أفريقيا برس – موريتانيا. في ظل المفاوضات المتواصلة حالياً، وسط ضغوط أمريكية متصاعدة تهدف، وفق قراءات متقاطعة، إلى دفع جبهة البوليساريو والجزائر نحو التعاطي مع مقترح الحكم الذاتي باعتباره أرضية للحل، جدّدت موريتانيا تمسكها بموقفها التقليدي القائم على الحياد الإيجابي، مؤكدة مشاركتها في الجولة الثانية من المشاورات الجارية حاليا بشأن الصحراء الغربية.
ويأتي هذا التأكيد في سياق إقليمي ودولي حساس، تتزايد فيه رهانات التسوية السياسية، بينما تحرص نواكشوط على الحفاظ على توازنها الدبلوماسي، ودعم أي مسار تفاوضي من شأنه أن يفضي إلى حل سلمي يخفف من الكلفة الإنسانية والاجتماعية والسياسية للنزاع، التي ترى أنها لم تعد تخص أطرافه المباشرين فحسب، بل تمس استقرار المنطقة برمتها.
وفيما يواصل الرئيس الموريتاني ولد الشيخ الغزواني شخصيا، وعن بعد، عبر سفيره في واشنطن، إدارة الموقف الموريتاني في التفاوض الجاري، أعلن وزير الثقافة الناطق باسم الحكومة، الموريتانية الحسين ولد مدو، «أن موريتانيا تشارك في الجولة الثانية من المفاوضات بشأن النزاع، مع التمسك بموقفها الحيادي الثابت والدافع نحو إيجاد حل سلمي ومتوافق عليه بيت طرفي النزاع، بعيداً عن أي تصعيد من شأنه تعميق الانقسام الإقليمي.
وأوضح الوزير أن موريتانيا تعمل بجد لتحفيز أطراف النزاع على مواصلة التواصل والانخراط الإيجابي في المفاوضات، بما يفضي إلى حل «مرضٍ»، في إشارة إلى تمسك نواكشوط بخيار التيسير والدفع نحو التسوية، دون التحول إلى طرف مباشر في النزاع.
وينسجم هذا الموقف مع المنهجية الدبلوماسية التي تبنتها موريتانيا منذ انسحابها من الإقليم نهاية سبعينيات القرن الماضي، والقائمة على الحياد الإيجابي، ودعم المسار الأممي باعتباره الإطار الشرعي الوحيد للتسوية.
وأشار ولد مدو إلى أن تحرك موريتانيا ينبع من قناعة راسخة بأن استمرار هذا الإشكال «البنيوي» يفرض كلفة إنسانية واجتماعية وسياسية باهظة، لا تتحملها الأطراف المعنية بل والمنطقة بأسرها.
ويحيل هذا التوصيف إلى إدراك نواكشوط لحساسية موقعها الجغرافي، إذ إن أي توتر في المنطقة قد ينعكس على أمنها الحدودي، وحركتها التجارية، واستقرارها الداخلي، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي يعرفها فضاء الساحل.
ويكرس إعلان المشاركة في الجولة الثانية من المفاوضات حضور موريتانيا في المشهد التفاوضي بصفتها طرفاً معنياً بالاستقرار الإقليمي، لا باعتبارها طرف نزاع، وهو حضور يهدف، وفق الخطاب الرسمي الموريتاني، إلى تقريب وجهات النظر وتخفيف منسوب التوتر، دون الإخلال بالتوازنات الدقيقة التي تحكم علاقاتها مع مختلف الأطراف.
وجاء تأكيد موريتانيا لتمسكها بالحياد في النزاع الصحراوي، يومين بعد لقاء رسمي متزامن مع المفاوضات الجارية، أجراه الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، مع رئيس المجلس الوطني الصحراوي حمة سلامة، ونشرته الرئاسة الموريتانية على صفحتها الرسمية.
فقد أثار هذا اللقاء ردود فعل مستاءة في المغرب عكستها منابر مغربية شبه رسمية، معتبرة أن اللقاء يأتي في توقيت حساس يتزامن مع حركية أممية وأمريكية متجددة بشأن النزاع.
فقد نقل موقع «هسبريس» تصريحات للباحث المغربي سعيد بوشاكوك، الذي رأى أن استقبال وفد من جبهة البوليساريو، رغم غياب إعلان رئاسي مفصل حول فحواه، يتقاطع مع استمرار جولات المشاورات بين أطراف النزاع تحت رعاية الأمم المتحدة وبإشراف مباشر من الإدارة الأمريكية، معتبراً أن الخطوة «لا تعدو أن تكون صباً للماء في الرمال دون تأثير فعلي على مسار الملف».
