موريتانيا تنسق شراكات أكاديمية لتلبية احتياجات السوق

1
موريتانيا تنسق شراكات أكاديمية لتلبية احتياجات السوق
موريتانيا تنسق شراكات أكاديمية لتلبية احتياجات السوق

أفريقيا برس – موريتانيا. في بلدٍ تتسارع فيه وتيرة التحول العمراني، وتضغط فيه التحولات الديمغرافية بقوة على سوق العمل، بدأت موريتانيا ترسل إشارات واضحة عن رغبتها في إعادة صياغة منظومتها الخاصة بالتعليم العالي والتكوين المهني، بما يجعلها أكثر التصاقًا بحاجات الاقتصاد الوطني وأقدر على استيعاب طموحات جيل شاب واسع العدد ومحدود الفرص.

وتجسدت أحدث هذه الإشارات في تحرك أكاديمي لافت نحو إنشاء مدرسة وطنية للهندسة المعمارية في نواكشوط، عبر شراكة إقليمية مع مؤسسات تعليمية مغربية راكمت خبرة معتبرة في هذا المجال.

وانطلقت الخطوة من جامعة نواكشوط، التي دخلت في مشاورات مع المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بالرباط، بهدف استكشاف آفاق التعاون ووضع الأسس الأولى لمشروع أكاديمي جديد في موريتانيا. وتم التشاور عبر تقنية الاتصال المرئي، في لقاء جمع رئيس جامعة نواكشوط علي محمد سالم البخاري ومدير المدرسة المغربية عبد الهادي بن يحيى، إلى جانب رئيس الهيئة المهنية للمعماريين الموريتانيين، في مشهد يعكس تقاطع البعدين الأكاديمي والمهني داخل هذا المشروع.

ومع أن هذه المشاورات لا تزال في مرحلة التصور، دون إعلان تفاصيل دقيقة حول البرامج التي اتفق عليها الطرفان أو آجال التنفيذ، فإن دلالتها تتجاوز بعدها التعليمي المباشر.

فموريتانيا، التي تشهد توسعًا حضريًا متسارعًا في نواكشوط ومدن الداخل، تواجه تحديات متزايدة في مجالات التخطيط العمراني، والسكن، والبنية التحتية، والحفاظ على الخصوصيات البيئية والمجالية.

وفي ظل محدودية الكفاءات المحلية المتخصصة، بات الاستثمار في تكوين معماريين وطنيين خيارًا استراتيجيًا، لا مجرد ترف أكاديمي.

ويعتمد هذا التوجه على أرضية تعاون قائمة بالفعل، إذ ترتبط جامعة نواكشوط باتفاقية شراكة مع جامعة محمد الخامس بالرباط، تشمل البحث العلمي، والدعم الفني، وتبادل الأساتذة والباحثين.

وتُعد هذه الشراكة رافعة محتملة لتطوير مسار دراسي موريتاني يستفيد من التجربة المغربية، التي نجحت في الجمع بين التكوين الأكاديمي الصارم والانفتاح على قضايا العمارة المستدامة والتحديات الحضرية المعاصرة.

وقد توازى هذا التحرك الأكاديمي مع مسار حكومي، حيث اتخذت السلطات الموريتانية في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، قرارًا بإنشاء المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية داخل جامعة نواكشوط، لتكون إطارًا مؤسسيًا مخصصًا للتكوين والبحث في مجالات العمارة والتخطيط الحضري.

ويُنظر إلى هذا القرار بوصفه جزءًا من رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز التخصصات التقنية والمهنية داخل التعليم العالي، وربطها مباشرة بمتطلبات التنمية.

غير أن ملف التكوين لا يقتصر على العمارة وحدها؛ فالتحدي الأكبر يظل متمثلًا في بطالة الشباب واتساع دائرة الهشاشة المهنية، في بلد تتجاوز فيه نسبة من هم دون 25 عامًا ستين في المئة من السكان.

وقد دفعت هذه المعادلة الديمغرافية، التي تصفها المؤسسات الدولية بأنها «فرصة» بقدر ما هي «تحدٍ»، الحكومة الموريتانية إلى إدراج إصلاح التكوين المهني في صلب سياساتها العمومية.

وفي هذا الإطار، صادق مجلس الوزراء في تموز/يوليو 2025 على مشروع قانون يجيز المصادقة على اتفاقية قرض بقيمة 30.5 مليون دولار موقعة بين موريتانيا والبنك الإسلامي للتنمية، ومخصصة لتمويل مشروع تحسين التكوين المهني وتشغيل الشباب، ضمن الاستراتيجية الوطنية للتكوين المهني 2023–2030.

ويهدف المشروع إلى تقليص الفجوة بين مخرجات التكوين واحتياجات سوق العمل، عبر التركيز على المهارات التقنية والتطبيقية، خصوصًا في القطاعات ذات القدرة التشغيلية مثل المعادن، والزراعة، والخدمات.

ولا يكمن الرهان، وفق مراقبين، في حجم التمويل أو عدد المشاريع فحسب، بل في جودة التنفيذ والقدرة على التنسيق بين الدولة، ومؤسسات التكوين، والقطاع الخاص.

فقد أظهرت تجارب دول مثل المغرب ورواندا أن إصلاح التكوين المهني يمكن أن يحقق نتائج ملموسة حين يُدار بحوكمة صارمة، ويُربط بمؤشرات أداء واضحة، ويستجيب لحاجات الاقتصاد الحقيقي لا لاعتبارات إدارية بحتة.

وفي هذا السياق، يعتبر مشروع مدرسة العمارة بجامعة نواكشوط جزءًا من مقاربة أوسع لإعادة تعريف دور التعليم في موريتانيا، فهو لا يستهدف فقط تخريج مهندسين معماريين، بل يسعى إلى إنتاج معرفة محلية قادرة على مرافقة التحولات العمرانية، وخلق فرص عمل نوعية، وتخفيف الضغط على سوق الشغل غير المنظم.

وبين الطموح والإنجاز، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المبادرات من تصورات واتفاقيات إلى مؤسسات فاعلة، قادرة على استيعاب طموحات الشباب، وربط التعليم بمستقبل المدن وبحاجيات الاقتصاد الوطني.