نساء من مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية «إيرا»، أمام مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان بنواكشوط، تنديدًا بقرار قاضي التحقيق في الديوان الثاني بمحكمة نواكشوط الشمالية إيداع عدد من نشطاء الحركة السجن، على خلفية تنسيقهم لقضية يدعون فيها كشفهم عن استرقاق طفلة قاصر.

وكان قاضي التحقيق قد أصدر أوامر بإيداع المنسق العام للحركة الحاج العيد، ومسؤول ملف حقوق الإنسان عبد الله أبو ديوب، إلى جانب نشطاء آخرين، السجن، بعد إحالتهم من طرف النيابة العامة التي وجّهت إليهم تهمة «تكوين جمعية أشرار»، وذلك عقب حفظ شكوى كانت الحركة قد تقدمت بها بشأن حالة استعباد مفترضة لطفلة تبلغ من العمر 11 عامًا.

ورفعت ناشطات حركة «إيرا» المشاركات في الوقفة شعارات من قبيل: «لا للعبودية، لا لقمع المبلغين عن العبودية»، واعتبرن أن ما يجري يمثل «تجريمًا للمبلّغين بدل ملاحقة المتورطين».

وقادت البرلمانية المعارضة قامه عاشور هذه الاحتجاجات، مؤكدة «أن تنظيم الوقفة أمام مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان بنواكشوط، يحمل رسالة مفادها أن موريتانيا «تملك ترسانة قانونية لتجريم العبودية، لكن التطبيق يطال المبلغين بدل الجناة».

من جانبها، اعتبرت دمبه ناصر الدين القيادية في حركة «إيرا» أن القضية تشهد «تصفية حسابات»، مشيرة إلى تصريحات لمحامين تحدثوا عن خلفيات محتملة للنزاع.

أما القيادية الإيراوية آسية صالح، فشددت خلال الوقفة الاحتجاجية على أن النشطاء «سلكوا المسطرة القانونية في التبليغ»، وأن سجنهم «لن يثنيهم عن مواصلة نضالهم السلمي».

بحسب بيان حركة «إيرا»، فقد مثل أمام القضاء عدد من قيادييها، من بينهم بناس حميدة، ومحمد فاضل أعليات، ولاله فاطمة، ورشيدة السالك، قبل أن يتم إيداعهم السجن، كما صدر أمر توقيف بحق الناشط محمد الأغظف النعمة.

وأوضحت الحركة «أن الملف تنقّل بين جهات قضائية مختلفة، من المحكمة المختصة في قضايا الاسترقاق إلى محكمة نواكشوط الشمالية، معتبرة أن تغيير التكييف القانوني من «استعمال المزور والتشهير» إلى «تكوين جمعية أشرار» أثار احتجاج هيئة الدفاع عن الموقوفين.

كما تحدث البيان عن توقيفات أخرى لنشطاء إيراويين في ولايات داخلية، من بينها العصابة وداخلت نواذيبو، شملت منتخبين محليين وناشطين، إضافة إلى مدونة عضو في لجنة الإعلام بالحركة.

صور وفيديوهات ملفقة

استندت «إيرا» في بيانها إلى المادة 22 من القانون رقم 2025-021 المتعلق بمكافحة الفساد، والتي تنص على حماية المبلغين والشهود والضحايا، معتبرة أن توقيف النشطاء يتعارض مع روح الحماية القانونية للمبلغين عن الانتهاكات.

في المقابل، أصدرت النيابة العامة بيانًا أكدت فيه أنها تلقت إشعارًا من مفوضية الشرطة الخاصة بالقُصَّر بشأن بلاغ تقدمت به «إيرا» حول حالة استعباد مفترضة لطفلة قاصر، مرفقًا بصور ومقاطع فيديو متداولة.

وبحسب النيابة، فقد أمر وكيل الجمهورية بفتح بحث ابتدائي، والاستماع إلى المعنيين والشهود، قبل أن تخلص التحقيقات إلى أن الطفلة كانت تقيم لدى أسرة صديقة لوالدتها بطلب منها، بسبب ظروف مادية صعبة، وأنها كانت مسجلة في مدرسة نظامية ولم تتعرض لأي شكل من أشكال الاستغلال أو العمل القسري.

كما أكدت النيابة «أن الصور والفيديوهات تم تلفيقها وتصويرها في ظروف موجهة لا تعكس الواقع»، مشيرة «إلى أن بعض المشاهد جرى ترتيبها لإعطاء انطباع بوجود حالة استعباد».

وبناءً على ما اعتبرته «انتفاء أركان الجريمة»، قررت النيابة العامة حفظ المسطرة، مع احتفاظها بحق متابعة أي أفعال مخالفة للقانون قد تكشفها التحقيقات.

تعيد هذه القضية إلى الواجهة الجدل المتجدد في موريتانيا حول آليات مكافحة العبودية، وحدود مسؤولية النشطاء في التبليغ، وضمانات حماية المبلغين من جهة، وضرورة تحري الدقة وعدم استغلال القضايا الحساسة من جهة أخرى.

وفي وقت تؤكد فيه السلطات أن «جرائم الاستعباد من أخطر الجرائم وستظل محل حزم كلما توفرت دلائل جدية»، أكدت حركة «إيرا» الحقوقية أن «ما جرى يمثل سابقة خطيرة في التعامل مع ملفات الاسترقاق»؛ مطالبة «بالإفراج غير المشروط عن الموقوفين».

وبين روايتي نفي وجود الرق والسعي لإثباته، يبقى ملف العبودية مفتوحًا على تطورات قضائية مرتقبة، في قضية تتقاطع فيها السياسة والقانون وحقوق الإنسان، وفي موقف يظهر مجددًا حجم التحديات الماثلة في معالجة إرث العبودية في موريتانيا.