وفي المقابل، تبدو القراءة الموريتانية مختلفة في منطلقاتها» إذ لا تنظر نواكشوط إلى هذه اللقاءات بوصفها اصطفافاً سياسياً، بل باعتبارها امتداداً لعلاقات قائمة مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في إطار عضويتها داخل الاتحاد الإفريقي، مع المحافظة في الوقت ذاته على علاقات استراتيجية ومتنامية مع الرباط.
جدل يعكس حساسية ملف الصحراء
وفي المحصلة، يعكس الجدل الإعلامي حول لقاء نواكشوط استمرار حساسية ملف الصحراء الغربية في الوعي المغربي، كما يكشف حجم الترقب الإقليمي لأي إشارة تصدر عن العواصم المعنية.
وبين قراءات «الحسم» وواقعية «التوازن»، تواصل موريتانيا تثبيت موقعها كفاعل حريص على الاستقرار، لا كطرف في نزاع مفتوح.
هذا ويولي ساسة موريتانيا ومدونوها وإعلامها الخاص، هذه الأيام، اهتماما كبيرا لملف الصحراء الغربية، حيث خصصت قنوات تلفزية مستقلة عدة برامج لمناقشة القضية، كما كتب عنها الكثيرون.
وعبّر وزير الخارجية الموريتاني الأسبق محمد فال ولد بلال، عن أمله في أن يفضي استمرار الزخم الحالي، وقدرة الولايات المتحدة على مواصلة الضغط والحضور والتأثير على أطراف النزاع وعلى أوروبا وبقية المجتمع الدولي حتى اجتماع أيار / مايو المرتقب في واشنطن، إلى «حل أكيد» للنزاع.
وأكد ولد بلال «أن السيناريو المقابل يظل قائماً، فإذا تباطأت الرعاية الأمريكية أو تخلت عن الملف لسبب أو لآخر، فإن النزاع سيعود إلى «الجمود التقليدي»، لكنه سيكون، بحسب تعبيره، جموداً «مُداراً ومؤطراً، يخفف التوتر الميداني والإعلامي تدريجياً، ويحسن الأجواء الدبلوماسية في المنطقة من دون أن يبلغ حد الحل النهائي».
وأكد المحلل الموريتاني إسماعيل يعقوب المعروف بولائه للبوليساريو «أنه لا يخشى على موريتانيا من قيام دولة صحراوية مستقلة، بل إنه يرجو ذلك ويتمنى أن يتحقق».
وأوضح «أن قيام دولة صحراوية لن يشكّل تهديدًا لموريتانيا، بل قد يكون عامل استقرار وتوازن في المنطقة، وفق رؤيته وتحليله»، مشيرا «إلى من مصلحة موريتانيا وجود صحراوية تحول بينها مع المغرب ذي الأطماع التوسعية»، حسب تعبيره.
أما الكاتب البارز حبيب الله ولد أحمد، فقد علق على مجريات التفاوض قائلا «يجب أن نكون واضحين فالصحراويون مصيرهم لا يقرره ترامب ولا غزواني ولا تبون ولا محمد السادس، فوحده الشعب الصحراوي يقرر مصيره بنفسه دون أية وصاية أجنبية، كما أن الخربطة السيادية المغربية شأن مغربي، والمغاربة هم من يرسمون تلك الخربطة؛ وما يهم الآن هو حل توافقي ينهى أزمنة الحروب والخراب ويبشر بمستقبل من التعايش والتآلف والود والسلام».
وأضاف: «لئن التزمت الحكومة الموريتانية الصمت بشأن « لكويره»، فإنني وقطاع عريض من الموريتانيين نراها مدينة موريتانية حان الوقت لإعمارها وتنشيطها وعودة سكانها من نواذيبو والزويرات لإحيائها؛ ففي عمرانها وفاء لشهداء الجيش والأمن الموريتاني الذين تنام عظامهم تحتها بشغف أزلي».
وزاد: «كل ما نريده كموريتانيين هو بلدة «لكويره» وطي ملف أية مطامع أجنبية فيها وإعادة إعمارها وربطها بالمدينة الأم نواذيبو وبوطنها الأم موريتانيا».





